الجنوب بعد "اليونيفيل": بين فراغ القوة وغياب البديل

منذ 36 دقيقة
يقف جنوب لبنان اليوم على عتبة استحقاق مصيري لم يعرفه منذ عقود: نهاية الوجود الأممي الذي رافق حياته اليومية طوال ما يقارب نصف قرن. فقد قرر مجلس الأمن تمديد مهمة اليونيفيل للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الاول 2026، على أن تتوقف عملياتها في ذلك التاريخ وتبدأ عملية انسحاب منظمة وآمنة تمتد على مدى عام كامل، بهدف أن تصبح الدولة اللبنانية "المزوّد الوحيد للأمن في جنوب لبنان"، من دون أن تُحدَّد بعد الآلية العملية لتحقيق هذا الهدف. هذا القرار، الذي بدا للوهلة الأولى ترتيباً فنياً لنقل الصلاحيات، يفتح في الواقع على مروحة من الأسئلة الوجودية حول مستقبل المنطقة الحدودية، أمنياً واقتصادياً واجتماعياً، في ظل غياب أي بديل متكامل يملأ الفراغ الذي ستتركه قوة نشرت يوماً أكثر من 7500 جندي دولي وعشرات المواقع على امتداد الشريط الحدودي وراح العدد يرتفع حتى وصل إلى اكثر من ٤١ الف ضابط وعسكري من أكثر من ٢٠ دولة .


استحالة التمديد: جدار أميركي - إسرائيلي
المعطى الأول والأكثر حسماً هو أن مسار التمديد التقليدي ل "ليونيفيل" بات شبه مقفل.فالولايات المتحدة، التي طالما شكّلت الرقم الصعب في معادلة التصويت داخل مجلس الأمن، تبنّت منذ العام الماضي موقفاً واضحاً يقضي بأن يكون التمديد الأخير محدداً بعام واحد لا أكثر، تمهيداً لإنهاء المهمة نهائياً. وقد حاولت الدبلوماسية اللبنانية، بدعم فرنسي، الدفع باتجاه معالجة مختلفة؛ إذ طلبت فرنسا عقد جلسة لمجلس الأمن لبحث مرحلة ما بعد "اليونيفيل" وتقديم طلب لتمديد ولاية القوة الدولية وفق مهمتها الحالية، إلا أن واشنطن لم توافق على ذلك. أما إسرائيل، فتتعامل مع الوجود الأممي بوصفه عبئاً لا ضمانة، وترفض أي صيغة لا تقوم على التنسيق المباشر بين جيشها والجيش اللبناني حصراً. هذا التقاطع الأميركي - الإسرائيلي حوّل مسألة التمديد من نقاش فني إلى معطى شبه محسوم الرفض، ما يضع بيروت أمام سباق مع الزمن لبلورة صيغة بديلة قبل حلول نهاية العام 2026. لكن محاولات لبنان المتكررة لم تنجح حتى الساعة في احداث اي اختراق جدي وحاسم .

البديل الغائب: تعدد المقترحات وغياب التوافق
في مقابل استحالة التمديد، لم تتبلور حتى الآن أي صيغة بديلة متكاملة تحظى بإجماع الأطراف المعنية. فقد تعددت الأفكار المطروحة من دون أن تنضج أي منها إلى مشروع قابل للتنفيذ
• طُرحت فكرة قوة متعددة الجنسية، قد تضم إلى العناصر الأوروبية عناصر أميركية ولبنانية، لكنها بقيت في إطار النقاش الدبلوماسي.
• كما برز مقترح إسرائيلي - عبر وسطاء المفاوضات في روما - يقضي بنشر قوات إيطالية لمراقبة المناطق التي ينسحب منها الجيش الإسرائيلي ضمن آلية "المناطق التجريبية"، على أن تتولى هذه القوات مراقبة إزالة سلاح "حزب الله " بالتزامن مع انتشار الجيش اللبناني. وقد جاء هذا الطرح تحديداً بعدما اقترح الوسطاء في البداية إسناد المهمة إلى "اليونيفيل " نفسها، فرفضت إسرائيل وواشنطن ذلك بشكل قاطع.
ان العقدة الجوهرية هنا ليست في وفرة الأفكار، بل في غياب التوافق على هوية الدول المشاركة؛ فالموقف الإسرائيلي يمارس فعلياً حق "الفيتو" غير المعلن على مشاركة دول بعينها، بينما تتمسك بيروت بأن يبقى الإطار أممياً حفاظاً على الغطاء الدولي والشرعية القانونية التي يوفرها القرار 1701، علما ان تل ابيب تجتهد حين تقول ان القرار ١٧٠١ لم يعد نافذاً بعد التوصل مع لبنان إلى " اتفاق الاطار " الذي لم يأتِ على ذكر القرار ١٧٠١ في اي من فقراته لا بل ان إسرائيل باتت تتجاهل كلياً اي اشارة لهذا القرار .

