فى دالاس، لم تكن الاحتفالات مجرد فرحة عابرة. آلاف المصريين خرجوا إلى الشوارع المحيطة بالملعب، وامتدت موجة الفرح من هناك إلى شوارع القاهرة والإسكندرية وكل مدينة مصرية، بعدما حجز منتخب «الفراعنة» مقعده فى دور الـ16 من كأس العالم 2026 لأول مرة فى تاريخه، إثر فوز مثير على أستراليا بركلات الترجيح.
والحقيقة أن هذا الإنجاز، بمقاييس الكرة العالمية، ليس فريدًا، فالمغرب وصل قبل 4 أعوام إلى نصف نهائى المونديال، والجزائر والسنغال والكاميرون ونيجيريا وصلت من قبل إلى أدوار متقدمة، والسعودية أسقط الأرجنتين فى مونديال سابق. لكن هذا بالضبط ما يجعل الاحتفال منطقيًا لا مبالغًا فيه: الفرح هنا ليس بادعاء تفوق مطلق، بل بلحظة مصرية خاصة، طال انتظارها، وتستحق أن يعيشها من عاشها بكل معناها.
ومع ذلك، فبمجرد أن ارتفعت الأعلام وامتلأت الميادين، ارتفعت أيضًا أصوات متشددة ترى هذا المشهد «إهدارًا للوقت»، وتحذّر من أن الانشغال الجماعى بالكرة يصرف الناس عن العلم والعبادة والعمل الجاد، ويخلق «انتماءً» هشًا لا يستحق كل هذا الحشد العاطفى.
هذا الاعتراض- ولن أسميه كراهية لفرحة الناس- يقوم على أساس أن العمر أقصر من أن يُستهلك فى متابعة لاعبين لا يعرفوننا. لكن ماذا يقول العلم فعلًا فى هذه المسألة؟
لماذا نفرح بإنجاز لم نصنعه بأنفسنا؟
فى عام 1976 نشر عالم النفس الاجتماعى روبرت تشالدينى مع فريقه بحثًا فى مجلة Journal of Personality and Social Psychology، يحاول فهم سلوك الجماهير، وركز على ظاهرة «التفاخر بمجد الآخرين».
لاحظ الباحثون أن طلاب الجامعات كانوا أكثر ميلًا لارتداء ملابس تحمل شعار جامعتهم فى الأيام التالية لفوز فريقها، رغم أن هؤلاء الطلاب لم يكن لهم أى دور فى نتيجة المباراة. ورصدوا أيضًا أن الناس يستخدمون كلمة «نحن» حين يتحدثون عن فوز فريقهم.
بالنسبة للباحثين، يرون أن هذا السلوك ليس نقيصة أو سذاجة، بل آلية نفسية عامة لتعزيز الصورة الذاتية، تظهر فى كل مكان يجتمع فيه البشر حول هُوية جماعية، كالقبيلة والجامعة والفريق. ولكن هذه التجربة أُجريت على طلاب جامعيين أمريكيين فى سياق الرياضة الجامعية، وفى المقابل يتقاطع تشجيع المنتخب فى مصر مع الهوية الوطنية بشكل أعمق وأوسع من مجرد «فريق جامعة»، أى إن حضور تأثير كرة القدم فى أرض النيل أكبر بالتأكيد.
وتجدر الإشارة إلى أن عالم النفس دانيال وان من جامعة موراى ستيت، أمضى عقودًا فى دراسة «التماهى مع الفريق الرياضى»، وربطت أبحاثه المتراكمة هذا التماهى بتقدير أعلى للذات، وشعور أقل بالوحدة والعزلة، وشبكة علاقات اجتماعية أقوى. وفى إحدى دراساته، وجد أن الجماهير ترى فى التشجيع الرياضى وسيلة لتلبية حاجات نفسية مثل الانتماء والتميز.
والغريبة أن من يهاجمون فرحة الناس، هم أنفسهم من هاجموا كرة القدم ورأوها وسيلة لإبعاد المشجعين عن قضايا مثل غزة، وبعدما رفع حسام حسن، مدرب المنتخب، العلم، أحبوا كرة القدم وأحبوه، وروّجوا للأمر وحاولوا استغلاله سياسيًا.
جذور الكرة كفعل وطنى لا مجرد لعبة
حين نتتبّع أصل العلاقة بين المصريين والكرة، يتضح أنها لم تبدأ كرياضة ترفيهية بحتة. فنادى الأهلى مثلًا تأسس فى الفترة بين 1905 و1907، بهدف توحيد طلبة المدارس العليا الرافضين للاحتلال البريطانى، وكان فى بداياته فضاءً للحوار السياسى والوطنى قبل أن تصبح كرة القدم نشاطه الأبرز.
حتى اسم «الأهلى» نفسه اختير ليكون ترجمة لكلمة «وطنى»، حفاظًا على الهوية المصرية التى كانت من أسباب إنشائه. بمعنى آخر، فواحدة من أقدم مؤسسات الكرة نشأت من رحم الحراك الوطنى، لا بمعزل عنه، وهذا ما يمنح الكرة فى الوجدان المصرى بُعدًا رمزيًا يتجاوز الرياضة وحدها.
وهذا يتسق مع ما تخلص إليه دراسات أكاديمية حديثة، مثل دراسة نُشرت عام 2024 فى مجلة Soccer & Society، من أن الكرة فى المجتمع المصرى تعمل كمنصة قوية للتعبير عن الهوية الوطنية والإقليمية والفردية فى آن واحد.
حين يفرح المصريون اليوم بالتأهل، فهم لا يحتفلون بحدث رياضى عابر فحسب، بل يستحضرون - ولو بلا وعى- طبقة من رمزية وطنية متجذرة تاريخيًا فى علاقة المصريين بالكرة، وتوارثتها الأجيال كجزء من الهوية المصرية، أسوة باللغة أو الأغانى الشعبية أو الأعياد الدينية.
استثمار العمر
يمكن لمن ينصحون الناس بحسن إدارة حياتهم، أن يلتفتوا إلى حيواتهم لاستغلال أوقاتهم فى أمر مفيد غير انتقاد الآخرين. يمكنهم ألا يحاولوا إجبار المصريين على قبول محمد صلاح وحبّه وفقًا لشروط مسبقة. سيفضح المصرى خشوعه عند سماع نشيد بلاده.. وفوز منتخبه.. ورفع علمه.
من يقول إن العمر قصير ويجب ألا يُستهلك فى التعلق بمن لا يعرفوننا، قد يكون له حجة منطقية للمجادلة، لكن علم النفس الاجتماعى يقول إن هذه اللحظة الجماعية منحت ملايين المصريين شعورًا حقيقيًا بالانتماء والفخر، وهو شعور له جذور تاريخية وثقافية متوارثة، لا يُنازعهم فيه أحد.
- الديهي: المنتخب أسعد كل المصريين.. ومن حق الشعب أن يفرح
- من صخرة محمد صلاح إلى محطة بيليه.. أماكن خلدت أسماء نجوم الكرة
- لماذا حُرم بيليه ومارادونا من التتويج بالكرة الذهبية؟.. اعرف القصة الكاملة
- اللاعب الذي لا يلمس الكرة… كيف يمكن أن يكون الأهم في الملعب؟
- في مثل هذا اليوم..مصر تكتب التاريخ بأول ظهور رسمي لمنتخب عربي وأفريقي بالأولمبياد


