ياسمين بن شاوي- لم يعد تغير المناخ قضية بعيدة عن الحياة اليومية، فموجات الحر الشديدة والفيضانات والحرائق وارتفاع درجات الحرارة أصبحت ظواهر تؤثر بشكل مباشر على صحة الإنسان وحركته، وحتى على انتشار بعض الأمراض.
وفي أحدث مؤشر على استمرار ارتفاع حرارة الأرض، أعلنت خدمة كوبرنيكوس الأوروبية لمراقبة تغير المناخ أن أغسطس 2026 كان من بين أكثر أشهر أغسطس حرارة على الإطلاق، في وقت تشهد فيه مناطق مختلفة من العالم موجات حر وظواهر جوية متطرفة. وأشارت تقارير إلى أن ارتفاع الحرارة يرتبط بشكل أساسي بالاحترار الناتج عن انبعاثات الغازات الدفيئة، مع تأثير إضافي لظاهرة إل نينيو.
إل نينيو يعزز اضطرابات المناخ وارتفاع درجات الحرارة
وفي هذا السياق، يبرز إل نينيو كأحد العوامل المؤثرة في المناخ العالمي خلال الفترة الحالية. وهي ظاهرة مناخية طبيعية تحدث عندما ترتفع حرارة سطح مياه المحيط الهادئ الاستوائي بشكل غير معتاد، فتؤثر في حركة الرياح والأمطار، وقد تزيد من حدة بعض موجات الحر والجفاف والأمطار الغزيرة في مناطق مختلفة من العالم. ووفقًا للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية (NOAA)، كان إل نينيو يتعزز خلال سبتمبر 2026، مع توقعات باحتمال يتجاوز 90% لبلوغ حدث قوي جدًا خلال خريف وشتاء 2026–2027.
لكن تأثير المناخ لا يتوقف عند الحرارة والطقس. فارتفاع درجات الحرارة وتغير الأمطار والرطوبة يمكن أن يغيّرا أيضًا خريطة انتشار بعض الأمراض التي تنقلها الحشرات. ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، ساهم تغير المناخ، إلى جانب عوامل أخرى، في توفير ظروف أكثر ملاءمة للبعوض الناقل لحمى الضنك، ما يساعد على وصوله إلى مناطق جديدة.
تغير المناخ يعيد رسم خريطة انتشار الأمراض
وفي أوروبا، أصبح هذا التغير أكثر وضوحًا مع توسع انتشار أنواع من البعوض قادرة على نقل أمراض مثل حمى الضنك والشيكونغونيا وزيكا. وتؤكد المفوضية الأوروبية أن ارتفاع درجات الحرارة والشتاء الأكثر اعتدالًا وتغير أنماط هطول الأمطار تخلق ظروفًا مناسبة لبقاء هذه الحشرات وتكاثرها في مناطق لم تكن ملائمة لها سابقًا.
كما أشارت مجلة Nature في تقرير حديث إلى أن تغير المناخ يعيد رسم خريطة الملاريا في أجزاء من إفريقيا، إذ أصبحت بعض المناطق الأكثر برودة، خصوصًا في المرتفعات بشرق وجنوب القارة، أكثر ملاءمة للبعوض والطفيلي المسبب للمرض.
وهكذا، لا يعني تغير المناخ أن كل مرض استوائي سينتشر تلقائيًا في كل مكان، لكنه يغيّر الظروف البيئية التي تحدد أين تستطيع بعض الحشرات والفيروسات والطفيليات البقاء والانتقال. لذلك أصبحت مراقبة الطقس والأمراض في الوقت نفسه جزءًا مهمًا من الاستعداد الصحي للمستقبل.
فالحرارة القياسية والفيضانات والحرائق ليست مجرد أخبار عن الطقس؛ إنها ظواهر يمكن أن تمس الصحة والغذاء والمياه والنقل والاقتصاد، وتدفع العلماء والأنظمة الصحية إلى الاستعداد لعالم تتغير فيه المخاطر المناخية والصحية معًا.













0 تعليق