الاقتراح الفرنسي - الإيطالي: تحالف بلا خارطة طريق
في خضم هذا التخبط، برز المسار الفرنسي - الإيطالي كأكثر المبادرات وضوحاً من حيث الإعلان، وأقلها وضوحاً من حيث المضمون. فقد أعلنت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني اتفاق بلادها مع فرنسا على تشكيل تحالف لدعم لبنان بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل" مع بحث إمكانية عقد مؤتمر دولي حول هذه القضية. وشدد الجانب الإيطالي على أن أي بعثة أوروبية أو دولية محتملة يجب أن تركز على تعزيز سلطة الدولة اللبنانية، فيما اعتُبر الرئيس جوزاف عون "ضمانة" لنجاح هذه المرحلة.
غير أن هذا الإعلان السياسي، رغم أهميته الرمزية، لم يتحول بعد إلى تصور عملياتي: لا حجم القوة محدد، ولا تفويضها القانوني، ولا جدول زمني لانتشارها. والأخطر أن الطرح الفرنسي القائم على وحدات فرنسية وإيطالية، رغم أن لبنان ينظر إليه بإيجابية ويتمسك بتطويره، يصطدم برفض إسرائيلي معلن، وبعدم حماسة أميركية لأي صيغة لا تقوم على التنسيق المباشر بين الجيش اللبناني والجانب الإسرائيلي. بمعنى آخر: المشروع الأوروبي معلَّق بين رغبة لبنانية بالتبني وفيتو إسرائيلي - أميركي بالتعطيل. وحالة اللاقرار ظهرت بوضوح خلال مداولات الاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش اللبناني وقوى الامن الداخلي الذي انعقد في باريس الأسبوع الماضي اذ لم يخرج المجتمعون باي قرار او اقتراح عملي وأحيلت الاراء المختلفة التي ترددت في المداولات إلى"مزيد من الدرس " !

ضياع الدور: قوة رادعة أم قوة مراقبة

يضاف إلى غموض الهوية غموض لا يقل خطورة في الوظيفة: هل ستكون القوة البديلة - إن تشكلت - قوة رادعة تملك صلاحيات فرض الأمر الواقع، ربما تحت الفصل السابع، أم مجرد بعثة مراقبة توثّق الخروق من دون أن تملك أدوات الردع؟ هذا السؤال ليس تقنياً بحتاً، بل يمسّ جوهر المعادلة الأمنية في الجنوب. فالدول التي أبدت استعداداً للمشاركة - وفي مقدمها إيطاليا وفرنسا - تخشى الانزلاق إلى مهمة قتالية مفتوحة في بيئة لا تزال ملغومة بالتوترات الميدانية، خصوصاً في ظل استمرار السيطرة الإسرائيلية على مناطق حدودية وتواصل الضربات والاحتكاكات العسكرية. وبين رغبة لبنانية في قوة قادرة على الردع، وحذر دولي من الانخراط في التزام أمني قد يطول، تبقى وظيفة أي قوة بديلة معلّقة، وهو ما يعيد إنتاج إشكالية "اليونيفيل" نفسها: وجود دولي بلا أنياب فعلية.

"حزب الله" و"اتفاق الإطار": عقدة الشرعية الداخلية
والواقع انه لا يمكن فصل نقاش القوة البديلة عن موقف "حزب الله" من "اتفاق الإطار" الموقّع بين لبنان وإسرائيل، والذي يُفترض أن يشكل الأرضية السياسية لأي ترتيب أمني جديد في الجنوب. فالحزب رفض هذا الاتفاق بشكل قاطع، واعتبر أمينه العام نعيم قاسم أن الاتفاق الموقع في واشنطن "منعدم الوجود" و"مذلة وعار وتنازل عن السيادة"، مطالباً بأن تحل محله مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية. كما اعتبر أن ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح المقاومة "يتجاوز كل الخطوط الحمراء". هذا الموقف يضع أي مشاركة دولية جديدة أمام معضلة مزدوجة: فمن جهة، يُفترض بالقوة البديلة أن تراقب أو تسهّل تنفيذ بنود تتصل بحصر السلاح، وهو ما يرفضه "حزب الله" جملة وتفصيلاً؛ ومن جهة أخرى، فإن أي قوة تُنشر في بيئة سياسية داخلية منقسمة حول شرعية "اتفاق الإطار" نفسه، ستجد نفسها في قلب صراع لبناني - لبناني قبل أن تكون في مواجهة الخرق الإسرائيلي. وابدت اكثر من دولة تحفظاً على هذه المسألة بالتحديد لان ما من دولة تقبل ان تعرض جنودها للخطر مع ما يعني ذلك من انعكاسات سلبية على داخل هذه الدول .

الجنوب أسير الخسارة المتعددة الوجوه
في المحصلة، يبدو الجنوب اللبناني اليوم أسير معادلة معقدة الأطراف، متعثرة الحلول: تمديد شبه مستحيل، بديل غير متبلور، اقتراح أوروبي معلَّق بين الحماسة والفيتو، غموض في الدور الوظيفي لأي قوة مقبلة، وموقف داخلي رافض لأساس التسوية السياسية التي يُفترض أن تقوم عليها أي ترتيبات جديدة. والنتيجة أن رحيل "اليونيفيل" ، إذا ما حصل من دون بديل جاهز، لن يكون مجرد خسارة رمزية لوجود دولي طال أمده، بل خسارة متعددة الأبعاد:

⁃ خسارة أمنية أولاً، مع احتمال تحوّل الجنوب إلى مساحة فراغ تتقاسمها الحسابات الإسرائيلية والقدرات المحدودة لجيش لبناني مطالَب بأدوار تفوق إمكاناته الحالية، مع غياب اي دعم دولي جدي لهذا الجيش بالعتاد والتجهيزات التي تمكنه من القيام بدور رائد في بسط سلطة الدولة حتى الحدود المعترف بها دولياً ، واجتماع باريس التحضيري لم يخرج بما يطمئن لبنان أن جيشه سيحظى بالدعم المطلوب ، بعيدا عن الدعم اللفظي والدعائي الذي يكاد يكون لسان حال الدول التي التقت في باريس . وقد سمع اكثر من مسؤول لبناني كلاماً لا يوحي بالطمأنينة معظمه ويا للأسف أميركي المصدر !!

⁃ وخسارة اقتصادية ثانياً، إذ يعمل نحو 600 لبناني جنوبي مباشرة مع القوة الدولية، وهو ما يعني ضرب مصدر رزق أساسي في منطقة تعاني أصلاً من التهجير والدمار. وقد بدأت طلائع عمليات صرف جماعية لموظفين وعاملين مدنيين غالبيتهم العظمى من ابناء الجنوب .

⁃ وخسارة اجتماعية ثالثاً، وربما الأعمق أثراً في المدى المتوسط، مع انقطاع كامل لشبكة الخدمات الإنسانية والصحية والتربوية التي وفرتها القوات الدولية لسنوات طويلة لسكان المنطقة الحدودية.

والأخطر من كل ذلك أن هذه الخسارات الثلاث تتقاطع في غياب واحد جامع: غياب الدولة اللبنانية بوصفها البديل الفعلي القادر على ملء الفراغ الأمني والاقتصادي والاجتماعي معاً. فبين قرار أممي ينص نظرياً على أن تصبح بيروت "المزوّد الوحيد للأمن"، وواقع مؤسساتي لا يزال بعيداً عن امتلاك أدوات هذا الدور، يبقى الجنوب معلّقاً بين نص القرار وحقيقة الإمكانات، أسير مخاوفه من مرحلة انتقالية قد تطول أكثر مما يحتمل استقرار المنطقة وأمنها.

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق