سفينة تجارية قبالة السواحل اليمنية عند مضيق باب المندب، 11 أيلول 2026
بينما يتركز الاهتمام الدولي على المعركة العسكرية في قطاع غزة وفي الحدود الشمالية – على مسافة مئات الكيلومترات من هناك تجري دراما جيوسياسية بعيدة الأثر ربما تعيد تصميم وجه الشرق الأوسط لأجيال. مضيق باب المندب، مسار ملاحة دولي حيوي يربط بين البحر الأحمر والمحيط الهندي تحول من شريان تجارة عالمي يعج بالحركة إلى ساحة عمل حربية لفرع إيران في اليمن – الثوار الحوثيين. مع ذلك، في ظل التشويش الخطير في حرية الملاحة، وارتفاع أسعار التأمين والتهديد الحقيقي على سلاسل التوريد الدولية، ثمة فرصة استراتيجية غير مسبوقة أمام إسرائيل: تثبيت حلف رسمي وتطبيع كامل مع المملكة السعودية.
لا يتلخص التهديد الحوثي بتحدٍ أمني وحيد على إسرائيل. فالأسرة المالكة في الرياض ترى أن تعاظم قوة الثوار في اليمن وتسلحهم بصواريخ باليستية وبمسيرات يشكل تهديداً مباشراً ومقلقاً منذ أكثر من عقد. نار الصواريخ، والاعتداء على السفن التجارية وتقويض مسارات الملاحة تمس مباشرة بلباب أهداف خطة “رؤية 2030” التي يقودها ولي العهد محمد بن سلمان.
هذه الرؤية تستهدف تنويع الاقتصاد السعودي، وجذب الاستثمارات الأجنبية وتحويل المملكة إلى مركز لوجستي وسياحي بين القارات. هجمات الحوثيين لا تهدد فقط موانئ إسرائيل في الجنوب بل وتعرض المشاريع العظمى الطموحة على طول شواطئ البحر الأحمر لخطر حقيقي – وعلى رأسها المدينة المستقبلية “نيوم”، التي تحتاج إلى استقرار تام لغرض نموها.
لقد خلق الواقع الأمني المتشكل توافقًا استراتيجياً عميقاً وغير مسبوق بين المصلحة الإسرائيلية والمصلحة السعودية. فالدولتان تقفان عملياً في الجانب ذاته من المتراس، في مواجهة جهود التوسع والتقويض الإقليمي التي تبذلها طهران ووكلاؤها. والصراع المشترك ضد التهديد الحوثي في البحر الأحمر يوفر أساساً أمنياً واسعاً ومتماسكاً، ويرسم جسراً براغماتياً من الواجب على إسرائيل أن تستغله حتى النهاية.
إن مدماكاً مركزياً وعملياً في الارتباط المتبلور هو مشروع “الجسر البري في مواجهة انعدام الاستقرار المتواصل في مسارات الملاحة حول القرن الإفريقي، يمكن لإسرائيل والسعودية أن تعرضا على العالم بديلاً لوجستياً مصداقاً، سريعاً ورخيصاً أكثر بكثير: “نقل البضائع من موانئ الخليج الفارسي عبر السعودية والمملكة الأردنية مباشرة إلى موانئ البحر المتوسط في إسرائيل، ومن هناك إلى أسواق أوروبا. وفضلاً عن كونه حلاً تكنولوجياً – لوجستياً يتجاوز الانسدادات، يدور الحديث عن إعلان جيواقتصادي واضح: ربط مادي وبنيوي للمحور الإقليمي المعتدل، يترك إيران ووكلاءها معزولين خارج مراكز النفوذ الاقتصادية للمنطقة.
إن تطبيعاً رسمياً بين “القدس” [تل أبيب] والرياض يتجاوز اتفاق سلام رمزياً أو احتفال توقيع دبلوماسياً فقط. خطوة كهذه ستمنح إسرائيل عمقاً استراتيجياً حيوياً، توسيعاً دراماتيكياً للشرعية في المجال العربي والإسلامي، وانخراطاً في منظومة دفاع إقليمية متداخلة مع دعم أمريكي، بما في ذلك الأخطار المسبق، والحماية الجوية والتعاون الاستخباري في الزمن الحقيقي. رغم التحديات والتوترات التي ترافقت والحرب الإقليمية، فإن الاهتمام السعودي بترتيب استراتيجي يتضمن ضمانات أمن أمريكية وتعاوناً أمنياً وتكنولوجياً مع إسرائيل يبقى صلباً. فقيادة المملكة تشخص جيداً القيمة المضافة الكامنة في قوة إسرائيل العسكرية، الاستخبارية والتكنولوجية، كوزن مضاد للعدوان الإيراني.
إن نافذة الفرص السياسية الحالية مقيدة بالزمن وليست أمراً مسلماً به. فالتأييد الفاعل للإدارة في واشنطن والإلحاح الذي نشأ حول ضمان مسارات التجارة العالمية توفر زخماً خاصاً قد يتبدد إذا لم يتحقق. على القيادة في إسرائيل أن تبدي نظرة واعية وبعيدة المدى وتفكر بمرونة تكتيكية، بما في ذلك في مسائل سياسية معقدة في الساحة الفلسطينية كي تضمن الإنجاز التاريخي المتمثل بإقامة علاقات علنية مع الدولة الأكثر أهمية وتأثيراً في العالم العربي. هذا هو “شرق أوسط جديد” بمعناه الواعي والأكثر واقعية: ليس رؤية ساذجة بشرق أوسط عديم النزاعات بل حلف براغماتي لقوى مستقرة ومحبة للتقدم، تتحد معاً في وجه محور الدمار والإرهاب والفوضى الإقليمية.
نيسيم كاتس
إسرائيل اليوم 24/9/2026

















0 تعليق