من الحكمة إلى التشاؤم.. لماذا تخاف الشعوب من البومة؟

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

تجلس البومة في مكانها ليلًا، صامتة لا تكاد تتحرك، ثم تنطلق في الظلام بعينين واسعتين وقدرة على الرؤية لا يملكها الإنسان، وربما كان هذا المشهد وحده كافيًا لأن يجعلها، عبر قرون طويلة، كائنًا يثير الرهبة أكثر مما يبعث على الطمأنينة.

لكن البومة نفسها أصبحت واحدة من أشهر رموز الحكمة والمعرفة، فما الذي جعل الطائر نفسه يجمع بين صورتين تبدوان متناقضتين من كائن حكيم من ناحية، الي نذير بالموت والمصائب من ناحية أخرى؟

الحكاية أقدم من الصورة الحديثة للبومة

لا تبدأ قصة البومة المخيفة من أفلام الرعب أو الحكايات الشعبية الحديثة، وإنما تعود إلى العالم القديم، حين كانت البومة مرتبطة في الوقت نفسه بالحكمة والقوة، وبالليل والعالم الآخر.

ارتبطت البومة الصغيرة، التي كانت منتشرة بكثرة في اليونان وإيطاليا، بالإلهة أثينا، إلهة الحكمة والاستراتيجية والفنون والحرف لدى اليونانيين، ثم أصبحت مرتبطة بالإلهة الرومانية مينرفا، التي ورثت كثيرًا من صفات أثينا.

وكانت الحكمة التي ترمز إليها أثينا ذات طبيعة عملية أكثر من كونها مجرد معرفة نظرية، فهي القدرة على التفكير والتخطيط وحل المشكلات، وهي صفات جعلت البومة مناسبة لهذا الدور، خصوصًا أنها تستطيع أن تصطاد ليلًا بينما يعجز الإنسان عن الرؤية بوضوح في الظلام.

ومن هنا جاءت واحدة من أشهر صور البومة الإيجابية طائر يرى ما لا يستطيع الآخرون رؤيته، وكأنه يمتلك معرفة تتجاوز حدود الإنسان، لكن القدرة نفسها التي صنعت رمز الحكمة، ساعدت أيضًا في صناعة الجانب المظلم من صورتها.

الإنسان القديم
 

بالنسبة إلى الإنسان القديم، لم يكن الليل مجرد وقت تختفي فيه الشمس فكان عالمًا مختلفًا، تقل فيه قدرة البشر على الرؤية والحركة، وتزداد فيه المخاوف مما لا يستطيعون رؤيته.

وفي الحضارات اليونانية والرومانية القديمة، ارتبط الظلام أيضًا بالعالم السفلي، وبالمكان الذي ينتهي إليه الموتى. لذلك لم يكن ظهور حيوان يستطيع التحرك والصيد بكفاءة في هذا العالم المظلم أمرًا محايدًا تمامًا.

كانت البومة تتحرك عندما ينام البشر، وتصدر أصواتها في ساعات الليل، وتظهر فجأة في أماكن لا يتوقعها الإنسان، ومع غياب التفسير العلمي لسلوك الحيوانات في ذلك الوقت، كان من الطبيعي أن يتحول ظهورها إلى علامة تحمل معنى يتجاوز وجودها الطبيعي، وهكذا بدأت البومة تدخل في حكايات النذر والموت.


تذكر مصادر من العالم الروماني القديم ظهور البوم ضمن العلامات التي سبقت موت شخصيات بارزة، ومن بينها السياسي تيبيريوس جراكوس، الذي قيل إنه تجاهل عددًا من النذر السيئة في اليوم الذي مات فيه، وكان ظهور بومة من بينها.
وتظهر البومة كذلك في روايات مرتبطة بموت شخصيات رومانية شهيرة مثل يوليوس قيصر وأغسطس، وهو ما ساعد على ترسيخ العلاقة بين الطائر وبين الموت في المخيال القديم.

لكن لماذا لم تختفِ صورة البومة الحكيمة؟
 

لأن الجانب المظلم لم يلغِ الجانب الآخر، بل عاش معه، فالبومة كانت في الوقت نفسه طائر أثينا ومخلوق الليل، رمزًا للذكاء لأنها ترى في الظلام، ومصدرًا للقلق للسبب نفسه.

وهذه الازدواجية ظلت موجودة في الثقافة حتى العصر الحديث، وإن اختلفت طريقة تقديمها. فأصبحت البومة في بعض الأعمال شخصية حكيمة ودافئة، مثل شخصية “Owl” في “Winnie the Pooh”، بينما استعادها آخرون بوصفها كائنًا غامضًا مرتبطًا بالموت والظلام، كما حدث في مسلسل “Twin Peaks”.

وحتى لوحة “نوم العقل ينتج الوحوش” للفنان الإسباني فرانسيسكو جويا، التي رسمها عام 1799، تحمل هذه الصورة القديمة؛ إذ يظهر رجل غارق في النوم بينما تحيط به خفافيش وبوم تبدو كأنها خرجت من عالم الكوابيس.
لذلك، فإن التشاؤم من البومة لم ينشأ لأنها كانت في الأصل رمزًا للشر، وإنما لأن الإنسان القديم رأى فيها شيئًا غريبًا ومخيفًا: كائنًا يعرف طريقه في الظلام بينما يفقد الإنسان قدرته على الرؤية.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق