ماذا بعد انهيار النظام العالمي بقيادة الولايات المتحدة؟

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الأحد 23/أغسطس/2026 - 04:12 م 8/23/2026 4:12:19 PM


مع استنزاف الحرب على إيران للمخزونات الحيوية من الصواريخ الاعتراضية الأمريكية، يتزايد تشكيك الحلفاء، في قدرة الولايات المتحدة على خوض حرب متعددة الجبهات.. فمنذ عودة الرئيس دونالد ترامب، إلى منصبه للمرة الثانية، انتاب حلفاء أمريكا قلق بالغ حيال نوايا واشنطن.. والآن، وبعد أن أدت الحرب غير الحاسمة ضد إيران، إلى استنزاف مخزونات الأسلحة الأمريكية، وكشفت عن حدود قوة واشنطن العسكرية، باتوا قلقين بشأن هذه القدرة العسكرية، وراحوا يتساءلون: هل لايزال بإمكان واشنطن الدفاع عن حلفائها إذا أرادت ذلك؟.. وبات السؤال الذي يطرحه المسئولون في عواصم الحلفاء والخصوم على أنفسهم، هو ما إذا كان التراجع الصناعي، والتخبط الاستراتيجي، والخلل السياسي، قد أضعف الولايات المتحدة، إلى درجة أنها لم تعد قادرة على ممارسة قوة حاسمة، في صراع متعدد الجبهات، قد يشمل أوروبا والشرق الأوسط وآسيا.. وهو قلق، يشترك فيه الكثيرون، حتى في واشنطن أيضًا.
من أولئك الذين هم داخل واشنطن، نشر دينيس روس، المساعد الخاص السابق للرئيس باراك أوباما، والمستشار الحالي والزميل المتميز في معهد واشنطن، على موقع المعهد وفي مجلة (تايم)، قبل عام، تقريرًا بعنوان (إليكم السبب وراء عدم كون الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة في العالم)، يقول فيه، إنه على مدى العقود القليلة الماضية، تغير النظام العالمي.. اليوم، لم تعد الولايات المتحدة قوة عظمى أحادية القطب، ولهذا التحول تداعيات خطيرة على من هم داخل حدودها وخارجها، (لطالما كنتُ دارسًا وممارسًا لفن الحكم.. على مدى أربعة عقود، عملتُ مع رؤساء ديمقراطيين وجمهوريين، بما في ذلك منصب رئيس تخطيط السياسات للرئيس جورج بوش الأب، ومبعوثًا خاصًا للرئيس بيل كلينتون، فضلًا عن كوني عضوًا في فريق مجلس الأمن القومي، للرئيسين رونالد ريجان وباراك أوباما).
في عام ٢٠٠٦، ألّف دينيس كتابًا عن فن الحكم، لشرح ما شعر أنه كان غائبًا عن السياسة الخارجية لجورج دبليو بوش.. ينطوي فن الحكم على استخدام جميع الأدوات المتاحة لواشنطن ـ الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية والاستخباراتية والإدارية والمعلوماتية والتنظيمية ـ لتعزيز مصالحها، وردع التهديدات والدفاع عن البلاد.. في ذلك الوقت، شعر أن سياسات بوش، ولا سيما قرار خوض الحرب في العراق، تعكس فهمًا ضئيلًا لما كانت الولايات المتحدة تُقدم عليه، (وقد دفعنا الثمن بحرب باهظة التكاليف، بمكاسب محدودة للغاية، نتيجة لذلك).
يقول، إن من المفارقات في تأليف كتاب جديد عن فن الحكم، بعنوان (فن الحكم 2.0)، أنني تمكنت من تحليل كيف تغير الرئيس بوش خلال ولايته الثانية، لا سيما فيما يتعلق بالعراق.. فعندما قرر غزو بغداد عام 2003، كان الرئيس يعتنق فكرًا جماعيًا استبعد احتمال الفشل.. لم يكن هناك نقاش حقيقي حول إيجابيات وسلبيات الحرب.. وأولئك الذين طرحوا تساؤلات، تم استبعادهم بشكل متزايد من عملية صنع القرار.. ولكن بحلول عام 2007، كانت سياستنا تفشل، وكان العراق ينزلق إلى حرب طائفية.. كان الرئيس بوش هو من طرح تساؤلات جوهرية حول استراتيجيتنا، وحرص مستشاره للأمن القومي، ستيف هادلي، على إجراء مراجعة منهجية لجميع الخيارات.. لم يكن من الممكن أن تكون العمليات أكثر اختلافًا، وكذلك كانت النتائج.. اتخذ بوش قرارًا بزيادة القوات، مما أعاد بعض الأمن للعراقيين، وأوقف العنف الطائفي، وحقق استقرارًا أكبر.
وعلى الرغم من أنه كان من المثير للاهتمام، رؤية كيف طبّقت الإدارة نفسها فن الحكم بفعالية أكبر بكثير في ولايتها الثانية، إلا أن دينيس اختار تأليف كتاب جديد عن فن الحكم، (ليس لمجرد إعادة النظر في التاريخ واستخلاص العبر حول كيفية القيام بذلك على نحو جيد، بل لأن العالم اليوم مختلف تمامًا عن العالم الذي كنت أصفه قبل نحو عشرين عامًا).
في ذلك الوقت، كان العالم أحادي القطب.. كانت القوة الأمريكية طاغية على جميع القوى الأخرى.. لم يكن لدى واشنطن منافسون حقيقيون.. كانت الصين تستخدم المؤسسات التي أنشأتها الولايات المتحدة دوليًا، مثل منظمة التجارة العالمية، لتسريع نموها الاقتصادي، حتى وإن لم تلتزم دائمًا بقواعد التجارة والاستثمار المتبادل.. تسامحت الولايات المتحدة مع انتهاك الصين لتلك القواعد، ويعود ذلك جزئيًا إلى هيمنة الولايات المتحدة الكبيرة على العالم.. لم تكن روسيا تتحدى الولايات المتحدة آنذاك، مع أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أشار في منتدى ميونيخ الأمني ​​عام 2007، إلى ما سيحدث، عندما ندد بفكرة العالم أحادي القطب، وقال، إن الروس وغيرهم لا يمكنهم قبولها.. في ذلك الوقت، لم يُغير تصريحه واقع الهيمنة الأمريكية.
لكن الواقع اليوم مختلف.. فعلى الصعيد الدولي، تواجه واشنطن الصين وروسيا كمنافسين عالميين، حيث تُشكل الصين تحديًا اقتصاديًا وعسكريًا.. وعلى الصعيد الإقليمي، تواجه تحديات من إيران وكوريا الشمالية.. قد تظل أمريكا أقوى قوة في العالم ـ اقتصاديًا وتكنولوجيًا وعسكريًا ـ لكن عليها الآن العمل في عالم متعدد الأقطاب يفرض عليها قيودًا.. وهذه القيود ليست دولية فحسب، بل داخلية أيضًا.. فصعود السياسات الشعبوية والقومية، التي يجسدها الرئيس دونالد ترامب، ونائبه جيه دي فانس، يثير تساؤلات جوهرية، حول دور الولايات المتحدة في العالم.. في عام ٢٠٠٦، كان دينيس يكتب عن أمريكا التي كانت تناقش دورها في العراق، لكنها لا تزال تؤمن بقيادة الولايات المتحدة دوليًا.. وقد أثارت الحروب في العراق وأفغانستان تساؤلات جوهرية حول ثمن دورها في العالم، وقوضت الإجماع على ضرورة قيادة أمريكا.
في ظل هذه البيئة، حيث تُعتبر التكاليف عاملًا حاسمًا بشكل متزايد، قد لا تستمر الولايات المتحدة في دعم أوكرانيا في مواجهة العدوان الروسي المتواصل.. بل قد لا يكون من المُسلّم به بعد الآن، أن تدعم الولايات المتحدة المبدأ الأساسي القائل بأن العدوان خطأ، وأن الدول الكبرى لا يحق لها فرض إرادتها على جيرانها الأصغر.. إذا كانت لا تريد أن يكون هذا هو الحال، وأن تلعب دورًا مُستدامًا على الصعيد الدولي، فعليها أن تتصرف بما يتوافق مع التقاليد الأمريكية، وأن تكون أكثر فعالية في سياستها الخارجية.. الأول، ضروري لكسب تأييد الرأي العام الأمريكي.. أما الثاني، فهو ضروري لمواءمة أهدافها مع وسائلها، وهو جوهر الحكم الرشيد، لا سيما وأن هذا هو السبيل الوحيد لنجاح سياساتها.. لقد كان عدم التوافق بين الأهداف والوسائل سببًا في الإخفاقات وتقويض الإجماع.. وفي عالمٍ مليء بالتحديات الخارجية والتساؤلات الداخلية، لم يعد لديها ترف ممارسة الحكم بشكل سيئ.
في كتابه، يستكشف دينيس تقاليد الولايات المتحدة في السياسة الخارجية، لأنها تُهيئ سياقًا يتخذ فيه الرؤساء قراراتهم وتُسهم في كيفية إدارة شئون الدولة.. يرى دينيس، أن البعض قد يظن أن الرئيس ترامب لا يُجسد كل هذه التقاليد، ولكنه يُمثل أحدها: الأحادية، (تاريخيًا، بررت صورتنا الذاتية الاستثنائية ـ فنحن مُخلصون، أحرار، وقيمنا عالمية ـ نهجين مُختلفين تمامًا تجاه العالم. أحدهما كان سلبيًا، يؤمن بأننا نستطيع أن نكون نموذجًا يُحتذى به لبقية العالم، والآخر كان فاعلًا، يؤمن بضرورة تصدير قيمنا إلى الآخرين.. خلال قرننا الأول، برر الشعور الأمريكي بالاستثنائية، عدم السماح للآخرين بتشويه سمعتنا، وعدم التقيد بالتحالفات، وعدم تقييد حريتنا في العمل.. لم تكن أمريكا انعزالية، بل كانت أحادية.. طوال القرن التاسع عشر، لم تتوانَ الولايات المتحدة عن التدخلات العسكرية لحماية مصالحها التجارية والدولية، حيث حاربت قراصنة البربر في شمال إفريقيا، وأرسلت البحرية لفتح اليابان، ولاحقًا للهجوم في كوريا، ونشرت قوات المارينز في الصين).
مع ذلك، لم تكن تدخلات واشنطن عمومًا، في خدمة التحالفات أو تحقيق غاية أسمى، بل كانت تخدم مصالحها الاقتصادية.. وينطبق هذا النهج على دونالد ترامب، الذي أشار إلى تفوقها مرتين في خطابه الافتتاحي لرئاسته الثانية، في العشرين من يناير قبل الماضي.. لكن تفسيره لهذا التفوق يبرره بحجة، أنه ينبغي أن نكون أحرارًا في فعل ما يخدم مصالح أمريكا المباشرة.. قد لا يصوغ قراراته دائمًا من منظور كون الولايات المتحدة نموذجًا يحتذى به لبقية العالم، لكنه يُظهر بوضوح رغبته في النجاح في السياسة الخارجية، ولذلك ينبغي أن يكون مهتمًا بتحسين إدارة شئون الدولة.
قد يظن المرء أن التوفيق بين الأهداف والوسائل أمرٌ بديهي.. فلماذا تتبع واشنطن سياسةً، لا تملك فيها الوسائل اللازمة لتحقيق أهدافها؟.. الجواب هو، أن الرؤساء الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء، غالبًا ما تبنوا أهدافًا خاطئة.. لماذا؟.. يقول دينيس، إن هناك أسباب عديدة.. (أولًا، غالبًا ما نجهل ما نحن مقبلون عليه.. قرار بوش بتغيير النظام في العراق مثال صارخ على ذلك.. ثانيًا، تدفعنا الضغوط السياسية إلى تبني أهداف خاطئة أو أهداف لسنا مستعدين لبذل الجهود اللازمة لتحقيقها.. كان لدى ليندون جونسون شكوك حول التورط في فيتنام، لكنه خشي العواقب السياسية المترتبة على اتهامه بالتسبب في خسارة فيتنام، كما دفع الديمقراطيون ثمنًا باهظًا لاتهامهم بالتسبب في خسارة الصين.. شعر باراك أوباما، مع تزايد أعداد السوريين الذين يقتلهم النظام السوري، بضغط للتحرك، مما دفعه إلى إعلان فقدان بشار الأسد لشرعيته وضرورة تنحيه، رغم أنه لم يكن لديه خطة عملية لتحقيق ذلك.. ثالثًا، غالبًا ما نتبنى أهدافًا عامة جدًا يصعب تطبيقها عمليًا.. دعا ترامب إلى إنهاء الحربين في أوكرانيا وغزة، وهما هدفان مهمان، لكنهما لن يتحققا من تلقاء نفسيهما.. يمكن للمرء أن يحدد أهدافًا كهذه علنًا، ولكن من المنطقي التفكير مليًا فيما يتطلبه النجاح، وما هي الوسائل التي نمتلكها نحن و/أو الآخرون لتحقيق ذلك).
يكمن الدرس في التفكير مليًا في مصالح الولايات المتحدة، وجدوى الأهداف التي تتبناها.. فكلما زادت مصالحها، زادت الوسائل التي يجب أن تكون مستعدة لاستخدامها لتحقيقها.. كما أن كيفية صياغة هدفها وشرحه أمر بالغ الأهمية، ليس فقط لكسب التأييد المحلي، بل أيضًا لكسب الدعم الدولي.. لم يُعطِ الرئيس ترامب الأولوية لتعزيز العلاقات مع حلفائه، مع أن لديهم وسائل يمكن أن تُعزز قدراته.. وبالمثل، فإن الصياغة الذكية والمبكرة للأهداف يمكن أن تكسب دعمًا دوليًا أكبر لما تسعى إليه واشنطن.
على سبيل المثال.. قضية إيران وبرنامجها النووي.. إذا امتلكت إيران قنبلة نووية، فمن المرجح أن تشعر السعودية ومصر وتركيا بضرورة امتلاك واحدة أيضًا، وستصبح المنطقة التي تتسم بالصراع أكثر خطورة.. ومع ذلك، كان الإيرانيون يقتربون من امتلاك مثل هذا السلاح، من خلال تسريع برنامجهم وتخصيب ثلاثين كيلو جرامًا من اليورانيوم شهريًا إلى 60%، وهي نسبة قريبة جدًا من نسبة التخصيب اللازمة لصنع الأسلحة.. ومع مُراكمة إيران لما يكفي لصنع أكثر من عشرة قنابل من اليورانيوم عالي التخصيب، فإن خطر انتقالها السريع نسبيًا إلى امتلاك قنبلة نووية كان قائمًا بالفعل، وكذلك كان الاعتقاد الإسرائيلي المرجح، بضرورة التحرك عسكريًا ضد إيران قبل حدوث ذلك.
ما هو الهدف الذي كان ينبغي أن يسعى إليه ترامب؟.. لا يكفي منع إيران من إنتاج قنبلة نووية؛ بل يجب أن يكون الهدف منعها من الاحتفاظ بخيار إنتاجها لاحقًا.. ولتحقيق ذلك، كان عليه ممارسة ضغوط على إيران يجدها الإيرانيون ذات مغزى: يجب أن تكون هذه الضغوط سياسية، لأن العزلة أمر يسعى الإيرانيون لتجنبه؛ ويجب أن تكون اقتصادية لكي تشعر إيران بتزايد شعورها بالعزلة؛ ويجب أن تكون عسكرية لكي يدرك الإيرانيون أنهم قد يفقدون بنيتهم ​​التحتية النووية بأكملها، التي استثمروا فيها لما يقرب من أربعين عامًا، إذا فشلت الدبلوماسية.  
كانت إدارة ترامب في حاجة إلى تحديد إطار القضية، وشرح خطورة ما تفعله إيران، وحشد العالم لعزل الإيرانيين، وإثبات وجود خيار للتوصل إلى حل دبلوماسي، يسمح لإيران بامتلاك الطاقة النووية المدنية، شريطة أن تقبلها.. لكن الميل إلى العمل منفردين، تركنا بلا شركاء، وقلل من فرص النجاح دون استخدام القوة، وهو ما فضله الرئيس ترامب بوضوح.. لذا، فإن فن الحكم يكمن في تبني الهدف الصحيح، واستغلال جميع الموارد على أكمل وجه، لحشد الآخرين للانضمام من أجل تحقيقه.. فهل فعلت إدارة ترامب ذلك؟.. كان عليه، إذا أراد ترامب (الفوز)، أن يضمن ذلك.
***
وسط حضور أكثر من عشرين زعيمًا خلال قمة منظمة شنغهاي للتعاون في سبتمبر 2025، أشار الرئيس الصيني شي جين بينج، إلى ظهور بديل للنظام الذي تقوده الولايات المتحدة.. لم يقتصر المؤتمر والعرض العسكري المصاحب له في بكين، على كونه أول اجتماع على الإطلاق لقادة بكين وموسكو وبيونج يانج وطهران، بل كان أيضًا، أول زيارة يقوم بها الرئيس الهندي، ناريندرا مودي، إلى الصين منذ سبع سنوات.. وفي هذه الحالة، اجتمعت مجموعة من القوى الصاعدة، للاعتراض على النظام الذي تقوده الولايات المتحدة.
لم يكن التوقيت مصادفة.. فقد انشغلت إدارة ترامب بتقويض النظام الذي بنته أمريكا ذات يوم، من خلال افتعال المشاكل مع الحلفاء، والتخلي عن المؤسسات، والتصرف خارج القواعد التي دافعت عنها في السابق.. استغل شي جين بينج قمة شنغهاي، ليُظهر الصين كركيزة للحوكمة والاستقرار العالميين.. ودعا إلى (موقف واضح ضد الهيمنة وسياسات القوة)، وحثّ على (تعددية حقيقية)، وأطلق مبادرة جديدة للحوكمة العالمية.. وسواء استطاعت منظمة شنغهاي تجاوز انقساماتها الداخلية أم لا، فإن الرمزية لافتة للنظر: فالعالم قد يشهد نقطة تحول في النظام العالمي.. مع تعثر النظام الذي تقوده الولايات المتحدة، يجري بناء بديل.
منذ الحرب العالمية الثانية، قامت الولايات المتحدة وقوى أخرى، بوضع نظام من القواعد والمؤسسات التي شكلت العلاقات بين الدول.. ورغم عدم كمال هذا النظام، إلا أنه وفر قيودًا ومزايا حافظت على شرعيته.. ويقول تيرينس مولان، من قسم العلاقات الدولية بكلية لندن، إنه نادرًا ما تنهار الأنظمة فجأة، بل تتغير تدريجيًا بعد تآكلها، وغالبًا ما تقوضها القوى نفسها التي كانت تدعمها.. وبينما يزعم العديد من الخبراء منذ سنوات أن النظام يتغير، فإن الأحداث الجارية تُشكل تطورًا هامًا.. وقد اشارت قمة شنغهاي إلى تزايد الدعوات إلى نظام بديل، وتُوضح الإجراءات الأمريكية الأخيرة مدى سرعة ضعف أسسه.
في أبريل2025، أبدت إدارة ترامب استعدادها للاعتراف بأجزاء من أوكرانيا كأراضٍ روسية، مُتراجعةً بذلك عن سياسة استمرت لعقود ضد مكافأة العدوان.. وربما أعادت المحادثات الأمريكية ـ الروسية في ألاسكا، نظامًا تتصرف فيه الدول القوية دون استشارة المتضررين بشكل مباشر.. في يونيو، شنت الولايات المتحدة غارات على منشآت نووية إيرانية دون تنسيق مع حلفائها، أو دعم من الأمم المتحدة، أو مبرر قانوني.. وسواء اتفقت مع التدخلات الأمريكية السابقة أم لا، فقد كان للنظام القائم على القواعد أهمية بالغة، وتم أخذ مبادئه في الاعتبار عند وضع الحسابات الاستراتيجية.. وتؤكد الغارات العسكرية الأمريكية (غير القانونية بشكل صارخ)، التي شنتها على قوارب صغيرة في المياه الدولية لمنطقة البحر الكاريبي هذا التوجه.. ويأتي استخدام إدارة ترامب للاقتصاد الأمريكي كسلاحٍ سافر يُقوّض المعاهدات القائمة، ومنظمة التجارة العالمية، والاستثمارات المستقبلية في الولايات المتحدة.. وفي الوقت نفسه، فإن دعم الولايات المتحدة للحروب الإسرائيلية، على الرغم من تفاقم الأزمة الإنسانية في غزة، يُضعف مزاعم الغرب بالدفاع عن القانون الدولي.
ومعروف أن الأنظمة لا تدوم، إلا إذا كبحت جماح السلطة وحققت منافع.. وبسحب المساعدات، وشن الحروب التجارية، وعرقلة المؤسسات، وتجاهل القواعد، تقوض الولايات المتحدة كلا الأمرين.. بات واقع النظام الحالي بقيادة الولايات المتحدة أقل قبولًا.. ومثل القوى المهيمنة السابقة، كالإمبراطورية البريطانية، تُخاطر الولايات المتحدة بالتوسع المُفرط في الخارج، في الوقت الذي تتضاءل فيه إيراداتها في الداخل؛ وهو مزيج يكان ُنذر بحرب في الخارج وعدم استقرار في الداخل.. وفي ظل كل هذا، كيف يمكن لبقية العالم أن يقف مكتوف الأيدي ويقبل القواعد، في حين تتسع الفجوة بشكل هائل في شرعية النظام وممارسته؟.. ومع ازدياد نفوذ بقية العالم وقوته الاقتصادية، ألا ينبغي أن يكون له رأي أكبر في تحديد ماهية هذه القواعد؟.
بينما تُقوّض واشنطن النظام تدريجيًا، تملأ الصين الفراغ، مُفسحةً المجال أمام تحركات الولايات المتحدة العدوانية لتُغطي على تقويضها، الذي قد يكون أحيانًا أكثر دقة، للنظام القائم.. تُزيل بكين الرسوم الجمركية على الواردات الإفريقية بينما تُزيدها واشنطن.. تُوسّع بكين مشاريع مبادرة الحزام والطريق بينما تُقلّص الولايات المتحدة مساعداتها.. بالنسبة للعديد من الدول، لا تكمن الجاذبية بالضرورة في رؤية الصين، بل في فرصة صياغة القواعد في نظام يُجسّد بشكل أفضل توزيع القوة الحالي.
يُظهر التاريخ، أن كل قوة مهيمنة تُثير المقاومة في نهاية المطاف.. يبقى غير معروف، ما إذا كانت الولايات المتحدة مندمجة بشكل مفرط في الاقتصاد العالمي وتحالفات الأمن الجماعي، بحيث يصعب عليها تجنب هذه المقاومة، لكن اختبار ذلك يُعدّ محفوفًا بالمخاطر.. إن تزايد التدقيق في الضمانات والشراكات الأمنية الأمريكية في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا يُعدّ مؤشرًا مقلقًا.. يكمن الخطر الآن في أن الولايات المتحدة، في سعيها للحفاظ على هيمنتها، تُسرّع من تراجعها، ومعها النظام الذي أسسته.
بهذا المعنى، قد يكون ترامب هو ما يسعى إليه معظم العالم: فرصة لتغيير النظام.. إلا أن تغييرات النظام غالبًا ما تصاحبها فجوات مضطربة وقاتلة ومكلفة.. وعادةً ما تحدث هذه التغييرات فقط في خضم الصراعات والانهيارات.. من المرجح أننا ندخل مرحلةً يتحول فيها إطار النظام الدولي، من هيمنة دولة واحدة إلى دول أكثر استقلالية.. وكما أوضح مؤرخ النظام، آدم واتسون، تميل الأنظمة الدولية إلى التأرجح كالبندول، حيث تفسح الهيمنة المجال في نهاية المطاف لضغوط المطالبة بمزيد من الاستقلال الذاتي، تمامًا كما يدفع الاستقلال الجزئي الدول غالبًا نحو الاندماج.. ونحن نشهد الآن الحالة الأولى.
إذا كان هذا هو الحال، فسيشهد العالم صعود أفكار وسلوكيات تعكس السيادة، وعدم التدخل، والعزلة، وتحالفات ترفض فكرة (القوى العظمى).. وسيصاحب ذلك تراجع في حقوق الإنسان، والمساعدات، والإدارة الفعّالة للنظام الدولي.. مع ذلك، من المرجح أن تسوء الأمور قبل أن تتحسن.. فبينما تنتقل بعض القوى ـ الأقل تقييدًا بالقواعد ـ إلى نظام جديد، قد تُظهر ضبطًا أقل مما أظهرته على مدى السنوات الثمانين الماضية.. قد لا يكون ما سيحدث في نهاية المطاف نظامًا عالميًا جديدًا، بل شيئَا أكثر تعقيدًا: عالمًا أقل تكاملًا، وأكثر إقليمية، وأكثر تنازعًا.. تشير تصرفات ترامب وقمة منظمة شنغهاي للتعاون، إلى أن هذا التحول لم يعد مجرد فرضية، بل بدأ بالفعل.
***
لذلك، فإنه في غضون ثلاثين أو أربعين عامًا، سيرغب مؤرخو التاريخ، إن وجدوا، في معرفة كيف اختارت أغنى دولة في التاريخ، والتي تمتلك أقوى شبكة تحالفات في العالم، وقدرات علمية وبحثية مدعومة بمواهب العالم، أن تتخلى عن كل شيء، دون أن يدركوا أن الأزمة كانت موجودة منذ البداية.
يقول ستيفن مارش، مقدم بودكاست Gloves Off، لقد كنتُ أقرب من غيري إلى نوعٍ من الإجابة.. ففي كتابي (الحرب الأهلية القادمة)، أجريتُ مقابلات مع مئات الخبراء، محاولًا فهم الأسباب والهياكل الكامنة وراء هذا التدهور.. التقيتُ بمتطرفين من اليمين واليسار.. وتباحثت حول أن فجرًا مظلمًا قادم.. ومع ذلك، في قرارة نفسي، لم أكن أصدق حقًا أنهم سيفعلون ذلك.. إن التدمير الذاتي الأمريكي، كما أستطيع أن أُخبر المؤرخين المستقبليين، هو لغزٌ لنا أيضًا.. فمتى ساءت الأمور؟.
ألقى معظم الباحثين في مجال الانهيار السياسي الذين تحدث إليهم ستيفن، باللوم على عام 2008، الأزمة المالية التي شلّت حلم الحراك الاجتماعي، لكن آخرين أشاروا إلى عام 1980، عندما ارتفع معدل عدم المساواة في الدخل لأول مرة وبدأت الثقة في المؤسسات في الانهيار، وآخرون إلى عام 1876، نهاية إعادة الإعمار، وأولئك الذين لديهم ذاكرة أطول تعود إلى الحرب الأهلية، أو إلى حرب 1812.. لكن ذلك كان قبل ترامب في رئاسته الثانية.. لقد أصبح من الواضح، منذ أن تولى منصبه مرة أخرى، أن الأزمة التي تواجهها أمريكا حاليًا كانت موجودة منذ البداية، حينما أدرك الأمريكيون الأكثر ذكاءً، أن أصولهم تحمل في طياتها بذور فنائها.. وقد تنبأ خطاب وداع جورج واشنطن، بدقة مذهلة، بالاستقطاب الحزبي الحاد الذي يمزق حاليًا الأمة التي أسسها.. وتنبأ أبراهام لينكولن قائلًا، (إذا كان الدمار مصيرنا، فعلينا أن نكون نحن من يصنعه وينهيه.. كأمة من الأحرار، يجب أن نعيش عبر الزمن أو نموت منتحرين).. لقد تحققت نبوءته.
يمثل الاحتفال بذكرى استقلال الولايات المتحدة، فرصة لإعادة النظر في المشروع الأمريكي، ليس فقط لأنه أثار إعادة النظر في الثورة نفسها، بل لأن التجربة الأمريكية قد انتهت، ولا بد أن تقدم البداية ولو بعض الدلائل على نهايتها.. وكغيرها من أساطير الخلق، تفاصيل الثورة غامضة، لكن آثارها راسخة.
كان من أوائل مؤشرات الانحدار الأمريكي المفاجئ والسريع، هو التدهور الفكري الحاد في فهمها لتاريخها.. فخلال موجة تحطيم الأيقونات الكبرى عام 2020، والتي خُصص معظمها لتدنيس تماثيل جنرالات الحرب الأهلية، قام المتظاهرون أيضًا بإسقاط تماثيل توماس جيفرسون وجورج واشنطن.. وردًا على النقد الجذري لتاريخ الولايات المتحدة، أعادت كل من فلوريدا وتكساس صياغة مناهجهما الدراسية المتعلقة بالثورة، بهدف الترويج لوجهات نظر أكثر تحفظًا.. تركز رؤيتها للتأسيس على (الحضارة الأمريكية، وجذورها العميقة في الحضارة الإنجليزية، وبشكل أوسع، الحضارة الغربية)، وهو أمر مبالغ فيه بعض الشيء.. فلو كنت ترغب في الحضارة الإنجليزية، لما أصبحت أمريكيًا من الأساس.. لكن لا ينبغي أخذ الروايات التاريخية للثورة، سواءً من اليمين أو اليسار، والتي تحركها أجندات معينة، على محمل الجد كحقيقة أو تقييم.. إنها مجرد انطباعات: أمريكا، مثلًا، سيئة.. أو أمريكا، مثلًا، الأفضل.
صدرت أعمال تاريخية أكثر عمقًا بالتزامن مع الذكرى المائتين وخمسين.. فيلم (الثورة الأمريكية) لكين بيرنز، لا يقل جودةً وعمقًا عن أفلامه الوثائقية الأخرى، ولكنه أقل إرضاءً.. في أعماله عن الحرب الأهلية والجاز والبيسبول، وسّع بيرنز الخطوط العريضة للتاريخ المعروف على نطاق واسع، وأضاف إليها تفاصيل حية وسردًا قصصيًا ثريًا.. لكن الثورة نفسها أصبحت أسطورية، لدرجة أن معرفة حقيقتها تُقلل من قيمتها نوعًا ما.. وبحسب روايته، لم يكن المؤسسون أبطالًا، ولم يكونوا وحوشًا.. بل كانوا رجالًا في خضم التاريخ، مزيجًا من المُثل العليا والفساد والمصالح، يعيشون وسط ظروف وولاءات متضاربة وضرورات مادية.. ارتكبوا أعمالًا وحشية أحيانًا، وأظهروا شجاعةً أحيانًا، وتصرفوا بحماقة أحيانًا، وتألقوا بذكاء أحيانًا.
يكشف بيرنز عن تناقضات الثورة، لكنها كانت راسخة بالفعل.. فحب المؤسسين للحرية نابعٌ، بشكل مباشر، من ممارستهم للعبودية.. كتب جيفرسون إعلان الاستقلال بينما كان خادمه، ابن عبده وحماه، يقدم له الشاي.. وكتب جورج واشنطن، (تصل الأزمة إلى ذروتها، عندما يتعين علينا إما أن نؤكد حقوقنا، أو أن نخضع لكل ظلم يُفرض علينا، حتى تجعلنا العادة والعرف عبيدًا ذليلين، مثل السود الذين نحكمهم بسلطة مطلقة).
بدأت الثورة الأمريكية برغبة رجال يملكون أملاكًا في عدم وجود حدود لممتلكاتهم، لكن خاضها في الغالب رجال لا يملكون شيئًا.. كانت الثورة حربًا أهلية بقدر ما كانت نضالًا من أجل التحرر.. وكان ابن بنجامين فرانكلين من الموالين للتاج البريطاني.. لكن كل هذا كان راسخًا، إن لم يكن معروفًا على نطاق واسع.. احتوت الثورة على تناقضات، تمامًا كما تحتوي الولايات المتحدة على تنوع هائل.. لم يكن ما ميّز تأسيس الولايات المتحدة هو العنف ولا المثالية، بل القدرة على تحويل العنف والمثالية إلى أسطورة.. كان الأثر الثوري الأبرز للاستقلال الأمريكي، هو أنه خلق شعورًا بأن الولايات المتحدة دولة فريدة، استثناءً من التاريخ.
بغض النظر عن وجهة نظر الأمريكي تجاه الثورة، سواءً كانت يسارية أو يمينية، فإنها تضمن النتيجة الحتمية، بأن الولايات المتحدة هي أعظم دولة في تاريخ العالم.. حتى عندما يقول الأمريكيون إنهم لا يؤمنون بذلك، فإنهم يؤمنون به.. إنّ الاستثنائية الأمريكية أعمق من مجرد اعتقاد، (فهي متأصلة فينا، متأصلة في كياننا.. لا وجود لأمريكا بدون الاستثنائية الأمريكية)، هكذا يقول ستيفن.. تشعر الولايات المتحدة بشكل متزايد، بأنها دولة غارقة في التاريخ، مثقلة بماضٍ لا تستطيع مواجهته أو تجاوزه.. ومع تراجعها سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا، عادت إلى جذورها أكثر من أي وقت مضى، في مسعى محكوم عليه بالفشل للحفاظ على قناعتها بتفردها.
لم تكن أمريكا، في أي وقت مضى، أكثر انغلاقًا على الماضي.. فقد أظهر استطلاع رأي حديث أجرته مؤسسة (بيو) للأبحاث، أن 59% من الأمريكيين يعتقدون أن أفضل سنواتها قد ولّت.. وهذا ليس مجرد شعور غامض، بل إن الماضي الأمريكي البعيد، وليس المستقبل، بات يشكل أساس بنيتها السياسية.. ولعل أبرز إرث وأكثره ديمومة من سنوات ترامب، هو تحويله التفسير الحرفي للدستور، إلى الإطار المهيمن على النظام القانوني الأمريكي.. كان تشويه السياسة الأمريكية نتيجة للحنين إلى الماضي أمرَا استثنائيًا.. فمنذ قضية بروين، التي طبقت فيها المحكمة العليا معيارًا تاريخيًا على التعديل الثاني للدستور، أو ما يُعرف بـ (التقاليد التاريخية للأمة في تنظيم الأسلحة النارية)، غصّت المحاكم الأمريكية بحججٍ لا يمكن دحضها أساسًا، حول وجهات النظر المتعلقة بالأسلحة النارية قبل مائتين وخمسين عامًا.. ويؤكد ستيفن، أن هذا، بالطبع، ليس سوى بداية المفارقات.. لقد سمحوا أيضًا بعودة التلاعب بالدوائر الانتخابية على أساس عرقي.. وهذا أيضًا يعكس الأصل القومي: فالتلاعب بالدوائر الانتخابية ابتكره إلبريدج جيري، حاكم ولاية ماساتشوستس وأحد الآباء المؤسسين.
دونالد ترامب هو تجسيد مثالي للحنين إلى الماضي.. وليس من قبيل الصدفة أن يُطلقوا على شعار (لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا).. يجب فهم انتهاك ترامب للأعراف السياسية، على أنه متسق تمامًا مع دولة ثورية، حيث كان مفهوم الوطنية فيها، منذ البداية، محكومًا بالإطاحة العنيفة بالنظام القائم.. قال راش ليمبو، بعد اجتيح مبنى الكابينول في السادس من يناير، (هناك الكثير من الناس الذين يدعون إلى إنهاء العنف.. والذين يقولون إن أي عنف أو عدوان غير مقبول بتاتًا بغض النظر عن الظروف.. أنا سعيد لأن سام آدامز، وتوماس باين، ورجال حركة حزب الشاي، والرجال الذين هاجموا ليكسينجتون وكونكورد، لم يشعروا بذلك).. وقد اتفق المسئولون المنتخبون الذين هاجمهم مثيرو الشغب مع مهاجميهم.
بخصوص ترامب. لا يمكن لأحد أن يقول إنه غير أمريكي.. بل هو أمريكي بكل ما تحمله الكلمة من معنى.. ويُقدّم بيرنز روايةً مُوضّحةً للثورة: فدوافع الثورة، التي حجبتها ضبابية مُثُل عصر التنوير، كانت مُتجذّرةً في جشعٍ مُطلقٍ إلى حدٍ كبير.. وقد أوقفت الحكومة البريطانية التوسع القاري عبر جبال الأبلاش؛ وحاولت حظر المضاربة والتجارة في الأراضي التي اعتبرتها، بحكم الحق، ملكًا للشعوب الأصلية.
بعد حرب السنوات السبع، التي جعلت أمريكا الشمالية تحت الحكم البريطاني، كانت الإمبراطورية منهكة ماليًا.. كان المواطن البريطاني يدفع ستة وعشرين شلنًا من الضرائب مقابل شلن واحد للمستعمرين.. كان هذا مبلغًا باهظًا.. أما النذير الآخر للثورة فكان ابتهاج الغوغاء.. كان قذف المسئولين البريطانيين بالقطران والريش متعةً كبيرة.. كان التحول من رعية إلى مواطن، كما يقول الفيلم الوثائقي، (مشهدًا من العنف).. إن عبارة (امسك بهن من أعضائهن التناسلية) تتوافق تمامًا مع روح الثورة، تمامًا كما هو الحال مع عبارة (جميع الناس خُلقوا متساوين).. شعر الآباء المؤسسون باستحقاقهم لشيء ما دون مقابل، مقابل العمل دون أجر.. لقد أذلوا وحطوا من قدر أي شخص اعترض.
يعود الأمريكيون إلى أصولهم. الجشع وعروض العقاب هي سماتهم المميزة.. الأمريكيون ليسوا مدمنين على الحرية في حد ذاتها، بل على الشعور بالتحرر، والتخلص من القيود.. إنهم ينتشون به.. لقد جعلت الثورة من قيام الغوغاء بإسقاط السلطة السياسية بالعنف خيرًا سياسيًا صريحًا، بل هو الخير السياسي الأساسي.. وهو سمٌّ خالص. إنه السم الأمريكي.. إنهم يشربون سمهم بأنفسهم.. يشربونه حتى آخر قطرة.. ويموتون بسببه.
لا تزال النزعة الاستثنائية الأمريكية قائمة دون هوادة.. ما زالوا يُلقّنون العالم دروسًا، زاعمين أن القتل الترفيهي الذي يمارسه جيشهم هو تفعيل للحق الأخلاقي.. ويمكن تلخيص السياسة الخارجية للولايات المتحدة كقوة عظمى، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، في جملة واحدة قالها ضابط خلال هجوم تيت في فيتنام، (لقد أصبح من الضروري تدمير المدينة لإنقاذها).. وبينما يعود الأمريكيون إلى أصولهم، إلى غرائزهم البدائية، فإنهم يفقدون هويتهم.. في نوع من التحلل البدائي، يُفرغ المتمسكون بالدستور من معناه تدريجيًا.. تُدنس الرموز.. لقد هدموا البيت الأبيض بمفردهم؛ لم يكن البريطانيون بحاجة إلى حرقه.
***
وهنا يأتي السؤال المهم: ما الذي ينبغي أن يحل محل النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة؟.
في عبارة مختصرة، يجيب كلٌ من أصلي بالي وصموئيل موين، أستاذا القانون بجامعة ييل، في صحيفة (الجارديان) البريطانية، أن المهمة الآن، هي التوقف عن الحداد على النظام القديم، وبناء أسس العالم متعدد الأقطاب الجديد.. لأن أمريكا في تراجع.. وكذلك النظام العالمي الذي تقوده أمريكا.. ورغم وجود مخاطر حقيقية عديدة لتراجع أمريكا، إلا أنه لم تكن هناك فرصة أفضل من الآن، للتعبير بوضوح عن مدى قصور النظام الأحادي القطب، ولتخيل عالم متعدد الأقطاب، قد يضمن السلام بشكل أفضل مما حققه النظام القديم، لأن تمجيد السلام الأمريكي منذ عام 1945 و(نظامه الدولي القائم على القواعد) ـ وهو مصطلح لم يصبح شائع الاستخدام إلا بعد عقود، ولكن لا يهم ـ هو رد فعل مضلل على وضعنا الحالي.
كان رد الفعل السائد محاولة عقيمة لاستعادة الأيام الخوالي، إذ يُعرب المعلقون الليبراليون عن حزنهم لحقيقة أن الأطلسية مهددة، ويصدرون دفاعات عاطفية عن التعددية المفقودة.. وفي كثير من الأحيان، يتوقون إلى شن حروب ذات دوافع أخلاقية سامية.. عندما يُتهم هؤلاء الذين يحنون إلى الماضي بتصوير الماضي بصورة مثالية، فإنهم يلجؤون إلى الدفاع عن الأوهام المفيدة: نعم، لقد كذب النظام القديم، لكنه على الأقل كذب باسم المثل العليا.
استُقبل خطاب رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، في دافوس عام 2026 في بعض الأوساط، باعتباره جريئًا وصريحًا.. إذ صرّح علنًا، بأن الحديث القديم عن المُثُل والقواعد، على الأقل بالنسبة للقوى العظمى، لطالما استند إلى أسطورة جميلة.. لكن هذا لم يكن جديدًا.. وكان كارني مخطئًا، حين زعم ​​أن الكذبة قد جعلت العالم أفضل في يوم من الأيام.. فقلما ظن أحد خارج منطقة الأطلسي، أن السلام الأمريكي هو أفضل العوالم الممكنة.. وسرعان ما كشف كارني عن حدود صراحته حين أيّد علنًا، بعد أسابيع قليلة، حرب ترامب المختارة ضد إيران.
لم يكن النظام القديم القائم على النفاق المتعالي، كافيًا أبدًا بالنسبة للجنوب العالمي؛ ولم يتم تدميره ببساطة من قبل رئيس يقدم صفقة مجحفة للغاية.. والأهم من ذلك، أن الاستجابات التقليدية لظروفنا الراهنة ليست غير مقنعة وغير مرغوب فيها فحسب، بل إنها غير متاحة أيضًا.. وهذا أمر جيد.
بدلًا من محاولة إحياء نظام عالمي سابق معيب ومُفلس أخلاقيًا، فإن اللحظة الراهنة تستدعي أجندة مناهضة للحرب، تتناسب مع عالم متعدد ومتنافس بشكل حتمي.. ينبغي أن تبدأ أجندة مناهضة الحرب لهذا العالم بأربعة التزامات.. أولًا، ينبغي للدول أن تعيد تأكيد وتعزيز القيود المفروضة على حق الدفاع عن النفس، الذي يمكنها المطالبة به بموجب المادة واحد وخمسين من ميثاق الأمم المتحدة.. ثانيًا، ينبغي على الدول أن تُعيد الالتزام بعدم جواز الضم أو الاستيلاء على الأراضي بالقوة (بما في ذلك الضم الفعلي، كما هو حال إسرائيل في فلسطين اليوم).. ثالثًا، ينبغي على القوى العظمى والمتوسطة أن تلتزم بعدم التحريض على الحروب بالوكالة، أو تمكينها أو تكثيفها ضد بعضها البعض.. رابعًا، لا ينبغي للدول أن تقدم مساعدات عسكرية، ولا أن تسمح بمبيعات الأسلحة التي من المتوقع أن تحرض على انتهاكات جسيمة للقواعد المناهضة للعدوان أو الفظائع.
تكمن ميزة هذا الاتفاق في بساطته.. فهو لا يطلب من الدول الاتفاق على كامل هيكل النظام العالمي، أو على مشاركة مصطلحات أخلاقية مشتركة.. وهي تطلب من المنضمين إليها، قبول اقتراح واحد واضح ومحدد وعاجل: لا توجد دولة أكثر أمانًا في عالم يكون فيه الإكراه بلا قيود، لأن كل استثناء تدعيه قوة ما، يُصبح مُتاحًا لمنافسيها.. وتُعالج هذه الصفقة أيضًا، الخطر الأبرز للنظام الناشئ.. تُظهر سياسة ترامب الخارجية، كيف أن هيمنة أمريكية آخذة في التراجع، قد تُسهم في إنتاج نظام أكثر عنفًا من النظام الذي ساد منذ نهاية الحرب الباردة.. لكن هذا الخطر، لا ينبغي أن يدفع دعاة العولمة إلى التوق إلى عودة الأحادية القطبية تحت إدارة ليبرالية أفضل، (ناهيك عن نفس المجموعة من دعاة العولمة الليبراليين).. كما أن التعددية القطبية تخلق فرصة سانحة.. وإذا لم تستطع أي قوة بمفردها أن تدعي بشكل معقول فرض القواعد على الجميع، فإن النظام القائم على ضبط النفس المتبادل، قد يكون أكثر استقرارًا من النظام المبني على تسلسل هرمي لم يعد يحظى بالتصديق.
إن إحياء المعيار المناهض للحرب، يتطلب أكثر من مجرد استعادة الاتفاق الذي تم التوصل إليه في منتصف القرن، على الرغم من أنه ينبغي أن يبدأ من بعض الأفكار التي كانت واضحة للمهندسين الأصليين لنظام ما بعد الحرب.. لا يستلزم مبدأ المعاملة بالمثل بالضرورة التكافؤ الأخلاقي بين المعتدي والضحية، كما أنه لا يتطلب اللامبالاة تجاه الفظائع.. لكن ذلك يتطلب ضبط النفس المستنير، مما يعني أنه يجب مطالبة الدول بقبول القواعد، التي ترغب أيضًا في تطبيقها على منافسيها وحلفائها وأنفسها.. اتفاق ضبط النفس الذي يُصاغ بهذه الطريقة له مزايا.. فهو يعالج تهمة النفاق بشكل مباشر، أكثر من اللجوء إلى نظام قديم كان تطبيقه غير متساوٍ بشكل منهجي.. كما أنه يعطي القوى المتنافسة سببًا للامتثال، حتى عندما لا تشترك في مشروع سياسي مشترك.
كل القوى الكبرى والمتوسطة أقل أمانًا، في عالم أصبحت فيه الحرب الوقائية والضم والصراع بالوكالة والخنق القسري، أدوات طبيعية في السياسة الخارجية.. لقد أظهر ربع القرن الأخير هذا الواقع بوضوح، من خلال التكاليف العالمية لما يُسمى بـ (الحرب على الإرهاب)، فضلًا عن حرب روسيا ضد أوكرانيا، والحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران.. هذه الحروب الاختيارية المكلفة تُجسّد حجة تدعو إلى ضبط النفس القائم على المصلحة الذاتية، بدلًا من الفضيلة.
ويُقدّم بالي وموين، تفاصيل النظام العالمي الجديد، في نقاط أربع.
أولًا، ينبغي للدول إعادة تأكيد وتعزيز القيود المفروضة على حق الدفاع عن النفس، الذي يمكنها المطالبة به بموجب ميثاق الأمم المتحدة.. فلم يكن المقصود من حق الدفاع عن النفس قط، أن يكون ترخيصًا عامًا للهجوم على أساس تهديدات مستقبلية مُتوقَّعة، أو ضعف الردع، أو ادعاءات واسعة النطاق بوجود خطر إقليمي.. ويُعدّ التمييز بين الدفاع ضد هجوم وشيك والحرب الوقائية أمرًا جوهريًا.. فبمجرد انهيار هذا التمييز، يُمكن إعادة وصف كل تنافس، بأنه حالة طوارئ أمنية، ويُمكن لكل دولة قوية أن تدّعي حقها في توجيه الضربة الأولى.. وبالمثل، يجب على الدول معارضة التفسيرات الأخرى للدفاع عن النفس، مثل المبدأ الضار الذي يسمح بالهجمات على أراضي الدول (غير الراغبة أو غير القادرة) على السيطرة على الجهات الفاعلة غير الحكومية على أراضيها.
ثانيًا، ينبغي للدول أن تُجدد التزامها بعدم جواز ضم الأراضي أو الاستيلاء عليها بالقوة، بما في ذلك الضم الفعلي الذي يتم عن طريق الاحتلال أو الاستيطان أو الهندسة الديموجرافية، أو خلق وقائع لا رجعة فيها على أرض الواقع.. ويُعد هذا المبدأ، أحد أوضح الاختبارات، لتحديد ما إذا كانت التعددية القطبية ستخضع لضبط النفس المتبادل أم للهيمنة الإقليمية.. لأن عالم مناطق النفوذ هو، بحكم التعريف تقريبًا، عالم تصبح فيه السلامة الإقليمية للدول الأضعف قابلة للتفاوض، كما أوضحت التهديدات الأمريكية ضد فنزويلا وكوبا وجرينلاند وحتى كندا.. إن تداعيات ذلك على أي حل محتمل لحرب روسيا ضد أوكرانيا واضحة.
ثالثًا، ينبغي على القوى العظمى والمتوسطة الالتزام بعدم التحريض على حروب بالوكالة ضد بعضها البعض، أو تمكينها، أو تصعيدها.. إن تقديم الدعم الدفاعي لدولة تقاوم العدوان أمر، أما التدابير المُصممة لإطالة أمد الحرب أو تحويل نزاع محلي إلى وسيلة لاستنزاف الخصم، فهي أمر آخر تمامًا.. ويُعدّ الصراع بالوكالة، أحد أبرز الطرق التي يتعايش بها الالتزام الرسمي بالميثاق مع تصاعد العنف.. فهو يسمح للدول بالتنصل من المسئولية المباشرة، مع استمرار الصراعات التي تُدمّر السكان المدنيين، وتُزعزع استقرار المناطق، وتزيد من خطر اندلاع حرب أوسع.
رابعًا، لا ينبغي للدول تقديم مساعدات عسكرية أو السماح ببيع الأسلحة أو رعايتها، إذا كان من المتوقع أن يؤدي ذلك إلى انتهاكات جسيمة لقواعد مكافحة العدوان أو الفظائع.. فعندما تقوم قوى خارجية بتسليح وحماية شركاء مُنخرطين في حروب عدوانية، أو إلحاق أضرار جسيمة بالمدنيين، فإنها بذلك تُسهم في تحويل الحروب المحلية أو الإقليمية إلى اختبارات للتحالفات العالمية، كما أوضحت الحروب في غزة وأوكرانيا.
***
■■ وبعد..
فإن هذه النقاط الأربع، لا تهدف إلى حسم مستقبل النظام الدولي برمته مُسبقًا، بل إلى البدء من حيث تشتد الحاجة إلى الاتفاق، وحيث يكون التهرب أشد خطورة: لا حرب وقائية تتستر وراء ستار الدفاع عن النفس، ولا ضم بالقوة، ولا حرب بالوكالة تُشن عبر دول أخرى، ولا عمليات نقل أسلحة تُغذي العدوان أو الفظائع عن علم.. وبعيدًا عن كونها مطالب طوباوية، فإن هذه هي الشروط الدنيا، لعالم تستطيع فيه القوى المتنافسة أن تتنافس، دون أن تجعل الحرب الأداة الطبيعية للسياسة.. ويجب فهم التعددية القطبية، على أنها أكثر من مجرد انحدار من النظام الأمريكي إلى الفوضى.. فقد تتحول إلى صراع محموم على الهيمنة، إذا تُركت أقوى الدول لتقسيم المناطق، وتسليح حلفائها، وإعادة تسمية الإكراه بالأمن.. لكنها تخلق أيضًا، فرصة لبناء نظام أقل اعتمادًا على فضائل سلطة واحدة، وأقل تأثرًا بالتطبيق الانتقائي للقانون، وأقل عُرضة للحنين إلى الماضي، الذي يخلط بين نفاق الأمس والقانون المفقود.. والمهمة الآن هي، التوقف عن الحداد على النظام القديم، ورفض الفوضى الجديدة، وجعل ضبط النفس جوهرًا أساسيًا لأي نظام قادم.
حفظ الله مصر من كيد الكائدين.. آمين.

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق