كان محمد حسنين هيكل واحدًا من أقرب الصحفيين إلى الرئيس جمال عبد الناصر، ولهذا جاءت شهادته عن الساعات الأخيرة في حياة الرئيس مختلفة عن كثير من الروايات اللاحقة، فقد كتبها بوصفه شاهدًا كان قريبًا من الحدث، وتابع منذ الصباح إرهاق عبد الناصر، ثم كان حاضرًا في منزله عندما حاول الأطباء إنقاذه قبل إعلان وفاته مساء 28 سبتمبر 1970.
ونشر هيكل شهادته الأساسية في مقال بعنوان "28 سبتمبر.. الأربع والعشرون ساعة الأخيرة في حياة جمال عبد الناصر" في "الأهرام" يوم 16 أكتوبر 1970، بعد مقال سابق نشره في 9 أكتوبر بعنوان "ملحمة الصراع مع الألم"، وجُمعت المقالتان لاحقًا في كتاب صدر في بيروت عام 1971 بعنوان "عبد الناصر في ساعاته الأخيرة"، وإن كان توثيق "الأهرام" يؤكد أن الكتاب جُمع ونُشر من دون علم هيكل.
بداية يوم الرحيل
بدأ هيكل روايته ليوم 28 سبتمبر من سياقه السياسي، فالقاهرة كانت تعيش الأيام الأخيرة من القمة العربية التي انعقدت لوقف القتال الدائر في الأردن بين الجيش الأردني والمقاومة الفلسطينية.
وفي الوقت نفسه كان عبد الناصر يواصل لقاءاته وعمليات توديع القادة العرب المشاركين في القمة، رغم الإرهاق الشديد الذي كان يعانيه.
ويروي هيكل أن عبد الناصر اتصل به في الصباح، ثم تحدث معه مجددًا في الواحدة ظهرًا، ولاحظ من صوته أنه كان شديد التعب.
وقال عبد الناصر لهيكل، بحسب الرواية المنشورة: "أجد نفسي غير قادر على الوقوف"، وسأله هيكل عما إذا كان الطبيب قد فحصه، فأخبره بأن الدكتور الصاوي كان عنده وأجرى له رسمًا للقلب.
تصبح على خير.. آخر حديث مع هيكل
وتحمل رواية هيكل تفصيلًا إنسانيًا أصبح من أشهر ما كُتب عن الساعات الأخيرة لعبد الناصر.
فقد أخبره الرئيس خلال الاتصال نفسه بأنه قد لا يتصل به مساء لأنه سيذهب لينام ويستريح، فرد هيكل بصورة تلقائية:
تصبح على خير.
فضحك عبد الناصر وقال:
ليس بعد.. نحن ما زلنا الآن في عز النهار
ثم كتب هيكل بعد ذلك: "وكانت تلك آخر مرة أسمع فيها صوته".
يعود إلى البيت شديد الإرهاق
وبعد الانتهاء من مراسم توديع أمير الكويت، عاد عبد الناصر إلى منزله.
ويروي هيكل أن الأسرة لاحظت عليه التعب الشديد، لكنه توقف لفترة قصيرة للحديث مع حفيديه، قبل أن يصعد إلى غرفته.
وعندما سألته زوجته عن موعد الغداء قال إنه لا يستطيع أن يأكل شيئًا، ثم ارتدى ملابس النوم ودخل إلى فراشه، فيما جرى استدعاء الأطباء لمتابعة حالته.
هيكل يدخل الغرفة
ثم ينتقل هيكل في روايته من موقع الصحفي الذي يتابع الأخبار إلى موقع شاهد موجود داخل غرفة عبد الناصر.
ويقول إنه عندما استُدعي إلى المنزل كان يتصور أن حالة مرضية مشابهة لما تعرض له عبد الناصر من قبل قد عاودته، لكنه فوجئ بالمشهد عندما دخل الغرفة.
وصف هيكل هدوءًا كاملًا يحيط بالفراش، بينما كان الأطباء يبذلون محاولاتهم لإنقاذ الرئيس.
ويلتقط في روايته تفصيلًا بالغ الدقة: الضوء المنعكس على دبلة الزواج في يد عبد الناصر، في الوقت الذي كان فيه الموجودون داخل الغرفة ينتظرون نتيجة المحاولات الطبية.
وكان من الموجودين، وفق روايته، شعراوي جمعة وسامي شرف ومحمد أحمد، ثم وصل علي صبري وحسين الشافعي وأنور السادات والفريق أول محمد فوزي.
المحاولات الأخيرة لإنقاذه
روى هيكل أن الأطباء واصلوا التدليك الصناعي للقلب واستخدموا الصدمات الكهربائية في محاولة لإعادته إلى العمل.
ويقول إنه ظل يراقب المحاولات في حالة من الذهول، مرددًا الدعاء بينما كانت دموعه تنزل في صمت.
وبعد تكرار المحاولات، شعر هيكل بأن الأطباء فقدوا الأمل، قبل أن يقول أحدهم إن كل شيء قد انتهى.
هنا لم يعد هيكل يصف مرض رئيس دولة أو خبرًا سياسيًا ينتظر إعلانه، وإنما لحظة النهاية نفسها كما شاهدها داخل الغرفة.
الخبر يخرج من غرفة صغيرة إلى العالم
ولم يُنه هيكل مقاله عند وفاة عبد الناصر، فقد وسع المشهد من غرفة النوم في القاهرة إلى البحر المتوسط والعواصم المحيطة، مستعرضًا كيف وصل نبأ الرحيل إلى إسرائيل والولايات المتحدة ومراكز القرار الدولية.
واختار أن يختم شهادته بصورة أدبية واسعة تجعل موت عبد الناصر حدثًا يتجاوز حدود المكان الذي وقع فيه.
وفي السطر الأخير كتب عبارته التي أصبحت واحدة من أشهر ما كتبه عن عبد الناصر: كان جمال عبد الناصر في حياته أكبر من الحياة، وكان جمال عبد الناصر بعد رحيله أكبر من الموت.













0 تعليق