يطرح الحديث عن قانون الأحوال الشخصية سؤالًا يتجاوز تفاصيل النصوص إلى أصل الفكرة التى يقوم عليها التشريع: عندما يستند المشرّع إلى مرجعية دينية، هل يكون دوره مجرد نقل النصوص والآراء الفقهية إلى نصوص قانونية، أم أنه يمارس اختصاصًا تشريعيًا يختار فيه من القواعد والصياغات ما يراه ملائمًا للمجتمع وللنظام القانونى؟
وتزداد أهمية هذا السؤال فى الأحوال الشخصية؛ إذ تتداخل فيه ثلاثة مستويات مختلفة: النص الدينى، والفقه أو الرأى الموصوف بالدينى الناشئ عن فهم النص والاجتهاد فيه، والقانون.
وفى هذا المقال، يُقصد بما يوصف بـ«النص الدينى» النص الوارد فى مصدره الدينى، وهو الأصل الذى تُستمد منه الدلالة الدينية، وتُبنى عليه عمليات الفهم والاستنباط والاجتهاد.
أما «الفقه الدينى» فيُقصد به ما نشأ عن فهم النصوص واستنباط الأحكام منها، وهو، بوصفه نتاجًا بشريًا للفهم والاجتهاد، قابلًا للتعدد والاختلاف باختلاف المناهج والمقاربات. ويدخل فى هذا الإطار «الرأى الدينى» بوصفه ما يقدمه الفقيه أو الباحث من فهم أو اجتهاد فى مسألة معينة، وقد يتعدد بتعدد وجوه فهم النص ومناهج الاستدلال عليه.
وأما «القانون» فهو القاعدة التى يختار المشرّع إدخالها فى النظام القانونى، سواء استند فى صياغتها إلى مرجعية دينية أم لم يستند إليها، وتكتسب فى كل الأحوال قوتها وآثارها القانونية من إدراجها فى النظام القانونى، ومن القواعد التى تحكم تطبيقها وإنفاذها. وهو، فى معناه الأوسع، عقد اجتماعى ينظم العلاقة بين الأفراد بعضهم بعضًا، وبين الفرد والدولة، ويحدد الحقوق والالتزامات التى تلتزم الدولة بحمايتها وإنفاذها.
من الفقه والاجتهاد إلى القاعدة القانونية
لا يتحول الرأى الفقهى أو الاجتهاد الدينى إلى قانون بمجرد وجوده، وإنما من خلال عملية تشريعية يختار فيها المشرّع الأخذ به وتحويله إلى قاعدة قانونية ملزمة.
وبذلك تنتقل المسألة من مجال الفقه والاجتهاد، الذى تتعدد فيه الآراء، إلى مجال القاعدة القانونية التى تستمد قوتها وآثارها من إدراجها فى النظام القانونى وفقًا للإجراءات التشريعية المقررة.
وتصبح القاعدة، بعد إدراجها فى القانون، خاضعة لأحكام النظام القانونى من حيث نطاق تطبيقها وشروطها وآثارها وكيفية إنفاذها، وتتولى المحاكم، فى إطار اختصاصها، تفسيرها وتطبيقها، كما تخضع لآليات الرقابة الدستورية، ويجوز تعديلها أو إلغاؤها وفقًا للإجراءات المقررة.
ومن هنا ينبغى التمييز بين النص أو المصدر الفقهى الذى استلهم منه المشرّع القاعدة، وبين القاعدة القانونية التى انتهى إليها المشرّع.
فقد يأخذ المشرّع من الفقه أحد الآراء المتعددة، أو يختار صياغة جديدة، أو يضع قواعد إجرائية وتنظيمية لا وجود لها فى الرأى الفقهى نفسه. وبذلك لا يكون الانتقال من الفقه إلى القانون انتقالًا آليًا أو حرفيًا، وإنما عملية تشريعية لها أدواتها وغاياتها وضوابطها.
تقنين الأحوال الشخصية يخضع للعملية التشريعية ذاتها
فى سائر فروع القانون، لا تقتصر مهمة المشرّع على نقل المرجعيات الدينية أو الأخلاقية أو الاجتماعية، وإنما يختار منها ما يراه مناسبًا، ويحوّله إلى قواعد قانونية محددة من حيث نطاقها وشروطها وآثارها ووسائل تطبيقها.
فقد جرى التقنين فى المجالات الجنائية والتجارية وغيرهما، من خلال عملية تشريعية لم تكن مجرد نقل حرفى للأفكار أو القيم أو الآراء، بل اختار المشرّع خلالها قواعد وأحكامًا محددة، وأعاد صياغتها بما يلائم مقتضيات التشريع، ثم أدمجها فى إطار قانونى متكامل.
والأمر ذاته ينبغى أن ينطبق على الأحوال الشخصية؛ فوجود مرجعية دينية لا يعنى أن يكون القانون كتابًا فقهيًا صيغ فى صورة مواد قانونية، وإنما يعنى أن تمر هذه المرجعية، متى اختار المشرّع الأخذ بها، عبر العملية التشريعية ذاتها التى تخضع لها سائر القوانين.
حتى الرأى الفقهى الواضح لا يلغى الوظيفة التشريعية
تتضح هذه الفكرة بصورة أكبر عندما يكون هناك رأى فقهى مستند إلى نص دينى واضح. فوضوح النص أو قوة الرأى الفقهى لا يحوله بذاته إلى قاعدة قانونية؛ إذ يظل إدخاله فى النظام القانونى متوقفًا على فعل التشريع الذى يحدد نطاقه وآثاره ووسائل تطبيقه.
ويظهر ذلك عند التمييز بين الواجب الدينى وآثاره القانونية. فليس كل ما يطلبه الدين يترتب على مخالفته أثر مدنى أو جنائى تتولى الدولة إنفاذه. ومن أمثلة ذلك الكفارات، ومنها كفارة اليمين التى ورد بيانها فى القرآن بنص واضح؛ إذ لم يجعلها المشرّع التزامًا قانونيًا عامًا تملك المحاكم إلزام الأفراد بأدائه لمجرد تحقق سببه الدينى.
وعلى الجانب الآخر، عندما يختار المشرّع تقنين رأى ذى أصل دينى، فإنه يحدد فى القانون شروطه ونطاقه وآثاره وكيفية تطبيقه. ويظهر ذلك، على سبيل المثال، فى تنظيم بعض أحكام الميراث، وفى قانون الوصية رقم ٧١ لسنة ١٩٤٦ الذى وضع تنظيمًا قانونيًا للوصية الواجبة.
والمقصود من هذه الأمثلة ليس المفاضلة بين ما قُنّن وما لم يُقنّن، وإنما إبراز حقيقة أساسية: الرأى الفقهى والقاعدة القانونية لا يصبحان شيئًا واحدًا بمجرد وجود صلة بينهما. فالرأى الفقهى يظل اجتهادًا فى مجال الفقه، أما القاعدة القانونية فتستمد قوتها وآثارها من إدراجها فى النظام القانونى وخضوعها لقواعده وآلياته ومؤسساته.
فى مجال الفقه هامش الاختيار أوسع
إذا كان هذا هو الحال مع الرأى الفقهى المستند إلى نص واضح، فإن الأمر يكون أوضح فى مجال الفقه الذى تتعدد فيه الآراء والاجتهادات.
فالفقه حصيلة اجتهادات متعددة فى فهم النصوص واستنباط الأحكام وتطبيقها على الوقائع، وقد عرف التراث الفقهى اختلافًا واسعًا بين المذاهب والمدارس والعلماء فى عدد كبير من مسائل الأحوال الشخصية.
ومن ثم، فإن اختيار المشرّع رأيًا فقهيًا معينًا لا يعنى أنه اختار «الدين» فى مقابل دين آخر، ولا أن هذا الرأى يمثل التعبير الوحيد عن الفهم الدينى، وإنما يعنى أنه اختار حلًا قانونيًا من بين آراء واجتهادات متعددة ورآه أصلح للتقنين فى زمان ومجتمع معينين.
وهذا التمييز ضرورى حتى لا يتحول الاختلاف التشريعى إلى خلاف دينى، أو تتحول القاعدة القانونية إلى معيار للحكم على صحة الاعتقاد الدينى.
فالقاعدة القانونية تحدد حقوق المواطن والتزاماته وآثار مراكزه القانونية، ولا تتولى، فى ذاتها، تحديد ما ينبغى له أن يعتقده أو يلتزم به دينيًا خارج نطاق القانون.
