ما لم أكتبه من قبل (3): ياسر رزق وآخر ما دار بيننا قبل 30 يونيو

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الإثنين 29/يونيو/2026 - 10:16 م 6/29/2026 10:16:08 PM

ما لم أكتبه من قبل (3): ياسر رزق وآخر ما دار بيننا قبل 30 يونيو                                       د. باســـــم عـــــادل
لم تكن ثورة 30 يونيو حدثًا مفاجئًا، ولم تولد في يوم أو أسبوع، وإنما سبقتها عشرات الوقائع والمواقف التي تراكمت حتى صنعت حالة من الرفض الشعبي لمشروع سياسي رأت قطاعات واسعة من المصريين أنه لا يعبر عن الدولة التي حلموا بها بعد ثورة يناير.
ومن بين تلك الوقائع، هناك موقف شخصي لم أروه من قبل، جمعني بالصديق الراحل الكاتب الصحفي الكبير الأستاذ ياسر رزق رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير الأخبار الأسبق، في واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ مصر الحديث، حين كانت اللجنة التأسيسية الأولى للدستور تواصل أعمالها في عهد حكم الإخوان، وكانت معركة هوية الدولة تدور على صفحات الجرائد، وفي ساحات القضاء، وداخل المؤسسات الوطنية، وقبل كل ذلك في ضمير المصريين.
في منتصف عام 2012م، كان الأستاذ ياسر رزق يتولى رئاسة تحرير جريدة «الأخبار»، بعد أن جاء إليها في يناير 2011م، قبل أيام قليلة من اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير، وكان، كعادته، صحفيًا لا يعرف المواربة، يدرك أن الكلمة في بعض اللحظات قد تكون أخطر من أي موقف سياسي، وأن مسؤولية الصحافة لا تقتصر على نقل الأحداث، وإنما تمتد إلى الإنذار بالخطر عندما تقتضي المصلحة الوطنية ذلك.
في ذلك الوقت، كانت اللجنة التأسيسية لوضع الدستور، برئاسة المستشار حسام الغرياني، قد أصبحت محل جدل واسع، وهي اللجنة التي تشكلت لوضع دستور جديد لمصر عقب تولي الرئيس محمد مرسي الحكم، والتي تعرضت لانتقادات متصاعدة بسبب انسحاب ممثلي الكنائس والأزهر والمحكمة الدستورية العليا وعدد من القوى المدنية، اعتراضًا على ما اعتبروه هيمنة التيار الإسلامي على عملية صياغة الدستور، بما يهدد فكرة التوافق الوطني التي كان ينبغي أن يقوم عليها الدستور الأول بعد ثورة يناير.
كنت أتابع كل ذلك باهتمام، لكن زاوية رؤيتي كانت مختلفة.
فبحكم تخصصي الطبي، وبحكم الدراسة البحثية التي استغرقت مني أكثر من عامين، والتي صدرت في كتاب «زعماء على فراش المرض... أسرار لم تُنشر من قبل»، كنت قد انتهيت إلى نتيجة علمية واضحة، وهي أن الحالة الصحية لرئيس الدولة ليست شأنًا خاصًا، بل قضية أمن قومي، لأن قرارات الحرب والسلام، وإدارة الأزمات، ومصير الملايين، قد يتوقف في لحظة ما على قدرة رئيس الدولة الجسدية والعقلية على اتخاذ القرار.
كانت هذه الدراسة قد تناولت بالتوثيق والتحليل الطبي رحلات مرض عدد من رؤساء وزعماء العالم، وكيف انعكست أمراض بعضهم على دوائر الحكم والقرارات المصيرية، وهو ما جعلني أوقن بأن أي دستور حديث يجب أن ينص صراحة على إلزام كل مرشح لرئاسة الجمهورية بالخضوع لفحص طبي شامل، يعلن نتائجه للشعب بشفافية كاملة.
وزادت قناعتي بهذا الطرح مع ما كان يتردد آنذاك من نقاشات وأخبار بشأن الحالة الصحية للرئيس الدكتور محمد مرسي، وهي نقاشات كانت متداولة على نطاق واسع في المجال العام وقتها، لم يكن هدفي أن أناقش شخصًا بعينه، ولا أن أوجه اتهامًا لأحد، لأنني في النهاية غير متأكد من صحة المعلومات التي كان يتم تداولها في هذا الشأن، وإنما أردت أن أدافع عن مبدأ دستوري مجرد، يطبق على الجميع دون استثناء، فلا يجوز أن يُترك أخطر منصب في الدولة دون ضوابط صحية واضحة، بينما تُفرض مثل هذه الضوابط على وظائف أقل بكثير في حجم المسؤولية.
عندما استقرت هذه الفكرة في ذهني، لم أبحث أولًا عن صحيفة تنشرها، بل بحثت عن رجل يستطيع أن يتحمل مسؤولية نشرها... ولم يكن أمامي سوى ياسر رزق!
عُرف عن ياسر رزق صراعه مع جماعة الإخوان المسلمين، وعداوته وكرهه الشديد لها، كما وجّه العديد من الانتقادات لسياسات محمد مرسي خلال فترة رئاسته مصر، وقال ياسر رزق في تصريحات صحفية في ديسمبر عام 2012م: «إن مقعد رئيس الجمهورية ما زال شاغرًا حتى الآن»، حيث أشار إلى أن الرئيس محمد مرسي آنذاك «لا يمارس مهامه في الحفاظ على شعبه».
المهم.. تواصلت مع الأستاذ ياسر رزق، وطلبت لقاءه. لم يكن بيننا موعد سابق، لكنه رحب بالفكرة، وحدد لي مساء أحد أيام عام 2012 موعدًا في الديسك المركزي بجريدة «الأخبار»، والتقينا بين فريق من المحررين المسؤولين عن مراجعة الأخبار والمقالات، وصياغة العناوين، وتصحيح الأخطاء، وضبط المادة الصحفية قبل نشرها في عدد اليوم التالي.
دخلت عليه وأنا أحمل في ذهني فكرة، وأحمل في يدي خلاصة سنوات من البحث العلمي. استقبلني بحفاوة لم تفارق طباعه، وكان، رغم ما يعانيه من متاعب صحية في القلب، حاضر الذهن، شديد التركيز، واسع الاطلاع، لا يكتفي بسماع الفكرة، وإنما يفتش في أعماقها، ويختبر منطقها قبل أن يتخذ قراره.
ولعل المفارقة أن موضوع اللقاء كان يدور حول صحة رئيس الجمهورية، فإذا بنا نتحدث أولًا عن صحته هو، وتكلم معي بصراحة عن أزماته القلبية، وعن إدراكه، بحكم التجربة، أن المرض ليس مجرد شأن شخصي عندما يتعلق الأمر بمن يتحمل مسؤولية عامة، وأن لحظة ضعف واحدة قد تغير مصير إنسان، فكيف إذا كان هذا الإنسان يقود دولة بحجم مصر؟
بعدها عرضت عليه رؤيتي كاملة.
شرحت له أن القضية ليست مرتبطة بشخص الدكتور محمد مرسي الذي تولى الحكم بالفعل، وإنما بمبدأ دستوري يجب أن يبقى قائمًا مهما تغيرت الأسماء والاتجاهات السياسية، وقلت له إن الدستور لا يُكتب لرئيس قائم، وإنما يُكتب لأجيال، وإن أي رئيس قادم، أيا كان انتماؤه، يجب أن يخضع لفحص طبي شامل يطمئن الشعب إلى سلامة قدرته الجسدية والعقلية على ممارسة مسؤولياته.
استمع إليّ طويلًا، ثم بدأ يسأل عن تفاصيل الدراسة، وعن النماذج التي تناولتها في كتابي، وعن النتائج التي انتهيت إليها.
تحدثنا عن الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين، وكيف ألقت أزماته الصحية بظلالها على إدارة الدولة الروسية، وتناولنا تجربة الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، الذي أخفى مرضه سنوات طويلة، وما أثاره ذلك من جدل سياسي وأخلاقي، واستعدنا رحلة الملك الحسين بن طلال مع المرض، وكيف تعاملت الدولة الأردنية مع وضعه الصحي بكل ما يحمله من أبعاد سياسية ودستورية، وغيرها من النماذج التي أثبتت أن صحة رئيس الدولة ليست شأنًا طبيًا فحسب، وإنما قضية تمس استقرار الدولة نفسها.
وعندما انتهيت من حديثي، قال لي ياسر رزق: "اكتب... وسأنشر."
كان يدرك، كما كنت أدرك، أن هذا المقال لن يمر مرور الكرام، وأن مجرد طرح فكرة اشتراط اللياقة الصحية لرئيس الجمهورية في ذلك التوقيت، وفي ظل الجدل الدائر حول الحالة الصحية للرئيس محمد مرسي، سيُفسَّر سياسيًا، وربما يثير عاصفة من الهجوم.
ومع ذلك، لم يتردد.
لم يفكر في منصبه، ولم يحسب حساب رضا السلطة أو غضبها، وان همه الوحيد أن تصل الفكرة إلى الرأي العام، وأن تضع اللجنة التأسيسية للدستور أمام مسؤوليتها التاريخية.
اتفقنا على أن أرسل إليه المقال صباح اليوم التالي.
جلست طوال الليل أراجع كل كلمة فيه، ليس خوفًا من النقد، وإنما حرصًا على أن يبقى المقال ملتزمًا بالمنهج العلمي، بعيدًا عن المبالغة أو التجريح، وأن يقدم مبدأ عامًا لا يستهدف شخصًا بعينه.
وفي صباح اليوم التالي، أرسلت إليه المقال بعنوان: «إلى الذين يضعون الدستور... صحة الرئيس أول الشروط»
وبالفعل، نشرته جريدة «الأخبار».
وما إن نُشر حتى أحدث صدى واسعًا. لم يكن لأنه هاجم أحدًا، وإنما لأنه فتح بابًا لم يكن أحد قد طرقه من قبل، وربط بين الطب والدستور، وبين صحة رئيس الدولة وحق الشعب في الاطمئنان إلى قدرة من يحكمه على أداء واجبه.
أثار المقال نقاشًا واسعًا، كما أثار غضبًا داخل دوائر الحكم آنذاك، ولم يكن الأستاذ ياسر رزق يجهل أن مواقفه الوطنية، ومقالاته، وخطه التحريري، كانت تضعه في مواجهة دائمة مع جماعة الإخوان المسلمين، التي كانت قد بدأت بالفعل في إحكام قبضتها على كثير من مفاصل الدولة، وفي مقدمتها المؤسسات الإعلامية القومية.
ولا أزعم أن نشر مقالي كان السبب في إنهاء رئاسته لتحرير «الأخبار»، فذلك سيكون تبسيطًا لمشهد أكثر تعقيدًا، لكنني على يقين بأنه كان حلقة في سلسلة طويلة من المواقف الوطنية التي دفعت الرجل ثمنها، لأنه اختار أن يبقى منحازًا لما يراه حقًا، لا لما تريده السلطة.
غادر ياسر رزق موقعه، وتولى رئاسة التحرير زميل آخر، وكانت أول رسالة وصلتني أن باب «الأخبار» الذي كان مفتوحًا لمقالاتي قد أُغلق.
اعتدت أن تصل مقالاتي إلى مكتب رئيس التحرير تحمل توقيعي مع مديرة مكتبي، لكن بعد تغيير القيادة، أبلغها مدير المكتب رئيس التحرير الجديد بكل وضوح أن الجريدة لن تتلقى مني مقالات للنشر مرة أخرى.
لم أغضب...
كنت أعلم أن المشكلة لم تكن في المقال، وإنما في الفكرة التي حملها، وفي المناخ الذي أصبحت تتحرك فيه الصحافة المصرية آنذاك.
خرجت من «الأخبار» قبل أن يبدأ مشواري فيها، لكنني خرجت أيضًا بقناعة راسخة، وهي أن الأوطان لا تتغير بقرار واحد، ولا تقوم الثورات بسبب حادث منفرد، وإنما تصنعها مئات الوقائع الصغيرة التي تتراكم في وجدان الناس، حتى تأتي اللحظة التي يصبح فيها الصمت مستحيلًا.
ثم سافرت إلى الخارج طوال فترة حكم الإخوان لمصر!
واليوم، وبعد سنوات من تلك الأحداث، أستعيد هذا اللقاء مع الراحل ياسر رزق، لا من باب الحنين، ولا بحثًا عن دور شخصي، وإنما وفاءً لرجل آمن بأن الكلمة موقف، وأن الصحفي الحقيقي لا يقيس ما يكتب بحجم المكاسب، وإنما بحجم المسؤولية.
رحل ياسر رزق، وبقيت مواقفه.
وبقيت في ذاكرتي تلك الأمسية، التي لم أكن أدرك وقتها أنها ستكون آخر ما دار بيننا في مرحلة كانت مصر كلها تستعد، دون أن تدري، لواحدة من أهم محطات تاريخها الحديث... 30 يونيو.ما لم أكتبه من قبل (3): ياسر رزق وآخر ما دار بيننا قبل 30 يونيو                                       د. باســـــم عـــــادل
لم تكن ثورة 30 يونيو حدثًا مفاجئًا، ولم تولد في يوم أو أسبوع، وإنما سبقتها عشرات الوقائع والمواقف التي تراكمت حتى صنعت حالة من الرفض الشعبي لمشروع سياسي رأت قطاعات واسعة من المصريين أنه لا يعبر عن الدولة التي حلموا بها بعد ثورة يناير.
ومن بين تلك الوقائع، هناك موقف شخصي لم أروه من قبل، جمعني بالصديق الراحل الكاتب الصحفي الكبير الأستاذ ياسر رزق رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير الأخبار الأسبق، في واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ مصر الحديث، حين كانت اللجنة التأسيسية الأولى للدستور تواصل أعمالها في عهد حكم الإخوان، وكانت معركة هوية الدولة تدور على صفحات الجرائد، وفي ساحات القضاء، وداخل المؤسسات الوطنية، وقبل كل ذلك في ضمير المصريين.
في منتصف عام 2012م، كان الأستاذ ياسر رزق يتولى رئاسة تحرير جريدة «الأخبار»، بعد أن جاء إليها في يناير 2011م، قبل أيام قليلة من اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير، وكان، كعادته، صحفيًا لا يعرف المواربة، يدرك أن الكلمة في بعض اللحظات قد تكون أخطر من أي موقف سياسي، وأن مسؤولية الصحافة لا تقتصر على نقل الأحداث، وإنما تمتد إلى الإنذار بالخطر عندما تقتضي المصلحة الوطنية ذلك.
في ذلك الوقت، كانت اللجنة التأسيسية لوضع الدستور، برئاسة المستشار حسام الغرياني، قد أصبحت محل جدل واسع، وهي اللجنة التي تشكلت لوضع دستور جديد لمصر عقب تولي الرئيس محمد مرسي الحكم، والتي تعرضت لانتقادات متصاعدة بسبب انسحاب ممثلي الكنائس والأزهر والمحكمة الدستورية العليا وعدد من القوى المدنية، اعتراضًا على ما اعتبروه هيمنة التيار الإسلامي على عملية صياغة الدستور، بما يهدد فكرة التوافق الوطني التي كان ينبغي أن يقوم عليها الدستور الأول بعد ثورة يناير.
كنت أتابع كل ذلك باهتمام، لكن زاوية رؤيتي كانت مختلفة.
فبحكم تخصصي الطبي، وبحكم الدراسة البحثية التي استغرقت مني أكثر من عامين، والتي صدرت في كتاب «زعماء على فراش المرض... أسرار لم تُنشر من قبل»، كنت قد انتهيت إلى نتيجة علمية واضحة، وهي أن الحالة الصحية لرئيس الدولة ليست شأنًا خاصًا، بل قضية أمن قومي، لأن قرارات الحرب والسلام، وإدارة الأزمات، ومصير الملايين، قد يتوقف في لحظة ما على قدرة رئيس الدولة الجسدية والعقلية على اتخاذ القرار.
كانت هذه الدراسة قد تناولت بالتوثيق والتحليل الطبي رحلات مرض عدد من رؤساء وزعماء العالم، وكيف انعكست أمراض بعضهم على دوائر الحكم والقرارات المصيرية، وهو ما جعلني أوقن بأن أي دستور حديث يجب أن ينص صراحة على إلزام كل مرشح لرئاسة الجمهورية بالخضوع لفحص طبي شامل، يعلن نتائجه للشعب بشفافية كاملة.
وزادت قناعتي بهذا الطرح مع ما كان يتردد آنذاك من نقاشات وأخبار بشأن الحالة الصحية للرئيس الدكتور محمد مرسي، وهي نقاشات كانت متداولة على نطاق واسع في المجال العام وقتها، لم يكن هدفي أن أناقش شخصًا بعينه، ولا أن أوجه اتهامًا لأحد، لأنني في النهاية غير متأكد من صحة المعلومات التي كان يتم تداولها في هذا الشأن، وإنما أردت أن أدافع عن مبدأ دستوري مجرد، يطبق على الجميع دون استثناء، فلا يجوز أن يُترك أخطر منصب في الدولة دون ضوابط صحية واضحة، بينما تُفرض مثل هذه الضوابط على وظائف أقل بكثير في حجم المسؤولية.
عندما استقرت هذه الفكرة في ذهني، لم أبحث أولًا عن صحيفة تنشرها، بل بحثت عن رجل يستطيع أن يتحمل مسؤولية نشرها... ولم يكن أمامي سوى ياسر رزق!
عُرف عن ياسر رزق صراعه مع جماعة الإخوان المسلمين، وعداوته وكرهه الشديد لها، كما وجّه العديد من الانتقادات لسياسات محمد مرسي خلال فترة رئاسته مصر، وقال ياسر رزق في تصريحات صحفية في ديسمبر عام 2012م: «إن مقعد رئيس الجمهورية ما زال شاغرًا حتى الآن»، حيث أشار إلى أن الرئيس محمد مرسي آنذاك «لا يمارس مهامه في الحفاظ على شعبه».
المهم.. تواصلت مع الأستاذ ياسر رزق، وطلبت لقاءه. لم يكن بيننا موعد سابق، لكنه رحب بالفكرة، وحدد لي مساء أحد أيام عام 2012 موعدًا في الديسك المركزي بجريدة «الأخبار»، والتقينا بين فريق من المحررين المسؤولين عن مراجعة الأخبار والمقالات، وصياغة العناوين، وتصحيح الأخطاء، وضبط المادة الصحفية قبل نشرها في عدد اليوم التالي.
دخلت عليه وأنا أحمل في ذهني فكرة، وأحمل في يدي خلاصة سنوات من البحث العلمي. استقبلني بحفاوة لم تفارق طباعه، وكان، رغم ما يعانيه من متاعب صحية في القلب، حاضر الذهن، شديد التركيز، واسع الاطلاع، لا يكتفي بسماع الفكرة، وإنما يفتش في أعماقها، ويختبر منطقها قبل أن يتخذ قراره.
ولعل المفارقة أن موضوع اللقاء كان يدور حول صحة رئيس الجمهورية، فإذا بنا نتحدث أولًا عن صحته هو، وتكلم معي بصراحة عن أزماته القلبية، وعن إدراكه، بحكم التجربة، أن المرض ليس مجرد شأن شخصي عندما يتعلق الأمر بمن يتحمل مسؤولية عامة، وأن لحظة ضعف واحدة قد تغير مصير إنسان، فكيف إذا كان هذا الإنسان يقود دولة بحجم مصر؟
بعدها عرضت عليه رؤيتي كاملة.
شرحت له أن القضية ليست مرتبطة بشخص الدكتور محمد مرسي الذي تولى الحكم بالفعل، وإنما بمبدأ دستوري يجب أن يبقى قائمًا مهما تغيرت الأسماء والاتجاهات السياسية، وقلت له إن الدستور لا يُكتب لرئيس قائم، وإنما يُكتب لأجيال، وإن أي رئيس قادم، أيا كان انتماؤه، يجب أن يخضع لفحص طبي شامل يطمئن الشعب إلى سلامة قدرته الجسدية والعقلية على ممارسة مسؤولياته.
استمع إليّ طويلًا، ثم بدأ يسأل عن تفاصيل الدراسة، وعن النماذج التي تناولتها في كتابي، وعن النتائج التي انتهيت إليها.
تحدثنا عن الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين، وكيف ألقت أزماته الصحية بظلالها على إدارة الدولة الروسية، وتناولنا تجربة الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، الذي أخفى مرضه سنوات طويلة، وما أثاره ذلك من جدل سياسي وأخلاقي، واستعدنا رحلة الملك الحسين بن طلال مع المرض، وكيف تعاملت الدولة الأردنية مع وضعه الصحي بكل ما يحمله من أبعاد سياسية ودستورية، وغيرها من النماذج التي أثبتت أن صحة رئيس الدولة ليست شأنًا طبيًا فحسب، وإنما قضية تمس استقرار الدولة نفسها.
وعندما انتهيت من حديثي، قال لي ياسر رزق: "اكتب... وسأنشر."
كان يدرك، كما كنت أدرك، أن هذا المقال لن يمر مرور الكرام، وأن مجرد طرح فكرة اشتراط اللياقة الصحية لرئيس الجمهورية في ذلك التوقيت، وفي ظل الجدل الدائر حول الحالة الصحية للرئيس محمد مرسي، سيُفسَّر سياسيًا، وربما يثير عاصفة من الهجوم.
ومع ذلك، لم يتردد.
لم يفكر في منصبه، ولم يحسب حساب رضا السلطة أو غضبها، وان همه الوحيد أن تصل الفكرة إلى الرأي العام، وأن تضع اللجنة التأسيسية للدستور أمام مسؤوليتها التاريخية.
اتفقنا على أن أرسل إليه المقال صباح اليوم التالي.
جلست طوال الليل أراجع كل كلمة فيه، ليس خوفًا من النقد، وإنما حرصًا على أن يبقى المقال ملتزمًا بالمنهج العلمي، بعيدًا عن المبالغة أو التجريح، وأن يقدم مبدأ عامًا لا يستهدف شخصًا بعينه.
وفي صباح اليوم التالي، أرسلت إليه المقال بعنوان: «إلى الذين يضعون الدستور... صحة الرئيس أول الشروط»
وبالفعل، نشرته جريدة «الأخبار».
وما إن نُشر حتى أحدث صدى واسعًا. لم يكن لأنه هاجم أحدًا، وإنما لأنه فتح بابًا لم يكن أحد قد طرقه من قبل، وربط بين الطب والدستور، وبين صحة رئيس الدولة وحق الشعب في الاطمئنان إلى قدرة من يحكمه على أداء واجبه.
أثار المقال نقاشًا واسعًا، كما أثار غضبًا داخل دوائر الحكم آنذاك، ولم يكن الأستاذ ياسر رزق يجهل أن مواقفه الوطنية، ومقالاته، وخطه التحريري، كانت تضعه في مواجهة دائمة مع جماعة الإخوان المسلمين، التي كانت قد بدأت بالفعل في إحكام قبضتها على كثير من مفاصل الدولة، وفي مقدمتها المؤسسات الإعلامية القومية.
ولا أزعم أن نشر مقالي كان السبب في إنهاء رئاسته لتحرير «الأخبار»، فذلك سيكون تبسيطًا لمشهد أكثر تعقيدًا، لكنني على يقين بأنه كان حلقة في سلسلة طويلة من المواقف الوطنية التي دفعت الرجل ثمنها، لأنه اختار أن يبقى منحازًا لما يراه حقًا، لا لما تريده السلطة.
غادر ياسر رزق موقعه، وتولى رئاسة التحرير زميل آخر، وكانت أول رسالة وصلتني أن باب «الأخبار» الذي كان مفتوحًا لمقالاتي قد أُغلق.
اعتدت أن تصل مقالاتي إلى مكتب رئيس التحرير تحمل توقيعي مع مديرة مكتبي، لكن بعد تغيير القيادة، أبلغها مدير المكتب رئيس التحرير الجديد بكل وضوح أن الجريدة لن تتلقى مني مقالات للنشر مرة أخرى.
لم أغضب...
كنت أعلم أن المشكلة لم تكن في المقال، وإنما في الفكرة التي حملها، وفي المناخ الذي أصبحت تتحرك فيه الصحافة المصرية آنذاك.
خرجت من «الأخبار» قبل أن يبدأ مشواري فيها، لكنني خرجت أيضًا بقناعة راسخة، وهي أن الأوطان لا تتغير بقرار واحد، ولا تقوم الثورات بسبب حادث منفرد، وإنما تصنعها مئات الوقائع الصغيرة التي تتراكم في وجدان الناس، حتى تأتي اللحظة التي يصبح فيها الصمت مستحيلًا.
ثم سافرت إلى الخارج طوال فترة حكم الإخوان لمصر!
واليوم، وبعد سنوات من تلك الأحداث، أستعيد هذا اللقاء مع الراحل ياسر رزق، لا من باب الحنين، ولا بحثًا عن دور شخصي، وإنما وفاءً لرجل آمن بأن الكلمة موقف، وأن الصحفي الحقيقي لا يقيس ما يكتب بحجم المكاسب، وإنما بحجم المسؤولية.
رحل ياسر رزق، وبقيت مواقفه.
وبقيت في ذاكرتي تلك الأمسية، التي لم أكن أدرك وقتها أنها ستكون آخر ما دار بيننا في مرحلة كانت مصر كلها تستعد، دون أن تدري، لواحدة من أهم محطات تاريخها الحديث... 30 يونيو.
لم تكن ثورة 30 يونيو حدثًا مفاجئًا، ولم تولد في يوم أو أسبوع، وإنما سبقتها عشرات الوقائع والمواقف التي تراكمت حتى صنعت حالة من الرفض الشعبي لمشروع سياسي رأت قطاعات واسعة من المصريين أنه لا يعبر عن الدولة التي حلموا بها بعد ثورة يناير.
ومن بين تلك الوقائع، هناك موقف شخصي لم أروه من قبل، جمعني بالصديق الراحل الكاتب الصحفي الكبير الأستاذ ياسر رزق رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير الأخبار الأسبق، في واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ مصر الحديث، حين كانت اللجنة التأسيسية الأولى للدستور تواصل أعمالها في عهد حكم الإخوان، وكانت معركة هوية الدولة تدور على صفحات الجرائد، وفي ساحات القضاء، وداخل المؤسسات الوطنية، وقبل كل ذلك في ضمير المصريين.
في منتصف عام 2012م، كان الأستاذ ياسر رزق يتولى رئاسة تحرير جريدة «الأخبار»، بعد أن جاء إليها في يناير 2011م، قبل أيام قليلة من اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير، وكان، كعادته، صحفيًا لا يعرف المواربة، يدرك أن الكلمة في بعض اللحظات قد تكون أخطر من أي موقف سياسي، وأن مسؤولية الصحافة لا تقتصر على نقل الأحداث، وإنما تمتد إلى الإنذار بالخطر عندما تقتضي المصلحة الوطنية ذلك.
في ذلك الوقت، كانت اللجنة التأسيسية لوضع الدستور، برئاسة المستشار حسام الغرياني، قد أصبحت محل جدل واسع، وهي اللجنة التي تشكلت لوضع دستور جديد لمصر عقب تولي الرئيس محمد مرسي الحكم، والتي تعرضت لانتقادات متصاعدة بسبب انسحاب ممثلي الكنائس والأزهر والمحكمة الدستورية العليا وعدد من القوى المدنية، اعتراضًا على ما اعتبروه هيمنة التيار الإسلامي على عملية صياغة الدستور، بما يهدد فكرة التوافق الوطني التي كان ينبغي أن يقوم عليها الدستور الأول بعد ثورة يناير.
كنت أتابع كل ذلك باهتمام، لكن زاوية رؤيتي كانت مختلفة.
فبحكم تخصصي الطبي، وبحكم الدراسة البحثية التي استغرقت مني أكثر من عامين، والتي صدرت في كتاب «زعماء على فراش المرض... أسرار لم تُنشر من قبل»، كنت قد انتهيت إلى نتيجة علمية واضحة، وهي أن الحالة الصحية لرئيس الدولة ليست شأنًا خاصًا، بل قضية أمن قومي، لأن قرارات الحرب والسلام، وإدارة الأزمات، ومصير الملايين، قد يتوقف في لحظة ما على قدرة رئيس الدولة الجسدية والعقلية على اتخاذ القرار.
كانت هذه الدراسة قد تناولت بالتوثيق والتحليل الطبي رحلات مرض عدد من رؤساء وزعماء العالم، وكيف انعكست أمراض بعضهم على دوائر الحكم والقرارات المصيرية، وهو ما جعلني أوقن بأن أي دستور حديث يجب أن ينص صراحة على إلزام كل مرشح لرئاسة الجمهورية بالخضوع لفحص طبي شامل، يعلن نتائجه للشعب بشفافية كاملة.
وزادت قناعتي بهذا الطرح مع ما كان يتردد آنذاك من نقاشات وأخبار بشأن الحالة الصحية للرئيس الدكتور محمد مرسي، وهي نقاشات كانت متداولة على نطاق واسع في المجال العام وقتها، لم يكن هدفي أن أناقش شخصًا بعينه، ولا أن أوجه اتهامًا لأحد، لأنني في النهاية غير متأكد من صحة المعلومات التي كان يتم تداولها في هذا الشأن، وإنما أردت أن أدافع عن مبدأ دستوري مجرد، يطبق على الجميع دون استثناء، فلا يجوز أن يُترك أخطر منصب في الدولة دون ضوابط صحية واضحة، بينما تُفرض مثل هذه الضوابط على وظائف أقل بكثير في حجم المسؤولية.
عندما استقرت هذه الفكرة في ذهني، لم أبحث أولًا عن صحيفة تنشرها، بل بحثت عن رجل يستطيع أن يتحمل مسؤولية نشرها... ولم يكن أمامي سوى ياسر رزق!
عُرف عن ياسر رزق صراعه مع جماعة الإخوان المسلمين، وعداوته وكرهه الشديد لها، كما وجّه العديد من الانتقادات لسياسات محمد مرسي خلال فترة رئاسته مصر، وقال ياسر رزق في تصريحات صحفية في ديسمبر عام 2012م: «إن مقعد رئيس الجمهورية ما زال شاغرًا حتى الآن»، حيث أشار إلى أن الرئيس محمد مرسي آنذاك «لا يمارس مهامه في الحفاظ على شعبه».
المهم.. تواصلت مع الأستاذ ياسر رزق، وطلبت لقاءه. لم يكن بيننا موعد سابق، لكنه رحب بالفكرة، وحدد لي مساء أحد أيام عام 2012 موعدًا في الديسك المركزي بجريدة «الأخبار»، والتقينا بين فريق من المحررين المسؤولين عن مراجعة الأخبار والمقالات، وصياغة العناوين، وتصحيح الأخطاء، وضبط المادة الصحفية قبل نشرها في عدد اليوم التالي.
دخلت عليه وأنا أحمل في ذهني فكرة، وأحمل في يدي خلاصة سنوات من البحث العلمي. استقبلني بحفاوة لم تفارق طباعه، وكان، رغم ما يعانيه من متاعب صحية في القلب، حاضر الذهن، شديد التركيز، واسع الاطلاع، لا يكتفي بسماع الفكرة، وإنما يفتش في أعماقها، ويختبر منطقها قبل أن يتخذ قراره.
ولعل المفارقة أن موضوع اللقاء كان يدور حول صحة رئيس الجمهورية، فإذا بنا نتحدث أولًا عن صحته هو، وتكلم معي بصراحة عن أزماته القلبية، وعن إدراكه، بحكم التجربة، أن المرض ليس مجرد شأن شخصي عندما يتعلق الأمر بمن يتحمل مسؤولية عامة، وأن لحظة ضعف واحدة قد تغير مصير إنسان، فكيف إذا كان هذا الإنسان يقود دولة بحجم مصر؟
بعدها عرضت عليه رؤيتي كاملة.
شرحت له أن القضية ليست مرتبطة بشخص الدكتور محمد مرسي الذي تولى الحكم بالفعل، وإنما بمبدأ دستوري يجب أن يبقى قائمًا مهما تغيرت الأسماء والاتجاهات السياسية، وقلت له إن الدستور لا يُكتب لرئيس قائم، وإنما يُكتب لأجيال، وإن أي رئيس قادم، أيا كان انتماؤه، يجب أن يخضع لفحص طبي شامل يطمئن الشعب إلى سلامة قدرته الجسدية والعقلية على ممارسة مسؤولياته.
استمع إليّ طويلًا، ثم بدأ يسأل عن تفاصيل الدراسة، وعن النماذج التي تناولتها في كتابي، وعن النتائج التي انتهيت إليها.
تحدثنا عن الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين، وكيف ألقت أزماته الصحية بظلالها على إدارة الدولة الروسية، وتناولنا تجربة الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، الذي أخفى مرضه سنوات طويلة، وما أثاره ذلك من جدل سياسي وأخلاقي، واستعدنا رحلة الملك الحسين بن طلال مع المرض، وكيف تعاملت الدولة الأردنية مع وضعه الصحي بكل ما يحمله من أبعاد سياسية ودستورية، وغيرها من النماذج التي أثبتت أن صحة رئيس الدولة ليست شأنًا طبيًا فحسب، وإنما قضية تمس استقرار الدولة نفسها.
وعندما انتهيت من حديثي، قال لي ياسر رزق: "اكتب... وسأنشر."
كان يدرك، كما كنت أدرك، أن هذا المقال لن يمر مرور الكرام، وأن مجرد طرح فكرة اشتراط اللياقة الصحية لرئيس الجمهورية في ذلك التوقيت، وفي ظل الجدل الدائر حول الحالة الصحية للرئيس محمد مرسي، سيُفسَّر سياسيًا، وربما يثير عاصفة من الهجوم.
ومع ذلك، لم يتردد.
لم يفكر في منصبه، ولم يحسب حساب رضا السلطة أو غضبها، وان همه الوحيد أن تصل الفكرة إلى الرأي العام، وأن تضع اللجنة التأسيسية للدستور أمام مسؤوليتها التاريخية.
اتفقنا على أن أرسل إليه المقال صباح اليوم التالي.
جلست طوال الليل أراجع كل كلمة فيه، ليس خوفًا من النقد، وإنما حرصًا على أن يبقى المقال ملتزمًا بالمنهج العلمي، بعيدًا عن المبالغة أو التجريح، وأن يقدم مبدأ عامًا لا يستهدف شخصًا بعينه.
وفي صباح اليوم التالي، أرسلت إليه المقال بعنوان: «إلى الذين يضعون الدستور... صحة الرئيس أول الشروط»
وبالفعل، نشرته جريدة «الأخبار».
وما إن نُشر حتى أحدث صدى واسعًا. لم يكن لأنه هاجم أحدًا، وإنما لأنه فتح بابًا لم يكن أحد قد طرقه من قبل، وربط بين الطب والدستور، وبين صحة رئيس الدولة وحق الشعب في الاطمئنان إلى قدرة من يحكمه على أداء واجبه.
أثار المقال نقاشًا واسعًا، كما أثار غضبًا داخل دوائر الحكم آنذاك، ولم يكن الأستاذ ياسر رزق يجهل أن مواقفه الوطنية، ومقالاته، وخطه التحريري، كانت تضعه في مواجهة دائمة مع جماعة الإخوان المسلمين، التي كانت قد بدأت بالفعل في إحكام قبضتها على كثير من مفاصل الدولة، وفي مقدمتها المؤسسات الإعلامية القومية.
ولا أزعم أن نشر مقالي كان السبب في إنهاء رئاسته لتحرير «الأخبار»، فذلك سيكون تبسيطًا لمشهد أكثر تعقيدًا، لكنني على يقين بأنه كان حلقة في سلسلة طويلة من المواقف الوطنية التي دفعت الرجل ثمنها، لأنه اختار أن يبقى منحازًا لما يراه حقًا، لا لما تريده السلطة.
غادر ياسر رزق موقعه، وتولى رئاسة التحرير زميل آخر، وكانت أول رسالة وصلتني أن باب «الأخبار» الذي كان مفتوحًا لمقالاتي قد أُغلق.
اعتدت أن تصل مقالاتي إلى مكتب رئيس التحرير تحمل توقيعي مع مديرة مكتبي، لكن بعد تغيير القيادة، أبلغها مدير المكتب رئيس التحرير الجديد بكل وضوح أن الجريدة لن تتلقى مني مقالات للنشر مرة أخرى.
لم أغضب...
كنت أعلم أن المشكلة لم تكن في المقال، وإنما في الفكرة التي حملها، وفي المناخ الذي أصبحت تتحرك فيه الصحافة المصرية آنذاك.
خرجت من «الأخبار» قبل أن يبدأ مشواري فيها، لكنني خرجت أيضًا بقناعة راسخة، وهي أن الأوطان لا تتغير بقرار واحد، ولا تقوم الثورات بسبب حادث منفرد، وإنما تصنعها مئات الوقائع الصغيرة التي تتراكم في وجدان الناس، حتى تأتي اللحظة التي يصبح فيها الصمت مستحيلًا.
ثم سافرت إلى الخارج طوال فترة حكم الإخوان لمصر!
واليوم، وبعد سنوات من تلك الأحداث، أستعيد هذا اللقاء مع الراحل ياسر رزق، لا من باب الحنين، ولا بحثًا عن دور شخصي، وإنما وفاءً لرجل آمن بأن الكلمة موقف، وأن الصحفي الحقيقي لا يقيس ما يكتب بحجم المكاسب، وإنما بحجم المسؤولية.
رحل ياسر رزق، وبقيت مواقفه.
وبقيت في ذاكرتي تلك الأمسية، التي لم أكن أدرك وقتها أنها ستكون آخر ما دار بيننا في مرحلة كانت مصر كلها تستعد، دون أن تدري، لواحدة من أهم محطات تاريخها الحديث... 30 يونيو.

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق