كانت الفترة التى تولت فيها جماعة الإخوان حكم مصر، من يونيو ٢٠١٢ وحتى يونيو ٢٠١٣، واحدة من أسوأ الفترات التى مرت فى تاريخ مصر الحديث، فى ظل ما شهدته من انهيار مؤسسى شامل، وأزمات متتالية، ومحاولات مستمرة للسيطرة على مؤسسات الدولة وأخونتها، مع استغلال الدين لتخوين وتكفير وإقصاء المعارضين، فضلًا عن الفشل الكامل فى توفير الخدمات الأساسية للمواطنين.
ومع مرور نحو ١٣ عامًا على ثورة ٣٠ يونيو، بما مثلته من تتويج لحالة غضب شعبى واسع، ورفض من المصريين لمحاولة اختطاف الدولة المصرية وتغيير هويتها الوطنية، فإن الأجيال الجديدة، التى لم تحضر هذه الأيام، تستحق إلقاء بعض الضوء على أسباب هذه الثورة، مع بيان بعض المحطات المهمة التى عاشها المصريون خلال العام الأسود من حكم الجماعة، والذى عرّض الأمن القومى لمصر لمخاطر لا حصر لها، وكاد يودى بالوطن لمصير مجهول وكهف مظلم لا يعلم مداه إلا الله.
حصار «الدستورية العليا».. ترويع الإعلاميين.. والسعى لأخونة الدولة
مع تولى جماعة الإخوان الحكم فى يونيو ٢٠١٢، برز توجه واضح نحو إعادة تشكيل المشهد الإدارى والسياسى للدولة المصرية، بما يخدم رؤية الجماعة ونفوذها، عبر الدفع بعناصر محسوبة عليها إلى مواقع مؤثرة داخل مؤسسات الحكم والإدارة، ما أثار مخاوف واسعة بشأن تغليب الانتماء التنظيمى على معايير الكفاءة والانتماء الوطنى.
وخلال فترة قصيرة، وبغض النظر عن الكفاءات والخبرات المطلوبة لشغل المناصب القيادية، شهدت دوائر صنع القرار توسعًا ملحوظًا فى وجود شخصيات مرتبطة بالجماعة، سواء داخل مؤسسة الرئاسة أو فى عدد من المواقع التنفيذية الحساسة، وضمت مؤسسة الرئاسة آنذاك شخصيات بارزة ذات صلات تنظيمية مباشرة بالجماعة ومكتب الإرشاد، من بينها المتحدث الرئاسى ياسر على، ومساعد الرئيس للعلاقات الخارجية عصام الحداد، ومدير مكتب الرئيس أحمد عبدالعاطى، إلى جانب عدد من المستشارين والمسئولين المقربين من الجماعة.
وامتدت محاولات إعادة تشكيل مؤسسات الدولة إلى السلطة القضائية، وشهدت تلك الفترة أزمات متلاحقة بين الجماعة والقضاة، كان أبرزها إنهاء ولاية المستشار عبدالمجيد محمود من منصب النائب العام، وتعيين المستشار طلعت عبدالله خلفًا له، فى خطوة أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط القانونية والقضائية.
وفى السياق ذاته، طُرحت تعديلات على قانون السلطة القضائية، تضمنت خفض سن تقاعد القضاة، ما كان سيؤدى إلى خروج آلاف القضاة من الخدمة، الأمر الذى اعتبره كثيرون محاولة لإعادة هندسة المشهد القضائى وإفساح المجال أمام عناصر جديدة أكثر قربًا من توجهات الجماعة.
كما فرضت جماعة الإخوان حصارًا، نفذه المئات من عناصرها، حول المحكمة الدستورية العليا، فلم يتمكن مستشاروها من الحضور إلى مقر المحكمة، الأمر الذى دفعهم إلى إرجاء النظر فى الدعاوى المتعلقة ببطلان مجلس الشورى، والجمعية التأسيسية للدستور آنذاك.
وأيضًا، كانت السيطرة على المؤسسات الإعلامية وأخونتها على رأس أجندة الجماعة الإرهابية، من خلال إنشاء العديد من القنوات الدينية المتشددة لبث أفكارها المتطرفة والإرهابية تحت ستار الدين، وفرض الخناق على النوافذ الإعلامية التى تعارض الجماعة وأنصارها.
وكان من أبرز الأحداث التى شهدتها فترة حكم الإخوان، محاصرة أنصار الجماعة مبنى مدينة الإنتاج الإعلامى ومنع العديد من الإعلاميين من الوصول إلى قنواتهم، وإغلاقهم أبواب المدينة فى ٦ أكتوبر ٢٠١٢ بحواجز حديدية، مع منع دخول وخروج العاملين وضيوف البرامج.
كما دعت الجماعة أنصارها، عبر مواقع التواصل الاجتماعى، إلى اقتحام مدينة الإنتاج وتحطيم المعدات فى القنوات المناوئة لها.
وحول طبيعة ما حدث فى تلك الفترة، أوضح طارق فهمى، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن جماعة الإخوان سعت إلى تعزيز نفوذها داخل مؤسسات الدولة، كما حاولت إنشاء هياكل ودوائر موازية لبعض الأجهزة الرسمية، إلا أن مؤسسات الدولة الوطنية أظهرت قدرًا كبيرًا من التماسك والقدرة على مواجهة تلك التحديات، ما أسهم فى الحفاظ على استقرار الدولة خلال مرحلة شديدة التعقيد.
وقال «فهمى» إن الجماعة حاولت أكثر من مرة توسيع حضورها داخل مؤسسات الدولة المختلفة، غير أن تلك المساعى واجهت عقبات كبيرة، نتيجة قوة المؤسسات الوطنية وتمسكها بأدوارها الدستورية والمهنية.
وأكد أن أجهزة الدولة المصرية نجحت فى الحفاظ على بنيتها المؤسسية واستمرار عملها بصورة طبيعية رغم الضغوط التى تعرضت لها، مشيرًا إلى أن هذا التماسك لعب دورًا مهمًا فى إحباط محاولات التأثير على طبيعة هذه المؤسسات أو إيجاد بدائل موازية لها.
وفى الإطار نفسه، أكد رضا فرحات، أستاذ العلوم السياسية ونائب رئيس حزب «المؤتمر»، أن فترة حكم الإخوان اتسمت بتصاعد الاستقطاب السياسى والاجتماعى، فى ظل محاولات متواصلة لتعزيز وجود التنظيم داخل أجهزة الدولة ومؤسساتها المختلفة، بما انعكس على حالة التوافق الوطنى والاستقرار المجتمعى.
وأوضح «فرحات» أن الجماعة لم تتبنَّ مفهوم الدولة الوطنية الحديثة بصورته المتعارف عليها، بل سعت إلى توظيف السلطة لتحقيق أهداف تنظيمية وفكرية، وهو ما انعكس فى طبيعة علاقتها بعدد من مؤسسات الدولة، وفى مقدمتها المؤسسة العسكرية.
«الإعلان الدستورى» لـ«تحصين» قرارات الرئيس الإخوانى
فى نوفمبر ٢٠١٢، أصدر الرئيس الإخوانى محمد مرسى إعلانًا دستوريًا أثار موجة واسعة من الغضب والرفض، بعد أن منح نفسه صلاحيات استثنائية غير مسبوقة، ونص إعلانه على أن تكون قراراته «السابقة واللاحقة» محصنة من أى طعن قضائى، فى مشهد يضمن له الانفراد الكامل بالسلطة والتغول على كل السلطات والمؤسسات والمرجعيات القانونية المنظمة لعمل الدولة الحديثة.
وتضمن «إعلان مرسى» أيضًا منع أى جهة قضائية من حل مجلس الشورى أو الجمعية التأسيسية، المكلفة وقتها بصياغة الدستور، والتى رأى كثيرون أنها ذات هوى إخوانى، إضافة إلى منح الرئيس سلطة مباشرة فى تعيين النائب العام، وهى خطوة اعتبرها كثيرون محاولة للسيطرة على مؤسسات الدولة وإضعاف مبدأ الفصل بين السلطات.
وحول تلك القرارات، قال ناجى الشهابى، رئيس حزب «الجيل»، إن الإعلان الدستورى لـ«مرسى» شكّل نقطة تحوّل مهمة من سلطة انتقالية إلى سلطة ذات طابع استبدادى دينى، موضحًا أن الشعب خرج آنذاك لأول مرة يهتف ضد حكم الجماعة ويطالب بإسقاطه.
وأشار «الشهابى» إلى أن الأمر لم يكن مجرد إجراء دستورى مثير للجدل، بل كان محاولة صريحة للانفراد بالسلطة وإخضاع مؤسسات الدولة لإرادة الجماعة، بعد أن حصّن الرئيس الإخوانى قراراته من أى رقابة قضائية، ما اعتُبر انتهاكًا صارخًا لاستقلال القضاء وللمبدأ الأساسى فى أى دولة ديمقراطية حديثة، وهو الفصل بين السلطات.
وأكد أن العبث بالدستور وفرض لجنة تأسيسية غير توافقية لصياغة دستور مثير للجدل أسهم فى توسيع الهوة بين السلطة والشعب، وكشف عن عدم رغبة الجماعة فى بناء دولة مدنية حديثة، بل إنشاء كيان دينى مغلق ومحدد الهوية.
وأوضح «الشهابى» أن الإخوان سَعوا إلى فرض تصورهم الأحادى للدين والسياسة على المجتمع، مشيرًا إلى أن ذلك تضمن حملة منظمة للتخوين والتكفير ضد الإعلام والفن والنخب السياسية، وحتى المواطن العادى المخالف لهم، مع ظهور دعوات لإلغاء الفن وتحريم السياحة وتكفير المعارضين، ما أثر بشكل كبير على وعى المصريين ودفعهم إلى رفض المشروع السياسى بأكمله.
الاعتداء على المواطنين أمام مقرات الجماعة وضربهم فى محيط القصر الرئاسى
فى أعقاب الإعلان الدستورى، الصادر فى نوفمبر ٢٠١٢، شهد محيط قصر الاتحادية فى ديسمبر من العام نفسه احتجاجات واسعة، شارك فيها آلاف المصريين، اعتراضًا على سياسات الرئيس الإخوانى محمد مرسى وجماعته.
ومع تصاعد حدة التوتر، خرج أعضاء وأنصار الجماعة الإرهابية للاعتداء على المصريين الرافضين للإعلان الدستورى، من خلال أعمال عنف دامية، مع احتجاز عدد من المحتجين واستجوابهم داخل محيط القصر الرئاسى، مع تعرض بعضهم للاعتداء.
كما أسفرت تلك الأحداث عن سقوط شهداء من المصريين الرافضين للإعلان الدستورى ومئات المصابين، وسط اتهامات وجهتها قوى سياسية ومنظمات حقوقية للسلطة آنذاك بعدم اتخاذ الإجراءات الكافية لاحتواء الأزمة ومنع تصاعد أعمال العنف.
وفى مارس ٢٠١٣، تجددت المواجهات أمام المقر الرئيسى لجماعة الإخوان بالمقطم، حيث شهدت المنطقة اشتباكات عنيفة واعتداءات من جانب عناصر الجماعة الإرهابية على المصريين، وتدرجت أعمال العنف من التراشق بالحجارة واستخدام زجاجات المولوتوف إلى إطلاق أعيرة نارية، ما أسفر عن سقوط شهداء ومصابين، مما زاد من حالة الاحتقان السياسى التى كانت تشهدها البلاد خلال تلك الفترة.
العفو عن الإرهابيين واستقبال الآلاف منهم فى سيناء تمهيدًا لفصلها عن الدولة
شهد العام الأسود الذى تولت فيه الجماعة الإرهابية حكم مصر إصدار محمد مرسى عدة قرارات بالعفو الرئاسى شملت مئات السجناء والمتهمين فى قضايا مختلفة، من بينها قضايا مرتبطة بالعنف والانتماء إلى تنظيمات متطرفة.
وضمت قرارات العفو آلاف المحكوم عليهم، بمن فيهم أشخاص متهمون فى قضايا إرهاب وقتل وحيازة أسلحة، الأمر الذى أثار جدلًا واسعًا، خاصة بعد تورط بعض المفرج عنهم لاحقًا فى أعمال عنف جديدة وأنشطة إرهابية.
كما قامت الجماعة بتوسيع التواصل مع التنظيمات الإرهابية والمتطرفة، حيث رصدت الأجهزة الأمنية دخول نحو ثلاثة آلاف «جهادى» إلى الأراضى المصرية، خصوصًا فى سيناء، من العائدين من أفغانستان، فى الوقت الذى تجاهل فيه الرئيس المعزول التحذيرات الأمنية بشأن خطورتهم وتهديدهم الأمن العام فى حال تنفيذ قرارات العفو.
وتجلى التنسيق بين الجماعة وهذه التنظيمات الإرهابية بشكل واضح فى حادث اختطاف سبعة من جنود الجيش والشرطة فى العريش خلال مايو ٢٠١٣، حيث أصدر مرسى بيانًا رئاسيًا دعا فيه القوات المسلحة إلى مراعاة سلامة الخاطفين والمخطوفين أثناء عمليات البحث والتحرير.
وأسهمت سياسات الجماعة الإرهابية وقرارات الإفراج عن عناصر متطرفة فى تعزيز نشاط التنظيمات الإرهابية داخل سيناء، التى شهدت خلال تلك الفترة تصاعدًا خطيرًا فى العمليات الإرهابية ضد القوات المسلحة والشرطة.
ومن أبرز تلك الجرائم الهجوم الإرهابى فى رفح خلال أغسطس ٢٠١٢، والذى أسفر عن استشهاد ١٦ جنديًا أثناء تناولهم الإفطار فى شهر رمضان.
وقد تعاون الإخوان مع قيادات من حماس وداعش لتحويل سيناء لإمارة يسيطر عليها من يسمون أنفسهم «جهاديين» من القادمين من غزة وسوريا وليبيا وغيرها، لضمان الدعم الغربى وضمان مساندة التكفيريين المسلحين لها فى مواجهة الأجهزة الأمنية.
وكشف العديد من التقارير واعترافات أعضاء الجماعة عن خطتهم التى استهدفت إشعال الوضع فى شمال سيناء وبدء تحريك العناصر المدربة والتشكيلات القتالية، التى تكونت على مدار السنوات التى سبقت الأحداث لضرب مديريات وأقسام الشرطة هناك وعزل سيناء تمامًا عن الدولة، على أن يتم فى مرحلة تالية شن عمليات ضد إسرائيل منها، لكى تضطر الأخيرة للتدخل والدفاع عن نفسها والدخول لسيناء ونشوب أزمة كبيرة بين البلدين، وربما قد تصل لمواجهة عسكرية متبادلة، وهو ما فطن له مسئولو الدولة المصرية.
كما كشفت تصريحات الرئيس الفلسطينى محمود عباس أبومازن عن مخطط الإخوان، حيث أكد تلقيه عرضًا من محمد مرسى بالحصول على قطعة من سيناء لتوطين الفلسطينيين بها، إلا أنه رفض هذا الأمر.
وأضاف أن هذا مشروع إسرائيلى أطلق عليه اسم «جيورا آيلاند» بهدف تصفية القضية الفلسطينية تمامًا، مؤكدًا أنه رفض المشروع، وأبلغ محمد مرسى بذلك، وقال له إن الفلسطينيين لن يقبلوا بذلك، ولن يتركوا أرضهم، ولن يعيشوا على أراضى الغير.
اتخاذ القرارات السيادية فى مكتب الإرشاد.. وإهانة احتفالات أكتوبر باستضافة «قتلة السادات»
فى واقعة صادمة، شهدت احتفالات ذكرى انتصارات أكتوبر ٢٠١٢ حضور عدد من الشخصيات الذين سبق سجنهم سنوات طويلة بعد التورط فى عدد من العمليات الإرهابية الدامية، ومن بينهم عاصم عبدالماجد وطارق الزمر وعبود الزمر، الذين ارتبطت أسماؤهم باغتيال الرئيس الراحل محمد أنور السادات.
وأدى المشهد إلى موجة غضب شعبى واسعة، خاصة من جانب أسرة الرئيس الراحل أنور السادات، وقطاعات كبيرة من المواطنين، الذين اعتبروا أن استضافة هؤلاء تمثل إهانة واضحة للرمزية الوطنية للمناسبة.
وعرفت فترة حكم الإخوان تكرار حضور قيادات من التنظيمات المتشددة إلى القصر الرئاسى، حيث عقدت لقاءات مستمرة مع قيادات تنظيمات «الجماعة الإسلامية» و«الجهاد الإسلامى»، وغيرهما من التنظيمات الأخرى المتطرفة، ما أثار مخاوف بشأن تأثير هذه الجهات على صياغة السياسات الرسمية.
وشهدت تلك الفترة، أيضًا، تزايدًا فى حجم النفوذ الذى كان يمارسه مكتب الإرشاد فى عملية اتخاذ القرار داخل الدولة، إذ كانت اجتماعات القصر الرئاسى تتضمن حضور عدد من قيادات الجماعة، رغم كونهم غير ذى صفة فى إدارة الدولة، حتى إن بعض القرارات الكبرى، بما فى ذلك التعديلات الوزارية وتنقلات المحافظين، أصبحت تمر عبر مكتب الإرشاد قبل الإعلان عنها رسميًا.
تكفير المعارضين وتصويرهم باعتبارهم أعداءً للدين
اعتمدت الجماعة خطابًا سياسيًا قائمًا على التخوين والتكفير، حيث تم تصوير المعارضين باعتبارهم أعداء للدين أو خصومًا للمشروع الإسلامى.
وقبل ثورة ٣٠ يونيو، صدرت تصريحات من عدد من الدعاة المحسوبين على الجماعة والتيارات المتحالفة معها اعتبرت المشاركين فى المظاهرات خصومًا للدين.
من جانبه، قال النائب أيمن محسب، عضو مجلس النواب، إن أخطر ما مارسته الجماعة الإرهابية خلال فترة حكمها القصيرة كان استخدام الخطاب الدينى لتكفير المعارضين وتخوين المختلفين، فى محاولة لخلق حالة من الاستقطاب الحاد داخل المجتمع، وهو ما تسبب فى تصدع اللحمة الوطنية.
وأشار إلى أن الجماعة لم تكن تمارس السياسة كقوة مدنية، وإنما تعاملت مع الحكم باعتباره غنيمة، وسعت لتحويل مصر إلى ولاية تابعة لمخطط دولى يستهدف ضرب استقرار المنطقة بأكملها.
وأكد أن الجماعة حاولت، منذ اللحظة الأولى لتوليها الحكم، أن تُخضع مؤسسات الدولة لمنهجها وأفكارها، عبر سياسة الإقصاء وتهميش الكفاءات الوطنية، والدفع بأتباعها إلى مواقع اتخاذ القرار، مشيرًا إلى أن هناك وثائق وشهادات كثيرة تثبت سعى الجماعة للسيطرة على مفاصل الدولة وتفكيك مؤسساتها، خاصة فى قطاعات الإعلام والقضاء والتعليم، من أجل تنفيذ أجندتها المشبوهة المرتبطة بمشروع «التمكين» وليس الإصلاح، كما كانت تزعم.
فضيحة اجتماع سد النهضة: تهديد الأمن القومى على الهواء
جاء الاجتماع الذى عقده محمد مرسى مع عدد من القيادات والسياسيين المحسوبين على الجماعة الإرهابية لمناقشة أزمة سد النهضة الإثيوبى فى يونيو ٢٠١٣ واحدًا من أكثر المشاهد التى تدل على فشل الجماعة، بعدما تحول من اجتماع كان يفترض أن يكون مغلقًا لمناقشة قضية تتعلق بالأمن القومى المصرى إلى جلسة بُثت تفاصيلها على الهواء مباشرة دون علم عدد من المشاركين.
وجاء الاجتماع فى توقيت بالغ الحساسية، عقب إعلان إثيوبيا عن بدء تحويل مجرى النيل الأزرق تمهيدًا لاستكمال إنشاء سد النهضة، ما أثار مخاوف واسعة بشأن مستقبل الأمن المائى المصرى، وكان الهدف من اللقاء مناقشة سبل التعامل مع الأزمة والخيارات المتاحة أمام الدولة المصرية للحفاظ على حقوقها التاريخية فى مياه النيل.
إلا أن المفاجأة تمثلت فى إذاعة وقائع الاجتماع مباشرة عبر وسائل الإعلام، بينما كان عدد من الحاضرين يعتقدون أن الجلسة مغلقة وغير منقولة على الهواء، وخلال النقاش طُرحت مقترحات وتصريحات شديدة الحساسية، من بينها الحديث عن دعم قوى معارضة داخل إثيوبيا أو اللجوء إلى خيارات تصعيدية للتعامل مع الأزمة.
وأثارت الواقعة انتقادات واسعة داخل مصر وخارجها، ما يمثل إخفاقًا فى إدارة أحد أهم ملفات الأمن القومى المصرى، لما تضمنته من كشف علنى لنقاشات كان يفترض أن تبقى داخل دوائر صنع القرار، فضلًا عن الرسائل السلبية التى وصلت إلى الجانب الإثيوبى والمجتمع الدولى.
وأضر هذا الاجتماع بالموقف التفاوضى المصرى، وأظهر حالة من الارتباك فى إدارة الملف، خاصة أن بعض الطروحات التى تم تداولها علنًا كانت كفيلة بإثارة حساسيات إقليمية ودبلوماسية لا تخدم المصالح المصرية.
كما كشفت الواقعة عن غياب التنسيق بين مؤسسات الدولة المعنية بملف المياه والسياسة الخارجية، وعدم وجود رؤية واضحة للتعامل مع التحديات المرتبطة بسد النهضة، ما انعكس على الأداء الرسمى خلال تلك المرحلة.
وأمام حجم الانتقادات، اضطرت مؤسسة الرئاسة إلى الاعتذار عما وصفته بـ«الخطأ غير المقصود»، إلا أن الواقعة ظلت شاهدة على حالة الارتباك وسوء إدارة الملفات الاستراتيجية خلال تلك الفترة.
التخابر مع جهات أجنبية: مصالح التنظيم أهم من الدولة
لم تتوقف الاتهامات الموجهة إلى قيادات جماعة الإخوان عند حدود الفشل السياسى أو السعى للسيطرة على مؤسسات الدولة، بل امتدت إلى اتهامات تتعلق بالأمن القومى المصرى والتخابر مع جهات أجنبية، وهى القضايا التى شغلت الرأى العام لسنوات طويلة. فقد نظرت المحاكم عددًا من القضايا التى اتُهم فيها قيادات بارزة بالجماعة بالتخابر مع منظمات ودول أجنبية، وتسريب معلومات ووثائق تتعلق بالأمن القومى المصرى، والتنسيق مع جهات خارجية لتحقيق أهداف تخدم مصالح التنظيم على حساب مصالح الدولة المصرية.
وأصدرت المحاكم أحكامًا بحق عدد من المتهمين فى تلك القضايا بعد سنوات من التحقيقات والمرافعات القضائية، فى ملفات من أخطر القضايا التى واجهتها الدولة المصرية، لما تضمنته من اتهامات تتعلق بالتواصل مع جهات خارجية والعمل على الإضرار بالمصالح الوطنية.
وكشفت هذه القضايا عن جانب خطير من طبيعة العلاقة التى ربطت الجماعة ببعض القوى والتنظيمات الخارجية، ورسخت المخاوف من تقديم مصالح التنظيم الدولى للإخوان على حساب مصالح الدولة المصرية وأمنها القومى.
ومع توالى الأحكام القضائية وما كشفته التحقيقات من وقائع ومراسلات واتصالات، تعززت لدى قطاعات كبيرة من الشعب قناعة بأن الجماعة لم تكن تعمل بمنطق الدولة الوطنية، وإنما بمنطق التنظيم العابر للحدود، ما مثّل أحد الأسباب الرئيسية التى دفعت المصريين إلى رفض استمرارها فى الحكم والخروج بالملايين فى ثورة ٣٠ يونيو دفاعًا عن الدولة المصرية.
فشل إدارة الملفات الداخلية: طوابير على الوقود والأنابيب
عاش المصريون طوال عام حكم جماعة الإخوان الإرهابية، بدءًا من صعود محمد مرسى إلى السلطة فى ٢٠١٢، سلسلة من الأزمات الاقتصادية والخدمية، التى أثرت بشكل مباشر على حياتهم اليومية، وأظهرت هشاشة إدارة الدولة خلال تلك الفترة، فقد شهد المواطنون نقصًا حادًا فى أنابيب الغاز والبنزين، وانقطاعًا متكررًا للتيار الكهربائى، فيما أصبحت أزمة الوقود واحدة من أكبر الأزمات التى شهدتها مصر فى تلك المرحلة. وخلال الأشهر الأخيرة من حكم مرسى، تصاعدت مشاكل الطاقة بشكل كبير، حيث اصطف المواطنون فى طوابير طويلة أمام محطات البنزين بحثًا عن الوقود، بينما امتدت الطوابير أمام مستودعات أنابيب البوتاجاز لمئات الأمتار دون جدوى، ولم يقتصر الأمر على الشوارع، بل وصلت الأزمة إلى داخل المنازل، مع فترات طويلة لانقطاع الكهرباء تصل أحيانًا إلى يوم كامل فى بعض المناطق.
وازدادت الأزمة تعقيدًا بعدما رفعت الحكومة، آنذاك، سعر أسطوانة الغاز دون توفيرها فعليًا فى الأسواق، ما عمّق إحباط المواطنين وزاد من حدة الاحتقان الشعبى.















0 تعليق