هل يجوز إصدار رأى دينى يخالف قانونًا ساريًا؟
إذا كان القانون قد اختار رأيًا فقهيًا من بين آراء متعددة، فإن صدور رأى دينى آخر مخالف له لا يغيّر، بمجرد صدوره، من القاعدة القانونية النافذة، ولا يمنح صاحبه سلطة تحويل رأيه إلى قاعدة قانونية بديلة أو تعطيل القانون أو تجاوز أحكامه.
وينبغى، فى هذا السياق، التمييز بين حرية إبداء الرأى الدينى وبين الالتزام بالقاعدة القانونية النافذة؛ فإبداء الرأى حق، أما الالتزام بالقاعدة القانونية النافذة فهو واجب، ولا تمتد حرية الرأى إلى الامتناع عن تطبيق القانون أو تعطيله.
ولا يعنى ذلك منع الاجتهاد أو تقييد حق الإنسان فى إبداء رأيه الدينى؛ فاختلاف الآراء الفقهية أمر طبيعى. مع واجب الحذر من أن يتحول إبداء الرأى إلى تمرد على القانون، أو تجاوز أحكامه بما يخل باستقرار النظام القانونى، فاتحًا الباب أمام الفوضى.
ومن ثم، فإن حرية إبداء الرأى لا تعنى حرية الامتناع عن القانون. أما تغيير القاعدة القانونية أو استبدالها، فيظل خاضعًا للطريق الذى يقرره النظام الدستورى.
كيف يُنقَد القانون وكيف يتغير؟
هذا لا يعنى أن القانون غير قابل للنقد أو التغيير. فالقانون، بوصفه اختيارًا تشريعيًا، فهو قابل للنقد والمراجعة إذا ظهرت أسباب تدعو إلى تعديله أو استبداله.
لكن الطريق إلى تغيير القانون ليس إصدار رأى دينى يحل محله، وإنما استخدام الآليات التى يتيحها النظام القانونى: النقد العلمى والفقهى والقانونى، وبيان أوجه القصور، وطرح البدائل، وإثارة النقاش العام، ثم تقديم المقترحات إلى السلطة التشريعية المختصة وسلوك المسار التشريعى المقرر.
أما إذا كان الاعتراض على القانون يقوم على مخالفته الدستور، فطريقه هو الآليات الدستورية والقضائية المقررة للرقابة على دستورية القوانين، لا استبدال القانون برأى فقهى.
وبذلك يمكن التمييز بين ثلاث حالات: رأى فقهى مخالف للقانون، ونقد للقانون، وتغيير للقانون. الأولى تدخل فى مجال تعدد الآراء، والثانية فى مجال النقد والمناقشة، أما الثالثة فلا تتم إلا من خلال الآليات التى يقررها النظام القانونى.
وهذه التفرقة تحمى المجالين معًا: حرية الاجتهاد وإبداء الرأى الدينى من ناحية، وسيادة القانون ووحدة القاعدة القانونية من ناحية أخرى.
المشكلة ليست فى استلهام الدين وإنما فى تحويل الانتماء إلى معيار قانونى
من هنا يمكن الوصول إلى التمييز الأهم فى النقاش حول قانون الأحوال الشخصية. ليس الاعتراض على أن يستلهم المشرّع قيمًا دينية أو أخلاقية أو اجتماعية، وإنما على أن يتحول هذا الاستلهام إلى معيار لتحديد القانون الواجب التطبيق على المواطن استنادًا إلى انتمائه الدينى.
فهناك فارق بين أن يقول المشرّع: «هذه هى القاعدة القانونية التى يراها محققة للعدالة والمصلحة والاستقرار»، وبين أن يقول: «هذه القاعدة تطبق على المواطن لأنه ينتمى إلى دين أو طائفة معينة، بينما تطبق قاعدة أخرى على مواطن آخر بسبب انتمائه إلى دين أو طائفة مختلفة».
فى الحالة الأولى، نحن أمام قانون مدنى عام، حتى لو استلهم المشرّع فى صياغته قيمة دينية. أما فى الحالة الثانية، فنحن أمام تعدد للقواعد المدنية حسب الانتماء الدينى.
وهنا تكمن خصوصية الإشكالية فى الأحوال الشخصية؛ فالمسألة ليست فى مجرد حضور الدين فى التشريع، وإنما فى أن يتحول الاختلاف الدينى من مصدر من مصادر القيم التى قد يستلهمها المشرّع إلى معيار لتحديد القانون الواجب التطبيق.
وحدة القانون لا تعنى إلغاء الدين
قد يُفهم من الدعوة إلى قانون مدنى موحد أن المقصود هو إبعاد الدين عن التشريع أو تجاهل المرجعيات الدينية للمجتمع، وهذا فهم غير دقيق.
يمكن للقانون أن يحترم الدين دون أن يتحول إلى قانون دينى، وأن يستلهم القيم الدينية دون أن يجعل كل رأى دينى قاعدة قانونية، وأن يستفيد من الفقه دون أن يجعل مذهبًا أو رأيًا فقهيًا معينًا المصدر الوحيد للتشريع.
فالغاية من القانون المدنى الموحد ليست إلغاء التنوع الدينى، وإنما منع تحول هذا التنوع إلى تعدد فى القواعد المدنية التى تحكم المواطنين. والمطلوب هو التمييز بين وظائف المجالين: الدين مجال الإيمان والضمير والمرجعية الروحية، والقانون مجال الحقوق والالتزامات وتنظيم العلاقات التى تتولى الدولة إنفاذها.
ولا يعنى ذلك تجاهل الدستور أو المرجعيات التى ألزم المشرّع نفسه باحترامها، وإنما يعنى أن الاستناد إلى مرجعية دينية لا يلغى الطبيعة التشريعية للعملية التى تنتج القاعدة القانونية.
السؤال الحقيقى
لذلك فإن السؤال التشريعى لا ينبغى أن يكون: هل استلهم المشرّع القانون من الدين أم لا؟ فهذا السؤال لا يعكس طبيعة العملية التشريعية.
السؤال الأدق هو: إلى ماذا استند المشرّع فى صياغة القاعدة القانونية؟ هل استلهم مرجعية دينية أم غيرها؟ وما الذى اختاره منها؟ وكيف صاغه؟ وهل انتهى إلى قاعدة عامة تطبق على المواطنين، أم جعل اختلاف المرجعية الدينية سببًا لاختلاف القانون المدنى الواجب التطبيق؟
وهنا تظهر أهمية التمييز بين النص والفقه والقانون: النص الدينى هو المصدر الذى تُبنى عليه عمليات الفهم والاجتهاد، والفقه مجال لفهم النص واستنباط الأحكام وتعدد الآراء، أما القانون فهو اختيار تشريعى له شروطه وغاياته وآثاره، وهو فى معناه الأوسع عقد اجتماعى ينظم علاقة الأفراد بعضهم ببعض وعلاقة الفرد بالدولة.
ليس المطلوب أن يختار المشرّع بين الدين والقانون، وإنما أن يميز بين مجاليهما ووظيفتيهما؛ فيستطيع أن يستلهم الدين دون أن يحوّل القانون المدنى إلى نسخة منه، وأن يحترم المرجعيات الدينية دون أن يجعل الانتماء إليها سببًا لتعدد الحقوق والقواعد المدنية.
وعلى هذا الأساس، يصبح القانون اختيارًا تشريعيًا يقوم على تحقيق غايات قانونية، كالمصلحة والعدالة والمساواة والاستقرار، حتى عندما يستلهم المشرّع بعض قيمه أو مصادره من المرجعية الدينية.
وهذا هو المعنى الأدق لفكرة أن القانون اختيار تشريعى وليس ترجمة حرفية للدين.
- المستشار منصف سليمان يكشف كيفية إثبات "الهجر" للطلاق بقانون الأحوال الشخصية للمسيحيين الجديد
- ليس كل بريق ذهبا.. قانون طال انتظاه ونقاش لم يبدأ بعد
- أكثر من 100 ألف مهاجر قانوني في أمريكا يفقدون تغطية الرعاية الصحية
- نريد جاهزية كاملة بلا إشكاليات، الحكومة توافق على تأجيل تطبيق الإجراءات الجنائية
- بعد شرعة التقاعد... هل اقترب الحسم في طعن العفو العام؟





