القيادة تحت السن.. كيف تحولت إلى سلوك متنامي بين المراهقين؟ (خاص)

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

شهدت الشوارع خلال الفترة الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في قيادة الأطفال والمراهقين للسيارات والدراجات، في مشهد يثير القلق لما يحمله من مخاطر على حياتهم وحياة الآخرين، فضلًا عن مخالفته للقانون، ولم تعد الظاهرة تقتصر على مناطق بعينها، بل امتدت إلى العديد من المحافظات، وسط تساؤلات حول الأسباب الحقيقية التي تدفع بعض الأسر إلى السماح لأبنائها بقيادة المركبات قبل بلوغ السن القانونية.

وفي محاولة لفهم أبعاد هذه الظاهرة، استطلعت «الدستور» آراء عدد من خبراء علم النفس والاجتماع، إلى جانب متخصصين في القانون، للوقوف على الدوافع النفسية والاجتماعية وراء انتشارها، وأسباب تشجيع بعض أولياء الأمور لأبنائهم على القيادة، وما إذا كان ذلك يرتبط بالرغبة في إثبات الذات أو التفاخر الاجتماعي، فضلًا عن تأثير مواقع التواصل الاجتماعي وضعف الرقابة الأسرية في ترسيخ هذا السلوك.

استشاري صحة نفسية: قيادة الأطفال للسيارات تكشف غياب الرقابة الأسرية وتآكل القيم التربوية

أكد الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، أن تزايد ظاهرة قيادة الأطفال والمراهقين للسيارات والدراجات في الشوارع تحت السن القانونية يعكس خللًا واضحًا في دور الأسرة، موضحًا أن المشكلة لا تتعلق بامتلاك الطفل سيارة أو قدرته على القيادة، وإنما بغياب الإشراف والمتابعة والتوجيه التربوي.

وأضاف هندي، في تصريحات خاصة لموقع "الدستور"، أن كثيرًا من الأسر أصبحت تكتفي بالإنفاق على الأبناء دون القيام بدورها الأساسي في غرس القيم والأخلاق وتعليمهم تحمل المسؤولية واحترام القانون.

وأوضح هندي، أن هذا النمط من التربية يخلق جيلًا يتصرف بقدر كبير من الاندفاع والرعونة، ويعتقد أن بإمكانه فعل أي شيء دون حساب، لأن كل ما يريده متاح أمامه، ومع غياب الحدود الأسرية يختلط على الأبناء التمييز بين الصواب والخطأ، فتظهر سلوكيات خطيرة مثل القيادة دون ترخيص أو الاستهانة بحياة الآخرين، وهو ما يفسر تكرار الحوادث التي يكون أبطالها أطفالًا أو مراهقين.

وأشار استشاري الصحة النفسية، إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي لعبت دورًا كبيرًا في تفاقم الظاهرة، بعدما أصبحت مصدرًا رئيسيًا لتشكيل وعي المراهقين وسلوكياتهم، لافتًا إلى أن التعرض المستمر للمحتوى السطحي أدى إلى ما يُعرف بـ”تآكل الدماغ”، وهو مصطلح يشير إلى تراجع القدرة على التفكير والتحليل وضبط الانفعالات، ما يدفع بعض الشباب إلى البحث عن الاستعراض وإثبات الذات عبر سلوكيات خطرة، من بينها قيادة السيارات بسرعة أو دون السن القانونية.

وشدد هندي، على أن الأطفال والمراهقين الذين يقودون المركبات بصورة غير قانونية هم أيضًا ضحايا، لأنهم نشأوا في بيئة لم تؤدِّ دورها التربوي بالشكل المطلوب، وتركتهم للعالم الافتراضي ليشكل شخصياتهم بدلًا من الأسرة، وأكد أن المسؤولية الحقيقية تقع على عاتق الوالدين، اللذين يجب أن يراجعا أساليب التربية، وأن يدركا أن دورهما لا يقتصر على توفير الاحتياجات المادية، بل يمتد إلى بناء شخصية متزنة قادرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية.

وأكد هندي، على أن مواجهة ظاهرة قيادة الأطفال للسيارات تتطلب تحركًا مجتمعيًا متكاملًا يبدأ من الأسرة، مرورًا بالمدرسة ووسائل الإعلام، مع تطبيق القانون بحزم على كل من يسمح لطفل أو مراهق بقيادة مركبة قبل السن القانونية، حفاظًا على أرواح الأبناء والمواطنين، ومنعًا لتكرار حوادث مأساوية يدفع ثمنها الجميع.

إثبات الذات أم التفاخر؟.. الدوافع النفسية والاجتماعية وراء قيادة الأطفال للسيارات

قال الدكتور محمود علام، استشاري الإرشاد النفسي والأسري، إن تزايد ظاهرة قيادة الأطفال والمراهقين للسيارات والدراجات النارية قبل السن القانونية لا يمكن تفسيره على أنه مجرد حب للتجربة أو تعلم القيادة مبكرًا، وإنما يرتبط بمجموعة من الدوافع النفسية والاجتماعية، وأوضح أن مرحلة المراهقة بطبيعتها تشهد رغبة قوية في الشعور بالاستقلال وإثبات الذات، لذلك ينظر كثير من المراهقين إلى قيادة المركبات باعتبارها رمزًا للنضج والقوة والقدرة على اتخاذ القرار، وهو ما يدفعهم إلى خوض هذه التجربة رغم خطورتها.

وأضاف علام، في تصريحات خاصة لموقع "الدستور"، أن المراهقين أكثر ميلًا للمغامرة وخوض التجارب المحفوفة بالمخاطر نتيجة عدم اكتمال النضج الانفعالي لديهم، الأمر الذي يجعلهم أقل قدرة على تقدير عواقب أفعالهم مقارنة بالبالغين، كما أن بعضهم يسعى إلى كسب إعجاب الأصدقاء أو الحصول على مكانة داخل المجموعة، فتتحول القيادة المبكرة إلى وسيلة للفت الانتباه وإثبات الجرأة، خاصة في البيئات التي تعتبر هذا السلوك دليلًا على الشجاعة أو الرجولة.

وأشار استشاري الإرشاد النفسي والأسري، إلى أن المجتمع نفسه يساهم في انتشار الظاهرة عندما يتعامل معها باعتبارها أمرًا عاديًا، فمع تكرار مشاهدة أطفال يقودون السيارات أو الدراجات تتراجع حساسية المجتمع تجاه خطورة هذا السلوك، وأضاف أن غياب الرقابة الحاسمة وعدم تطبيق العقوبات بصورة رادعة يشجعان على تكرار المخالفة، إلى جانب ثقافة التقليد، حيث يميل الأطفال والمراهقون إلى تقليد أقرانهم أو الأشخاص الأكثر تأثيرًا في محيطهم.

وأوضح علام، أن الأسرة تتحمل جزءًا كبيرًا من المسؤولية، فبعض الآباء يسمحون لأبنائهم بالقيادة اعتقادًا منهم أنها وسيلة لاكتساب الخبرة والثقة بالنفس، بينما يرى آخرون فيها دليلًا على النضج وتحمل المسؤولية، وقد يتحول الأمر أحيانًا إلى نوع من التفاخر الاجتماعي، كما أن بعض الأسر تربط نجاح الأبناء أو جرأتهم بصورة الأسرة أمام الآخرين، فيصبح السماح بالقيادة المبكرة وسيلة غير مباشرة لإثبات الذات، إلى جانب التساهل في وضع القواعد وضعف المتابعة اليومية.

وأكد علام، أن مواقع التواصل الاجتماعي زادت من انتشار الظاهرة بعدما حولت القيادة الخطرة إلى محتوى يجذب ملايين المشاهدات، حيث يسعى بعض المراهقين إلى تصوير أنفسهم أثناء القيادة للحصول على الإعجابات والتفاعل، فيتولد لديهم شعور بأن هذا السلوك يمنحهم الشهرة والقبول الاجتماعي، وأكد على أن مواجهة الظاهرة تبدأ من الأسرة عبر الحوار المستمر مع الأبناء، ووضع حدود واضحة، وتعزيز الرقابة، إلى جانب تطبيق القانون بحزم، حتى لا تتحول الرغبة في إثبات الذات إلى حوادث تهدد حياة الأبناء والآخرين.

قيادة الأطفال للسيارات.. أستاذة علم اجتماع تكشف دور الأسرة في انتشار الظاهرة

قالت الدكتورة هالة يسري، أستاذ علم الاجتماع، إن قيادة الأطفال والمراهقين للسيارات قبل السن القانونية ليست ظاهرة جديدة، لكنها شهدت انتشارًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي يستدعي التوقف أمام أسبابه وآثاره، وأوضحت أن الطفل بطبيعته يمتلك حب الاستطلاع والفضول لتجربة كل ما يحيط به، ومن بينها قيادة السيارة، إلا أن هذا الفضول لا ينبغي أن يتحول إلى سلوك يعرض حياته وحياة الآخرين للخطر.

وأضافت، في تصريحاتها لموقع "الدستور"، أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق الأسرة، باعتبارها الجهة المنوط بها وضع الحدود والضوابط المناسبة للأبناء، مؤكدة أنه من غير المقبول أن تسمح أسرة لطفل لم يبلغ السن القانونية بقيادة سيارة في الشوارع أو الطرق العامة، لأن ذلك يمثل مخالفة للقانون ويعرض الجميع لمخاطر جسيمة.

وأشارت أستاذة علم الاجتماع، إلى أن انتشار مثل هذه السلوكيات يرتبط في بعض الأحيان بتساهل بعض الأسر أو اعتقادها الخاطئ بأن السماح للطفل بالقيادة يمنحه خبرة مبكرة، بينما الحقيقة أن اكتساب الخبرة يجب أن يتم في الوقت المناسب ووفقًا للقانون وبعد اكتمال النضج الجسدي والنفسي الذي يؤهل الشخص لتحمل مسؤولية القيادة.

وأكدت هالة يسري، أن الحد من الظاهرة يبدأ من داخل الأسرة، من خلال المتابعة المستمرة للأبناء، وغرس احترام القانون لديهم، وعدم الاستجابة لرغبتهم في تقليد الكبار أو خوض تجارب تفوق قدراتهم، كما شددت على أهمية تكاتف الأسرة والمدرسة ومؤسسات المجتمع لنشر الوعي بمخاطر القيادة المبكرة، حفاظًا على أرواح الأطفال والمواطنين.

أستاذة علم اجتماع: قيادة الأطفال للسيارات نتيجة ضعف الرقابة الأسرية والسوشيال ميديا

قالت الدكتورة سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، إن تزايد قيادة الأطفال والمراهقين للسيارات والدراجات في الشوارع يعكس تغيرات اجتماعية وسلوكية طرأت على الأسرة والمجتمع، موضحة أن الظاهرة لم تعد مجرد تصرف فردي، بل أصبحت مرتبطة بثقافة تساهل بعض الأسر مع مخالفة القوانين، إلى جانب سعي بعض المراهقين لإثبات الذات وإظهار الجرأة أمام أقرانهم.

وأضافت، في تصريحاتها لموقع "الدستور"،  أن الأسرة تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية، لأن بعض أولياء الأمور يسمحون لأبنائهم بقيادة المركبات بدافع الثقة الزائدة أو التفاخر بقدراتهم، بينما يرى آخرون أن الأمر نوع من تدريب الأبناء مبكرًا، دون إدراك للمخاطر القانونية أو الإنسانية المترتبة على ذلك، وأكدت أن هذا السلوك يرسل رسالة خاطئة للطفل بأن مخالفة القانون أمر يمكن التغاضي عنه.

وأوضحت أستاذة علم الاجتماع، أن مواقع التواصل الاجتماعي لعبت دورًا واضحًا في انتشار الظاهرة، بعدما امتلأت بمنشورات ومقاطع فيديو تُظهر أطفالًا ومراهقين يقودون سيارات أو دراجات بصورة استعراضية، ويحصدون الإعجابات والتفاعل، وهو ما يدفع آخرين إلى تقليد هذه التصرفات بحثًا عن الشهرة أو القبول الاجتماعي، خاصة في ظل غياب الوعي بمخاطرها.

وأكدت أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تعاونًا بين الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام، مع ضرورة تشديد الرقابة الأسرية وغرس احترام القانون منذ الصغر، إلى جانب تفعيل العقوبات الرادعة بحق من يسمح للأطفال بقيادة المركبات، لأن حماية أرواح الأبرياء تبدأ من منع هذه الممارسات قبل أن تتحول إلى حوادث مأساوية.

محامٍ بالنقض: قيادة القاصرين للسيارات تحصد أرواح الأبرياء وتستدعي تعديل القوانين

قال المستشار أيمن محفوظ، المحامي بالنقض، إن تكرار حوادث قيادة القاصرين للمركبات بات يمثل مأساة مجتمعية تتكرر بصورة مؤلمة، بعدما تتسبب القيادة المتهورة والرعونة في إنهاء حياة أبرياء لا ذنب لهم سوى وجودهم في المكان والزمان الخطأ، وأوضح أن الواقعة الأخيرة المتمثلة فى وفاة بائعة الشاي التي صدمتها فتاة قاصر بسيارتها تعكس خطورة السماح للأطفال أو القاصرين بقيادة السيارات دون رقابة أو التزام بالقانون.

وأضاف، في تصريحاته لموقع "الدستور"، أن المتهمة تواجه وفقًا لقانون المرور عقوبة قيادة مركبة دون الحصول على ترخيص، والتي تصل إلى الحبس مدة لا تزيد على سنة، وغرامة مالية تتراوح بين ألفي جنيه وخمسة آلاف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كما تواجه أيضًا عقوبة القتل الخطأ طبقًا للمادة 238 من قانون العقوبات، والتي تنص على الحبس لمدة لا تقل عن ستة أشهر وقد تصل إلى ثلاث سنوات، أو الغرامة، إذا وقعت الجريمة نتيجة الإهمال أو الرعونة أو عدم الاحتراز أو مخالفة القوانين واللوائح.

وأشار محفوظ، إلى أن المتهمة، لكونها قاصرًا، ستحال إلى محكمة الطفل، وهو ما يترتب عليه عدم جواز الادعاء المدني أمام المحكمة، الأمر الذي يحرم ورثة الضحية من المطالبة بالتعويض المدني أمامها، مؤكدًا أن هذا الوضع قد يؤدي إلى ضياع بعض حقوق ضحايا الجرائم التي يرتكبها الأطفال، وهو ما يستوجب إعادة النظر في بعض النصوص القانونية.

وأكد المحامي بالنقض، أنه سبق وطالب بإجراء تعديلات تشريعية تشمل خفض سن تطبيق قانون الطفل إلى 15 عامًا، وتشديد العقوبات في الجرائم الجسيمة، إلى جانب تعديل قانون العقوبات بما يسمح بمساءلة أولياء الأمور الذين يمكنون أبناءهم من ارتكاب تلك الجرائم، واستشهد بحادثة سابقة عوقب فيها والد طفل بالسجن خمس سنوات بعدما سمح لنجله بقيادة سيارة تسببت في إنهاء حياة أربعة أشخاص، مطالبًا البرلمان بالتدخل لتعديل القوانين بما يحد من تكرار هذه المآسي.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق