خالد دومة يكتب: مرارة الكتمان

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

كان كل ما يحتاج إليه صدرًا يسند عليه رأسه، ليغفو لحظةً في أمانٍ عابر، ينساب إلى روحه فيمنحها قدرًا يسيرًا من الحياة. فالحياة مرهقة، قاسية، تمزّق الروح حتى تصير أشلاءً في قاعٍ سحيق.


كلما تأمّل نفسه أدرك حجم الخراب، واستنكر كيف عجزت عن أن تهبه شيئًا من جمالها. بحث طويل بلا جدوى، بلا يقينٍ يعلّق عليه البقاء. الحياة مسرحية قاتمة، يندمج في عبثها، وكل يومٍ يمضي بلا معنى يخلّف ما هو أشد سوادًا.
أصواتٌ خفية تشقّ أعماقه، تصرخ بصمت، وتفجّر آهاتٍ عاجزة عن البوح. إنها مرارة الكتمان؛ براكين لا تنفجر، تغلي في نفسٍ مثقلة، متصدّعة إلى شظايا. وجعٌ متراكم في ضلوعٍ هشة، ألمٌ عميقٌ صامت، لا يهدأ، يتصاعد كضبابٍ كثيف يعكّر سماءه، ويحجب أي بريقٍ ولو كان وهميًا.


أجاء إلى الدنيا ليُصاغ تمثالًا من شقاء؟ أم قُذف ليكون عبرةً للأيام؟ كان بحثه عن ذلك الصدر محاولةً للفرار من طوق الألم الذي لازمه منذ أول نظرةٍ باهتة إلى العالم. لم يرَ في الحياة معنى واضحًا، بل أحاجي تهاجم عقلًا مكلومًا، حتى انتهى إلى دمارٍ نفسيٍّ أطفأ كل أمل، حتى الزائف منه.


صار الغروب رفيقه، والتسكع ملاذه. وفي كل طريقٍ يسلكه، كان موت الأشياء هو النتيجة. كل أملٍ بدا له سرابًا، ومع ذلك لم يتوقف عن خداع نفسه، كأن الوهم ضرورة للبقاء.


تتكرر الأيام بمللٍ خانق؛ مساءٌ يشبه ما قبله. روتين يثقل قلبًا عاجزًا عن التحرر من قفص العظام. الجسد يمضي بوظيفته، بينما الروح غائبة؛ كأن الأعضاء أحجارٌ صمّاء، تستمر فقط لأن التوقف يعني النهاية.


انطفأت أنوار الحقيقة في دروب الشهوات، التي لا تعرف السكون. تمحو كل أثرٍ للنور حتى لا يبقى شيء. المساء يتكرر كموتٍ يومي، سلسلة ظلماتٍ لا تنتهي. يهرب من اتساع العالم إلى ضيق الجحور، محمولًا بيتمٍ داخلي لا يُسمّى.
العبث ينمو، يترسخ، حتى يغدو جسرًا إلى الفناء. يدفع الأجساد الخاوية نحو جحيمٍ لا يخمد، يوقظ القبح، ويؤجّج الرغبة في النجاة دون أن يحققها. تبكي الروح بلا عين، وتصرخ بلا صوت، ويظل الظلام سيّد المشهد.


الخروج يبدو مستحيلًا، كبئرٍ عميقٍ جاف. يزوره الموت مرارًا، ينهش منه ثم يتركه معلقًا بين ألمٍ وأملٍ خافت. تتراكم في داخله حممٌ صامتة، وتدور حولها كؤوس الضباب.


في الأعماق جريمةٌ مزروعة، خنجرٌ يحفر أخاديد الشقاء. ومع ذلك… تومض لحظةٌ عابرة: شعاعٌ يمرّ من خلف ستائر النسيان، يضيء ثم يخبو سريعًا, ويظل الظلام, مقيمًا فيه، لا يغادر...

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق