Advertisement
وفي قلب هذا المشهد، يصل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الثلاثاء إلى القاهرة، حاملاً معه ملفات تتجاوز بطبيعتها العلاقات الثنائية بين مصر والسعودية. فالبلدان يواجهان، وإن من مواقع وحسابات مختلفة، تداعيات مباشرة لما يجري في البحر الأحمر واليمن، فيما يفتح الظرف الإقليمي الباب أمام سؤال أكثر أهمية من جدول أعمال الزيارة نفسه: هل تتحول القاهرة إلى إحدى القنوات التي يمكن أن تدفع ببعض هذه الملفات من المواجهة إلى التفاوض؟
تقول مصادر دبلوماسية مطلعة إن الملفات الإقليمية ستأخذ حيزاً أساسياً من المباحثات، في ظل ارتباط عدد منها بصورة مباشرة بمصالح البلدين. فبالنسبة إلى السعودية، يرتبط استقرار البحر الأحمر بحسابات أمنية واقتصادية لا تحتمل بقاء الممرات البحرية تحت تهديد دائم، فيما أعادت التطورات اليمنية وضع المملكة أمام ملف حاولت خلال السنوات الماضية تخفيف كلفته والابتعاد عن الانخراط المباشر فيه. أما مصر، فتتعامل مع باب المندب باعتباره امتداداً لأمن قناة السويس، وبالتالي فإن أي اضطراب طويل في حركة الملاحة لا يبقى أزمة بعيدة عن حدودها، بل يتحول سريعاً إلى ضغط اقتصادي وأمني مباشر.
ومن هذه النقطة تحديداً، قد يحتل اليمن مساحة أساسية من مباحثات القاهرة. فالمواجهة هناك باتت مرتبطة بشبكة أوسع من الصراعات، من العلاقة السعودية مع صنعاء إلى التوتر مع إيران، وصولاً إلى أمن البحر الأحمر وحركة السفن عبر باب المندب. وكلما اتسعت هذه الدائرة، أصبحت معالجة الملف بالقوة وحدها أكثر صعوبة، خصوصاً أن أي تصعيد كبير يحمل معه خطر الانتقال من محاولة تأمين الممر البحري إلى فتح مواجهة يصعب ضبط حدودها.
غير أن صعوبة الحسم بالقوة لا تجعل الاكتفاء باحتواء التصعيد حلاً طويل الأمد. إذ وفق المصادر، فإن بقاء باب المندب عرضة للاهتزاز عند كل جولة مواجهة يعني أن أصل المشكلة لم يتغير، وهو ما يضع الرياض والقاهرة أمام معادلة دقيقة تجمع بين الحفاظ على القدرة على ضبط التصعيد وبين إيجاد مسار سياسي قادر على تحويل هذه القدرة إلى أوراق تفاوض بدلاً من استنزافها في جولات متلاحقة.
وهنا تحديداً يظهر الدور الذي يمكن أن تلعبه مصر. فالقاهرة لم تدخل في التحالف الثلاثي الذي جمع السعودية وتركيا وباكستان، كما أنها تميل في تحركاتها الإقليمية إلى الأطر الأوسع التي تمنحها مساحة للتواصل مع أكثر من طرف. وهذا الموقع لا يجعلها حكماً وسيطاً ناجحاً، لكنه يترك أمامها هامشاً لا يتوافر بالقدر نفسه لمن أصبح جزءاً مباشراً من الاصطفافات القائمة.
وترى المصادر أن ما يعزز هذا الهامش، أن مصر حافظت خلال الفترة الأخيرة على خطوط مفتوحة في اتجاهات متعارضة. فهي تؤكد على أمن السعودية ودول الخليج وترفض استهدافها، من دون أن تقطع قنواتها مع طهران، وفي الوقت نفسه تتحرك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا ضمن شبكة علاقات لا تقوم على الاصطفاف الكامل مع أحدها. وحتى في المواجهة الأميركية - الإيرانية، ظهر الدور المصري في الاتصالات غير المباشرة التي سعت إلى منع الانزلاق نحو مستويات أكبر من التصعيد.
وبحسب المصادر، فإن هذه المساحة قد تصبح أكثر أهمية إذا انتقل النقاش المصري - السعودي من إدارة نتائج الحرب اليمنية إلى البحث في أصلها. وهنا يبرز احتمال أن تكون القاهرة أمام دور أكبر من مجرد التنسيق مع الرياض حول أمن البحر الأحمر، عبر الدخول في محاولة لفتح مسار تفاوضي يمني جديد أو توفير قناة تساعد في تقريب المواقف بين الأطراف المعنية.
لكن مثل هذا الاحتمال لا يعني أن الوساطة المصرية أصبحت قراراً، ولا أن طريقها سيكون سهلاً. فالحرب اليمنية راكمت مصالح وحسابات داخلية وإقليمية معقدة، كما أن ارتباطها بالتوتر الأوسع بين إيران والولايات المتحدة يجعل أي تسوية عرضة للتأثر بمسارات تتجاوز اليمن نفسه. لكن استمرار الحرب يفرض في المقابل كلفة على الأطراف اليمنية وعلى السعودية، ويُبقي واحداً من أهم الممرات البحرية في المنطقة داخل دائرة الخطر، ما يوفر مصلحة مشتركة في اختبار خيارات مختلفة عن جولة جديدة من المواجهة.
ولعلّ هذه الحسابات لا تقف عند اليمن. فالسودان حاضر في الحسابات المصرية بحكم تأثير الحرب على الحدود والأمن الإقليمي، وغزة تظل ملفاً مباشراً بالنسبة إلى القاهرة، فيما يضيف استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان عنصراً آخر إلى مشهد قابل للتوسع. أما هرمز، فيضع أمن الطاقة والملاحة الخليجية ضمن الدائرة نفسها التي تبدأ من الخليج وتمتد حتى البحر الأحمر وقناة السويس.
وعلى هذا الأساس، تحمل زيارة بن سلمان إلى القاهرة أهمية تتجاوز عدد الملفات التي ستوضع على الطاولة. فالأهم هو ما إذا كان النقاش سيبقى عند حدود تنسيق المواقف حيال أزمات تتسع تباعاً، أم أنه سيذهب باتجاه البحث عن مسارات تسمح بإطفاء بعضها. وفي حال كان الخيار الثاني مطروحاً بالفعل، سيكون اليمن الاختبار الأصعب والأكثر وضوحاً.
في المحصلة، لن تكون أهمية ما يجري في القاهرة مرتبطة بعدد الملفات التي ستُناقش، بل بما يمكن أن ينتج عن تقاطع المصالح المصرية والسعودية في لحظة لم تعد فيها إدارة الأزمات كافية وحدها. فإذا نجحت المباحثات في فتح نافذة نحو تفاوض يخفف اشتعال اليمن ويعيد قدراً من الاستقرار إلى البحر الأحمر، تكون الزيارة قد تجاوزت حدود التنسيق بين بلدين إلى محاولة إنتاج مخرج لأزمة تتسع تداعياتها يوماً بعد آخر. أما إذا بقيت النقاشات عند حدود احتواء التصعيد، فستبقى العقدة نفسها قائمة، وسيبقى باب المندب واحداً من أكثر خطوط المنطقة حساسية أمام أي جولة مقبلة.








0 تعليق