"مائتا عام دبلوماسية: كلمة الرئيس وقراءة في مدرسة الحكمة المصرية"

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

حين كتب فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي على صفحته الرسمية بمناسبة مرور مائتي عام على بداية الدبلوماسية المصرية: "أتقدم بالتهنئة لأبناء وزارة الخارجية نساء ورجالًا الذين عملوا على مدار الأجيال المتعاقبة بكل إخلاص وكفاءة في أداء رسالتهم السامية..."، فهو لم يقدم مجرد تهنئة. لقد وثّق شهادة دولة، وحدد هوية، ورسم بوصلة لمستقبل العلاقات الدولية المصرية.

في ذكرى تأسيس "ديوان المكاتبات الأجنبية" عام 1826 على يد محمد علي باشا، تتوقف مصر ليس للاحتفال فقط، بل للقراءة. قراءة تاريخ طويل، وكلمة رئاسية مركزة، ومدرسة دبلوماسية صنعت فارقًا في تاريخ المنطقة والعالم.

بدأ الرئيس بتوصيف دقيق: "نساء ورجالًا". إشارة عابرة لكنها عميقة. الدبلوماسية المصرية لم تكن يومًا حكرًا على الرجال. من عائشة راتب أول سفيرة عربية، إلى السفيرات المصريات اليوم في أصعب العواصم، كانت المرأة المصرية حاضرة في صناعة القرار الخارجي.

ثم جاء التوصيف الأهم: "رسالتهم السامية". الرئيس رفع المهمة من مستوى "الوظيفة" إلى مستوى "العقيدة". الدبلوماسي المصري ليس موظفًا ينقل برقية. هو حارس للسيادة، ومترجم للهوية، وصانع للتوازن. هو "جندي الظل" الذي لا يظهر في الصورة، لكن بصمته هي التي تحدد شكل الخريطة النهائية.

هذه الجملة رسالة تحفيز مباشرة للأجيال الجديدة في المعهد الدبلوماسي: تضحياتكم متشافة، وسهركم في سفارات نائية مقدر، وصبركم على مفاوضات تمتد 18 ساعة هو صبر أمة، لا صبر فرد.

"نتذكر بكل إجلال أعلام الدبلوماسية المصرية أصحاب البصمات المشهودة في المواقف الصعبة". لم يختر الرئيس كلمة "العادية" أو "الروتينية". اختار "الصعبة" عن قصد. لأن تاريخ 200 سنة دبلوماسية مصرية هو تاريخ امتحانات متكررة للدولة المصرية.

1826-1952: دبلوماسية المقاومة. من مفاوضات الجلاء، إلى معركة إلغاء الامتيازات الأجنبية، إلى انتزاع الاستقلال خطوة خطوة. كان الدبلوماسي المصري وقتها يفاوض وهو تحت الاحتلال، فيلعب على تناقضات القوى الكبرى بذكاء "ابن البلد".

1952-2011: دبلوماسية الزعامة. مصر عبد الناصر والسادات ومبارك كانت "كعبة" التحرر الوطني. من تأميم القناة، إلى معاهدة السلام، إلى قيادة عدم الانحياز. الدبلوماسية المصرية هنا لم تعد تدافع عن نفسها فقط، بل عن قضايا القارة كلها.

2011-2026: دبلوماسية استعادة الدولة. بعد سنوات الفوضى، عادت مصر لتثبت أن "القوة الناعمة" هي سلاحها الأول. ملف سد النهضة، وساطات غزة المتكررة، ملف ليبيا، ملف السودان، ملف البحر المتوسط. في كل ملف، كان الدبلوماسي المصري يدخل القاعة وهو يحمل 3 أوراق: القانون الدولي، المصلحة الوطنية، والتاريخ.

في كل "موقف صعب"، كان قلم الدبلوماسي المصري هو خط الدفاع الأول، قبل البندقية، وبعدها.

ختم الرئيس كلمته بثلاثية هي دستور الدبلوماسية المصرية الحديثة: "الاستمرار في إعلاء كلمة الحق، ونشر السلام، والتمسك بالقيم الأصيلة".
الدبلوماسي المصري لم يكن يومًا "بريدًا". لم ينقل الرسائل بحياد بارد. كان صاحب موقف. دافع عن فلسطين في كل المحافل، ودافع عن وحدة نهر النيل، ودافع عن استقرار الإقليم حتى لو خالف التيار العالمي. لأن "الحق" في المدرسة المصرية ليس نسبيًا يتغير بالضغط، بل ثابت يتغير الضغط أمامه.
من اتفاقية كامب ديفيد 1979 التي غيرت خريطة المنطقة، إلى وساطات وقف إطلاق النار في غزة خلال أيام، إلى استضافة القاهرة لمفاوضات السودان وليبيا واليمن. مصر أثبتت أن قوتها لا تكمن في الحرب فقط، بل في قدرتها على إنهائها. الدبلوماسية المصرية لا تبيع الأوهام، بل تصنع التسويات التي تحفظ الدماء وتحفظ الدول.

في عالم العلاقات الدولية المتوحش، حيث تتبدل المبادئ بتغريدات، ظلت مصر متمسكة بثوابتها: احترام السيادة، عدم التدخل في الشئون الداخلية، التوازن العاقل بين الشرق والغرب، رفض الإملاءات. لم تساوم على مبادئها، فكسبت احترام خصومها قبل أصدقائها. وهذا هو سر "القبول المصري" في كل العواصم.

تغيرت الأدوات. من البرقية المشفرة إلى الدبلوماسية الرقمية، من قاعة المؤتمرات إلى "منصات إكس". لكن كلمة الرئيس تقول إن الثوابت لا تتغير. الدبلوماسية اليوم تواجه تحديات جديدة: حروب الجيل الخامس، الذكاء الاصطناعي، حرب المعلومات، تغير المناخ.

طالما هناك دبلوماسي مصري مؤمن بـ "رسالته السامية"، برغم ذلك فصوت مصر سيظل هو صوت الحكمة والاتزان. صوت الدولة التي عمرها آلاف السنين، فلا يخيفها ضجيج السنتين.

تحية تقدير لكل أبناء وزارة الخارجية. للسفير في عاصمة بعيدة، وللموظفة التي تصوغ البيان في كلمة واحدة، وللمترجم الذي ينقل روح مصر قبل أن ينقل لغتها. استمروا في حمل الأمانة، فأنتم سفراء التاريخ، وحراس المستقبل، وعنوان مصر الذي يقرأه العالم قبل أن يقرأ أي شيء آخر.

مصر كانت منارة للحكمة.. ومازالت.. وستظل.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق