خالد دومة يكبت: أدباء على حافة الهاوية

منذ 53 دقيقة

على حافة الهاوية، يؤثر أحدهم السلامة، ثم يعود أدراجه ليعيد ترتيب أفكاره من جديد، حتى لا يقف مرة أخرى على الحافة. يكتب ويبدع ويشرح وينقل لنا أفكاره ومشاعره حين كان يقف هناك. وهناك نداء يسمعه كل أديب يقترب من تلك الهاوية المظلمة؛ فيكمل طريقه ليصل إلى ما يريد، أو لا يصل، فينهار.


إنها مجازفة غير مأمونة العواقب؛ فينسحب أكثرهم، مؤثرين السلامة، أما القليلون فتأخذهم أحلامهم، ويأخذهم التطلع إلى التغيير، والأمل في الوصول إلى ما يريدون. يعتقدون أن لهم أجنحة قوية قادرة على أن تحلق بهم في عالم صنعه خيالهم، فإذا بهم يكتشفون الحقيقة المرة: أن الأمل الذي ساقهم، واليقين الذي ملأهم، إنما كانا وهمًا كبيرًا، وأن جيشًا قويًا يجابههم بعتاده وعدته.


ولكنهم لا يتراجعون.
فيشحذون أسلحتهم، ويضربون بكل قوة، وتستمر الحرب، وتتوالى الهزائم، حتى تنهار عقولهم. يضربون بوعي وبغير وعي، حتى يفقدوا المنطق الذي كان يقودهم، ويصبح ما يفعلونه أحيانًا أبعد عن قدرتهم على السيطرة.
إنه أشبه بالغريق الذي يضرب الماء بكل قوة، فإذا به ينهار أمام قوة البحر وضربات الأمواج.
إنه شعور العجز التام الذي لا يعترف به صاحبه، فيتحول إلى قوة غير واعية بما تفعل، ولا بما يجري على يديها. إنه الشعور المهين حين يفقد الإنسان ثقته بنفسه، ويكتشف أنه كان على خطأ حين ظن أنه يستطيع أن يغير العالم لأنه على حق.
إن فرط الحساسية تجاه الاعتراف بالخطأ والوقوف أمامه يجعل الإنسان ضعيفًا أمام نفسه؛ لأن الاعتراف بالخطأ يعني، في لحظة كهذه، الاعتراف بالعجز أيضًا. لذلك يعلن الهزيمة أمامه؟ لن يكون ذلك سهلًا، ولن يحدث بسهولة. إنه لن يرفع الراية البيضاء أمام نفسه، حتى ولو كان نصيبه فقدان التوازن، وحتى لو انتهى به الأمر إلى أن يقف صارخًا في وجه العالم، واقفًا على حافة الجنون.
فهل يسعى الأديب، عن وعي، إلى ما آل إليه؟ أم أن هناك عوامل خارجة عن إرادته تجعل البعض يتراجع، بينما يكمل البعض الآخر مسيرة الانهيار؟
هل لدقة الشعور أثر في ذلك؟
هل الواقع، بكل ما يحمل من متناقضات، هو الدافع؟
إنه، في نظره، عالم مضطرب يحتاج إلى من يأخذ بيده، فإذا بالعجز هو النتيجة الحاسمة. وعدم الاعتراف بهذا العجز يجعل البعض ينسحب، بينما يخوض آخرون حربًا ضروسًا في مواجهة تبدو محسومة.
العالم يحتاج إلى أن تكون هناك عدالة شاملة، والواقع يأبى.
هناك فقر، وجوع، وفقد، وقهر، وإهمال، وحروب، وغباء.
إنه يرفض كل ذلك، ولا يجد استجابة لرفضه. ثم يستميت في الرفض، ويتجاوز الحدود، حتى تأتي لحظة الانهيار؛ اللحظة التي يخرج فيها عن عالم لا يستطيع أن يعترف به، ولا يستطيع في الوقت نفسه أن يغيره.
على هذا النهج، يصبح التمرد عنيفًا، ويؤدي التمرد العنيف إلى اضطراب عنيف، يفقد الإنسان على إثره توازنه، حين يعجز العقل عن التكيف مع واقع يرفضه. فيبدأ العقل في التفكك، ويتحول إلى أجزاء متنافرة، تصدر أحكامًا وأفعالًا متناقضة.
وهنا ربما لا يكون السؤال: لماذا انهار؟
بل: كم مرة حاول أن يقاوم قبل أن ينهار؟
وكم مرة وقف على الحافة، ثم عاد؟
وكم مرة أقنع نفسه بأنه قادر على مواصلة الطريق، بينما كان شيء في داخله يتهاوى؟
إنها المسافة الغامضة بين العبقرية والانهيار، بين الرفض والتمرد، بين أن يرى الإنسان ما لا يراه الآخرون، وبين أن يعجز عن احتمال ما رآه.
وهنا تبدأ حكاية أولئك الأدباء الذين وقفوا على الحافة؛ بعضهم عاد، وبعضهم واصل السير، وبعضهم لم يعد يعرف أين تنتهي مقاومة العالم وأين يبدأ انهياره هو.

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق