في رسالة مفاجأةٍ خرج بها علينا ترامب، (16يناير2025م)، يطرح فيها وساطته الجادة، هذه المرّة، لحل أزمة سد النهضة الإثيوبي بشكل يضمن حقوق جميع الأطراف بشكل عادل ونهائي. وبعيدًا عن الطرح المباغت هذا، والذي ذهب فيه الجميع كل وُجهةٍ، بين تشكيك وتفاؤل، ودعوة إلى الحذر وأخذ الحيطة من جهةٍ، ومن أخرى إلى قنص تلك الفرصة، إلى غير ذلك من رؤى ووُجهات، وكلها لا شك له منطق واعتبار إلا أنني، وفضلًا عن ذلك، شغلتني لغة ترامب، ومفرداته التي راح يستعملها ويتحدث بها عن قصدٍ وإلحاح خلال حديثه عن النيل العظيم، أطول أنهار الدنيا، عندما وصفه نصًّا، في لقاء له: " نهر صغير يُسمى النيل". وعند حديثه عن السدّ، وفي كل مرّة يصفه، بالعملاق، وبالصخم، وأكبر سدّ في العالم، وبأكبر سدود العالم إلى غير ذلك من أوصافٍ يُسبغها قصدًا على هذا السدّ، في مقابل التهوين من شأن نهر النيل نفسه جُملةً بوصفه صغيرًا. لكن ربما تكون الإجابة عن سؤال مفاده: لماذا يهوّل من السدّ ويهوّن في الوقت نفسه من النيل العظيم؟! ربما تكون الإجابة، وما يرمي إليه، من حديثه هو؛ أن أزمة السّد صغيرة صِغرُ حجم النّيل، على أهميته لمصر، وقد ذكر أنها تُعرف به وأهراماتها، وأنه يمكنه حلّها هكذا بأمرٍ مباشر، إن اتفقنا. بينما السدّ فهو عملاق، وأكبر سدّ في العالم، ولا يمكن بلوغه أو تجاوزه، وأنه ماضٍ فيما هو مخططٌ له. ولمَ لا؟! فقد موّلته أمريكا، والتي لولاها لما كان هذا البناء العملاق، الأكبر في العالم، كحال مموّله العملاق الأكبر في العالم. ومن ثمّ فإن حلّ أزمة هذا السّدّ العملاق لن تكون إلا عبر مموّله العملاق حصرًا. ثم، يتساءل قصدًا، وفي كل حديثٍ له عن تلك الأزمة: لقد موّلته أمريكا ولا أدري لماذا؟! لتكون الإجابة: من أجل هذا اللحظة الإستراتيجية الراهنة. المساومة ربما؛ فالواقع الحاصل للتحركات المصرية الهادئة والرادعة في آنٍ، تارةِ في غزةٍ بِلاءاتِها الصُّلبة، وأخرى واقعة في منطقة القرن الإفريقي، وثالثة بحصارها الهادئ لإثيوبيا، ورابعة في إفريقيا ككل، هو ما دفعه رغمًا عنه، وعن إدارته، ومراكز أبحاثه، إلى هذا الطرح المباغت قبل أن تنفلت من بين يديه الأمور، وحبّات العقد إلى غير رجعةٍ. لندرك، وفي الأخير، الأهمية الإستراتيجية لأمريكا من تمويلها لهذا السدّ؛ وربما من قبلُ تخطيطًا، فالحِدأةُ لا ترمي بالكتاكيت، فما بالك بأمريكا، وملياراتها؟! ويمضي ترامب في لُعبته المقصودة تلك؛ ففي معرض وصفه، وقد أفاض، للرئيس السيسي بالقائد القوي خلال لقائهما على هامش مؤتمر دافوس(2026م) نراه يستدرك واصفًا أبي أحمد بالوصف نفسه. وكأني بترامب هنا ينطبق عليه المثل الشعبي الدارج: (يضرب ويلاقي)، لكن على مين؟!
ولعله، ومن المناسب لي هنا وأنا أتناول لغة ترامب عامةً، ومفرادته التي يستعملها، وأؤكد أنها عن قصدٍ دون سواه، أن أذكر هنا مقالًا لي كان في (مارس2025م)، بعنوان:" عندما تُغتصَبُ اللغة. لعله من اللافت لي بدايةً على لغة ترامب عامةً خِلوها من أيّة حصافةٍ أو كَياسةٍ أو لَباقةٍ دبلوماسية، وأن الشّطط فيها والغُلوّ من النقيض إلى النقيض تمامًا، وتبعًا لشخصيته المزاجية والتجارية في عقد الصفقات ربحًا وخسارةً، رضًا وسُخطًا، مدحًا وذمًّا، هما السِّمتانِ البارزتانِ عليها. فإذا تجاوزنا لغته المتعجرفة التي يستعملها عند طرحه لأفكاره الشاذة، وتهديده ووعيده يَمنةً ويسرةً إلى لغته التي يستخدمها عندما يتوجه بحديثه إلى شعوب تلك البلدان التي يستهدف أراضيها وثرواتها، وتشتهيها نفسه نلحظ أنه يستعملُ لغةً على النقيضِ منها تمامًا؛ إذ نراه يستعملُ مفرداتٍ وادعة ناعمة حالمة؛ من قبيل: (رائعون، مذهلون، فرص عمل، استثمارات، مليارات، ثراء) إلى غير ذلك. وكأني به أراه ذلك الشيطان الذي يسير ببن الناس بوساوسه وأسافينه ليفسد عليهم علاقاتهم، ومن ثَم حياتهم. وكأني به أراه شيطان الإنس الذي يوقع بين زوج وزوجته، ويدق بينهما إسفينًا ليفسد عليهما حياتهما الهانئة الهادئة السعيدة؛ فيظفر بأحدهما.
فبعد أن هدد بضم غرينلاند بالقوة توجه إلى سكانها قبيل الانتخابات التشريعية التي جرت (11مارس2025م) متغزلًا فيهم، قائلًا: إنهم رائعون. ثم يعدهم بمواصلة الحفاظ على سلامتهم، وباستثمار المليارات من أجل خلق فرص عمل جديدة وجعلهم أثرياء. وهنا لا ينسى أن يدق إسفينًا بدعم حقهم في تقرير مصيرهم. وأوضح أنهم إذا اختاروا الانضمام لبلاده فسيكونون موضع ترحيب كبير، وجزءًا من أعظم أمة في العالم.
يتأمل غزة، وموقعها المتميز فلا يقوى على كبح جماح نفسه أسيرة المال، وغريزته الطامعة دومًا في كل ما في أيدي الآخرين، فيسيل لعابُه لها، قائلًا: (إنه موقع رائع). ثم يتعجب متسائلًا: كيف تخلت عنه إسرائيل؟! لذا نراه يُغري الفلسطينيين بالهجرة وتركهم لها بألفاظٍ ظاهرها رائعة وادعةٍ حالمةٍ وثيرة الفرش، هانئة العيش بينما من قِبلها العذاب كله، والضياع والشتات بلا عودة، أو حتى مجرد أمل في ذلك. ألفاظ من مثل: ريفيرا الشرق، فرص عمل واعدة، مساكن رائعة فاخرة إلى غيرها.
يطوّع مفردات اللغة على غير مدلولها لبلوغ أهدافه؛ فعندما رفض زيلينسكي صفقته التي أراد منها نهب ثروات بلاده الأرضية النادرة طرده من بيته شر طرده، معلنًا أنه لا يريد السلام. فالسلام من وجهة نظره إذن يعني تنازله عن ثروات بلاده له. قائلًا له: عليك العودة عندما تكون مستعدًا للسلام. ليكون إعلانه مجددًا ترحيبه به في بيته الأبيض دليلًا أن صفقة ما قد تمت، وأن سلامه قد تم. وعندما يُتحدث في إلحاحٍ عن ضمّ غرينلاند يذكر أن في ذلك ضمانًا للأمن الدولي. فأيّ أمنٍ مع احتلالٍ بالقوة، ونهبٍ لمقدرات الآخرين؟!
وإذا تركتَ ترامب لتذهب إلى النتنياهو تجده أكثر الناس حديثًا عن السلام رغم أن جر ائمه وفساده في الأرض تملأ الآفاق صخبًا وضجيجًا. ولا تحتاج إلى كثير حديثٍ غير أن اللافت هو حديثه مؤخرًا عن التزامه بحماية إخوانه من دروز سوريا. والواقع يشهد أنه يتخذ من ذلك ذريعةً لاحتلال المزيد من الأراضي السورية، وهو ما تمّ له فعلًا واقعًا. يريد حماية دروز سوريا ويهلك حرثَ ونسلَ جيرانه. ويشبه التزامه التزام أردوغان الفعلي والعملي تجاه ثروات وأراضي إخوانه في كاراباخ وليبيا وإدلب وحلب ولا نجده فعلًا واقعًا تجاه إخوانه في غزة رغم صخبه وضجيجه في ذلك دومًا.
ورغم تلك اللغة المغتَصَبَة إلا أنها أبت أن تكون وسيلة يتبلغ بها أمثالُ هؤلاء اللصوص مرادهم فكانت مفرداتُها الجليّةُ أوضحَ وأبلغ من كلّ زيفٍ وتزوير؛ فكانت مفرداتُ: ( الاحتلال، القتل، التدمير، النهب، السرقة، الرفض، والعودة...) وغيرها هي المعلَنة والمتصدرة؛ فكانت ردّة الفعل أوضح وأبلغ من معسول كلامهم؛ فكان ردّ العديد من سكان غرينلاند - وقد أعمل فيهم الإسفين فعله- أنهم لا يريدون أن يكونوا أميركيين ولا دنماركيين بل غرينلانديين فقط. ويُرغم على وصف رئيس حكومة أونتاريو بالنبيل عندما توعّده بإغراق ولايات أمريكية في ظلامٍ دامس بقطع الكهرباء عنها نتيجة تعريفاته الجمركية والتي تراجع عنها من فوره.
وكذلك في ردّ فعل الصامدين الصابرين المرابطين من أهل غزة على مقترحه ريفيرا الشرق في عودة مهيبة إلى ركام منازلهم في مسيرةٍ ذهل العالم منها أجمع. عودة تمثل صفعة ليست على وجه ترامب وحسب بل على وجه كل محتلٍّ غاصبٍ، عودة لأرض آبائهم وأجدادهم وتاريخهم حتى وإن كانت خرابًا ودمارًا. عودة مقدسة جعلت ترامب يُهيل التراب على رأسه ليعلنها هو الآن مدوية، مردّدًا مع العظيمة مصر: لا للتهجير؛ فيقول نصًّا خلال لقائه برئيس وزراء أيرلندا: " لا أحد يريد طرد أي فلسطينيّ من غزة ". فهل تراه هنا متلاعبًا باللغة مراوغًا بألفاظها؟!".
لنخلص، وفي الأخير، أن مفردات ترامب -وحتى أسلافه- في كل القضايا والملفات التي يتعرّض لها إنما هي مقصودةٌ بعينها وحرفها ومعناها، ومُنتقاةٌ بعنايةٍ في وقتها لِيُتبلّغ بها أهداف بعينها. فهي إذن لا تجري على لسانِه، ولا تَرِدُ في سياق حديثه وثنايا كلامه، هكذا خبط عشواء





