وقفتُ في الظلام.. وكان الملايين يمشون في النور
في الثلاثين من يونيو عام 2013، خرج الشعب المصري. خرج بأعداد لم يرَها التاريخ الحديث في ميادين بلد واحد في يوم واحد. خرج من أحيائه وشوارعه وقراه ومدنه الصغيرة والكبيرة.
وأنا؟ كنتُ هناك، لكنني لم أرَ شيئًا !
لا أعني أنني كنتُ في مكان آخر، أو أن التلفاز كان مُغلقًا، أو أن الجيران لم يخبروني. بل العكس تمامًا؛ رأيتُ الصور، وسمعتُ الأصوات، وتجوّلتُ في الشوارع، وكانت عيناي مفتوحتين على اتساعهما. غير أن ثمة سجنًا من نوع آخر كان يُطوّقني من الداخل؛ سجنٌ اخترتُه بنفسي، بنيتُ جدرانه قالبا قالب على مدى سنوات من التلقين والانتماء والحماسة، وأسميتُه "سجن الجماعة".
لم يكن ذلك السجن يمنعني من الرؤية بالعين، بل كان يمنعني من الرؤية بالعقل والقلب معًا
وقودٌ يحترق لإطفاء حرائق أشعلها غيره
كان عامًا كاملًا من حكم الجماعة. عامٌ قضى فيه شباب الإخوان - وكنتُ منهم - يعملون وقودًا يحترق كلما أشعلت قيادتهم حريقًا جديدًا في المجتمع. لم نكن نُدار، كنّا نُحترق. والفرق بين الاثنين أن المُدار يعرف إلى أين يذهب، أما المُحترق فلا يشغله إلا ألّا ينطفئ
حين تعهّد الرئيس السابق ببرنامج يُنجزه في مئة يوم ثم فشل، كنّا نحن من ينزل أمام الغاضبين في "جمعة كشف الحساب"، نُبرّر ما لا يمكن تبريره، ونشرح ما لا يمكن فهمه.
وحين عادى القضاء المصري ومؤسساته، تظاهرنا أمام المحكمة الدستورية كأننا الحارس الأمين لقرارات لم يُستشَر فيها أحد منّا.
وحين اخترع إعلانًا دستوريًا دكتاتوريًا لم نفهم من كتبه ولا من أين جاء، حُشدنا لفضّ الاعتراضات عليه أمام قصر الاتحادية، نواجه مواطنين لم يكن ذنبهم إلا أنهم قرأوا ما كتب وخافوا مما رأوا !
وحين تجمّع المواطنون غاضبين أمام مقرات الحزب الحاكم، نزلنا لنحمي تلك المقرات ونشتبك معهم.
وحين امتعض الناس من الأداء الاقتصادي المتهالك وانقطاع الكهرباء المتواصل، تولّينا نحن مواجهة غضبهم بحجج واهية وابتسامات مُصطنعة. كنّا نهاجم كل من انتقد الرئيس ونتّهمه بمعاداة الإسلام ذاته، لا مجرد معارضة سياسة حكومة.
كانت سنةً كبيسة شديدة الوطأة، ليس على الشعب وحده، بل على شباب الجماعة الذين أنهكهم الفشل المتراكم وأتعبهم التبرير المستمر. كنّا نخرج من كل أزمة بجروح معنوية نُخفيها خلف حماسة مُتجدّدة، وندخل في أزمة أعمق منها دون أن نسمح لأنفسنا بلحظة واحدة من التساؤل الصادق.
"تمرد" في مواجهة "تجرد" والشعب يتحرك
تداعى الناس إلى حملة توقيعات سمّوها "تمرد"، تطالب برحيل الرئيس ووضع حدٍّ للفوضى التي تتمدد في كل اتجاه. فأطلقنا نحن حملة مضادة أسميناها "تجرد"، وكأننا نُعلن صراحةً أننا لا نريد سماع الشعب، بل نريد تجريده من أدوات التعبير الأخيرة المتاحة له
مع اقتراب الثلاثين من يونيو، كانت التساؤلات تتكاثر في داخلنا سرًا، في تلك المساحة الضيقة الصامتة التي لا يجرؤ المرء على الكلام فيها حتى مع نفسه: ماذا سيحدث فعلًا؟ هل سيستجيب الناس؟ هل نحن على الجانب الصحيح؟ لكن الاجتماعات الداخلية للجماعة كانت تُطمئننا دومًا بنبرة الواثق المُطَّلع: يوم ثلاثين يونيو مجرد يوم عادي، سيمرّ كما مرّت مظاهرات سابقة ولم تُغيّر شيئًا
كانت هناك تجارب للحشد الإخواني في بعض خطابات الرئيس السابق، كمؤتمر سوريا وغيره، حُشدنا فيها لنُوصل رسالة واحدة: أن الرئيس خلفه جمهور لن يتخلى عنه.
وقبل أيام قليلة من الموعد، استحضرت قياداتنا كل آيات الصبر والثبات، وحشدت فينا روح "الدفاع عن المشروع الإسلامي المتآمَر عليه من كل جانب". كانت الحماسة تأخذنا شيئًا فشيئًا، وتُسكت ذلك الصوت الداخلي الصغير الذي كان يُحاول أن يسأل. غيّر كثيرٌ منّا صورة غلاف صفحاتهم على الفيسبوك إلى عبارة "كلنا مشاريع شهادة"، في استعداد لمواجهة لم نكن نفهم حقيقتها ولا حجمها.
نظرنا من ثقب إبرة وقلنا: لا شيء !
احتشدنا قبل يومين من الموعد لكن في ميدان رابعة. وقف أحدهم على المنصة قائلًا بثقة صارمة: "سنسحقهم!"، فتعالت الهتافات وارتفعت الأيدي.
وقف آخر متهكمًا بلهجة من يعرف ما لا تعرفه: "تتساءلون ماذا بعد ثلاثين يونيو؟ أقول لكم: بعده الأول من يوليو!" وضحك الجمع، وضحكتُ معهم، ولم نكن نعلم أننا نضحك على أنفسنا.
جاء اليوم. جلسنا أمام بعض الشاشات في محلات مطلة على رابعة. رأينا الناس يحتشدون في الميادين، فقلّلنا من أعدادهم وتهكّمنا عليهم بخفة من يرى ما يريد أن يرى: "كلها ساعة وينصرفون، هؤلاء أصحاب 'ثورة ثورة حتى العصر'!
كانت النكتة مُريحة، وكان الراحة فيها مؤشرًا على خوف لم نجرؤ على تسميته
تجوّلتُ في ميدان رابعة والتقيتُ ببعض أقارب مستشاري الرئيس السابق. طمأنوني بنبرة الواثق: "نحن على تواصل مع المستشارين، والوضع مطمئن داخل قصر الرئاسة."!
أخذتُ تلك الطمأنينة وعدتُ بها إلى نفسي كمن يحمل دواءً لمرض لا يريد أن يعترف به. مرّ اليوم وعيوننا لا ترى إلا ما سُمح لها برؤيته، وقلوبنا لا تشعر إلا بما رسمت له الجماعة حدودًا صارمة
حين تحوّلت الجماعة إلى معلّمي رياضيات
احتشد الشعب مرة أخرى وبأعداد طاغية لم تستطع أعيننا إغفالها هذه المرة مهما أردنا. ملايين في كل ميدان، في القاهرة والإسكندرية والمحافظات. فلجأ الإخوان إلى حيلة طريفة لو لم تكن مُحزنة على هذا النحو: بدأوا يُكعّبون الميادين رياضيًا! يحسبون مساحة ميدان التحرير ومحيط الاتحادية بالمتر المربع، ثم يُعلنون بثقة أكاديمية: كل متر يسع أربعة أشخاص، وبالتالي فعدد المتظاهرين لا يتجاوز بضع مئات الآلاف.
لم يُجروا الحساب ذاته على ميدان رابعة الذي يتظاهرون فيه ويتباهون بحشوده، خشية أن تنكشف عورة أرقامهم أمام أتباعهم قبل خصومهم
ولم يكتفوا بذلك، بل ذهبوا إلى ما هو أبعد من الأرقام، وأطلقوا أكذوبة أن المشهد الذي يراه العالم كله "فوتوشوب" أنتجه مخرج سينمائي. كانت كذبة فجّة حتى بمعايير الإنكار المُبرَّر، لكنها كانت تُريح من لا يريد أن يرى
كل هذا الإنكار، وكل هذا العمى الاختياري، وكل هذه الحسابات الرياضية التي تخدم نتيجة مُحدّدة سلفًا، لم تُغيّر شيئًا في الواقع الذي كان يتشكّل خارج أسوار رابعة.
بدأنا نحسب المساحات، ونقدّر الأعداد بطريقة تقلل من حجم المشاركين. كنا نبحث عن أي وسيلة لإثبات أن ما نراه ليس بالحجم الذي يُقال عنه.
واليوم، حين أتذكر ذلك، أدرك أن الأمر لم يكن تحليلًا بقدر ما كان محاولة للهروب من الاعتراف بالحقيقة!
فوجئنا بما لم نُعِدّ أنفسنا لقبوله: انحياز القوات المسلحة للشعب، كما انحازت له في يناير 2011، حين رأت أن الاقتتال الشعبي بات وشيكًا وكانت كل مؤشراته ظاهرة أمام أعين الجميع.. إلا أعيننا نحن
عندها هتفت القيادات على منصة رابعة بأعلى الأصوات: "لن يمروا" !
وبدأت المواجهة!
ما بعد الشهادة
لن أتحدث اليوم عمّا جرى بعدها، فللحديث عن ذلك مقامٌ آخر. لكنني أتحدث عن شيء ربما كان أهم مما جرى: عن تلك اللحظة الغريبة التي يصبح فيها الإنسان سجينًا لا يرى قضبان زنزانته، لأنه هو من بناها ببطء وصبر، واطمأن إلى ما بناه
كنّا نظن أننا ندافع عن الحق حين كنا في الحقيقة ندافع عن غرور الانتماء وأوهام الحشد وراحة اليقين الجاهز. وكان الشعب من حولنا يقول كلمته بصوت لا يمكن تكعيبه، ولا رسمه بالفوتوشوب، ولا إسكاته بالهتاف أو بالحسابات الرياضية المُلفّقة.
لقد عشت 30 يونيو، بكل تفاصيله، لكنني لم أره في حينه. رأيته لاحقًا… حين خرجت من ذلك الإطار الضيق، ونظرت إلى المشهد من خارجه
وهنا فقط، أدركت أن أخطر ما يمكن أن يواجه الإنسان ليس أن يُضلل، بل أن يقتنع أنه يرى الحقيقة كاملة، بينما هو في الواقع لا يرى سوى جزءٍ منها
كان الشعب يقول: لقد رأينا، وفهمنا، وقررنا. أما نحن فكنّا لا نزال نُكمل بناء الجدران!!














0 تعليق