الجنوب بعد "اليونيفيل".. هل ينتقل من المظلة الأممية إلى رعاية الدول؟

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
يقترب جنوب لبنان من لحظة لا تشبه تبديل قوة بأخرى بقدر ما تشبه تبديل الإطار الذي أدار حدوده وأزماته طوال عقود. فقرار مجلس الأمن 2790 منح قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان تمديدها الأخير حتى 31 كانون الأول 2026، على أن يلي ذلك خفض منظم للقوة وانسحابها خلال سنة. غير أن العد العكسي بدأ فيما الأسباب التي استدعت حضور اليونيفيل ما زالت قائمة، في ظلّ احتلال إسرائيلي لأراضٍ لبنانية، وخروق واعتداءات متواصلة.

Advertisement

 
لا يعني انتهاء مهمة اليونيفيل اختفاء القرار 1701 أو سقوط مرجعيته، فالقوة الدولية لم تكن صاحبة القرار الأمني في الجنوب، وإنما أدّت وظائف المراقبة والارتباط والتوثيق ودعم الجيش. لكن غيابها سيزيل الأداة الدولية الموجودة على الأرض لتنفيذ جانب من تلك الوظائف، ويضع لبنان أمام فجوة تتجاوز عدد الجنود والمواقع إلى السؤال عن الجهة التي ستراقب الخروق، وتنقل الرسائل، وتوثق الوقائع، وتؤمّن الحضور الدولي بين طرفين لا تجمعهما علاقات مباشرة.
 
من هنا، اكتسب اجتماع باريس الأخير دلالة تتجاوز حشد الدعم للجيش. فإلى جانب تقدير حاجاته العسكرية والمالية، دخل البحث في خيارات لما بعد اليونيفيل، من بينها مهمة دولية تدعمها فرنسا وإيطاليا خارج تفويض الأمم المتحدة. صحيح أنّ الأمر ما يزال في طور الأفكار، لكن طرحه يكشف أن النقاش انتقل من محاولة تمديد المهمة الأممية إلى الاستعداد لاحتمال نشوء ترتيب مختلف، قد يكون أقلّ أممية وأكثر ارتباطًا بالدول التي تموله وترعاه.
 
مهمة تنتهي قبل انتهاء أسبابها
 
على الرغم من محدودية قدرتها على منع الحرب أو إلزام إسرائيل بوقف خروقها، تترك اليونيفيل وظيفة لا تختصر بالدوريات على طول الخط الأزرق. فوجودها أبقى الجنوب تحت نظر الأمم المتحدة، ووفر قناة اتصال عسكرية وسياسية في الأزمات، وأنتج تقارير تحفظ سجل الخروق ضمن مؤسسة دولية يستطيع لبنان الاستناد إليها. وخلال الحرب الأخيرة، اتسعت مهماتها العملية لتشمل مرافقة قوافل مساعدات إلى بلدات عالقة في مناطق يطوقها الجيش الإسرائيلي.
 
لذلك، قد لا يعني غياب اليونيفيل انهيار الأمن تلقائيًا، لكنها تفقد لبنان شاهدًا دوليًا دائمًا وآلية اعتاد استخدامها لاحتواء الحوادث قبل توسعها. وتُطرَح في هذا السياق علامات استفهام عن مدى قدرة الجيش على تسلّم هذه المهمات، فالمجتمع الدولي يريد من الجيش أن يملأ الفراغ، فيما يمنعه استمرار الاحتلال من الوصول إلى أجزاء من الأرض التي يُفترض أن يتسلّمها، من دون أن ننسى الفارق في التمويل الذي كانت تحظى به اليونيفيل لإنجاز وظائفها، والضغوط التي يواجهها الجيش.
 
تتصل العقدة الثانية بطبيعة المهمة نفسها. فالجيش يستطيع الانتشار وضبط الأرض حين تتوافر له القدرة والقرار السياسي، لكنه لا يحل تلقائيًا محل الأمم المتحدة في التوثيق الأممي أو مخاطبة الطرف الإسرائيلي أو منح الحوادث بعدها الدولي. ومن هذه الفجوة تحديدًا وُلد البحث في باريس عن مهمة دولية جديدة: ليست قوة تحل مكان الجيش أو نسخة بديلة من اليونيفيل، وإنما إطارًا يسانده بالتدريب والتجهيز وتبادل المعلومات، على أن تُحسم لاحقًا حدود مهمته وصلته بآليات المراقبة القائمة.
 
حين ينتقل سد الفراغ إلى الدول
 
لكن الجواب عن النقص الذي يتركه رحيل اليونيفيل يخلق مشكلة أخرى تتعلق بهوية من يسده. فإذا انتقل جزء من الدعم الذي كانت توفره المظلة الأممية إلى مهمة تدعمها فرنسا وإيطاليا أو يقودها الاتحاد الأوروبي، فسيتغير الإطار السياسي حتى لو اقتصر العمل المعلن على التدريب والمشورة وتبادل المعلومات. فاليونيفيل تستند إلى قرار من مجلس الأمن وتضم دولًا متعددة تحت قيادة أممية، أما المهمة البديلة فستستند إلى موافقة لبنان، وإلى تفاهم بين الدول المشاركة على مهمتها وشروط عملها. وقد تمنحها هذه الصيغة مرونة أكبر، لكنها تجعل استمرارها ووظيفتها أكثر التصاقًا بحسابات العواصم الراعية.
 
هنا يتصل النقاش التقني في توزيع المهمات بالتفاوض السياسي الدائر حول الجنوب. فالبحث في البديل يجري بالتوازي مع مسار ترعاه أميركا، يقوم على انسحاب إسرائيلي تدريجي مقابل انتشار الجيش ومعالجة سلاح حزب الله. عندئذ قد لا تكون المهمة الدولية الجديدة أداة لمساعدة الجيش فقط، وإنما جزءًا من تنفيذ صفقة أوسع؛ تقدم له الدعم وتراقب خطواته، فيما تربط إسرائيل انسحابها بما تعتبره تقدمًا في ملف السلاح.
 
مثل هذا الربط يضع لبنان أمام معادلة دقيقة. فهو يحتاج إلى مساعدة خارجية تمكّن الدولة من الإمساك بالجنوب، لكنه يحتاج أيضًا إلى منع تحوّل هذه المساعدة إلى أداة تمنح إسرائيل حق تقييم التزامه أو إبقاء احتلالها إلى أن ترضى عن النتائج. كما أن قبول القوى اللبنانية بالصيغة الجديدة ليس مضمونًا، فـ"حزب الله" الذي يتعامل مع اليونيفيل باعتبارها قوة مقيدة بقرار دولي معروف وحدود معلنة، قد ينظر بريبة أكبر إلى بعثة متعددة الجنسيات تعمل خارج الأمم المتحدة، ولا سيما إذا شملت الاستخبارات أو التحقق من السلاح.
 
لا تبدأ مرحلة ما بعد اليونيفيل عند مغادرة آخر جندي دولي، فقد بدأت سياسيًا منذ فتح البحث في البدائل. المعركة المقبلة لن تكون على لون القبعات التي ستظهر في الجنوب، وإنما على طبيعة المظلة التي تحكم وجودها: امتدادًا للشرعية الدولية ودعمًا واضحًا لسلطة الدولة، أم ترتيبًا تفاوضيًا تصوغه موازين القوى وشروط الرعاة. وبين الخيارين، يملك لبنان فرصة محدودة كي ينتقل من انتظار ما يُقترح عليه إلى تحديد ما يحتاجه وما يقبله على أرضه.
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق