عندما كنت أتعثر في بدايات الصبا، كان لي قلب نقي، كنت أعرفه. كان يميل إلى الجمال، ويحب حتى النخاع. يمتص الرحيق من كل حديث يسمعه؛ يرى الكلمات لحنًا، والأصوات نغمًا، ويعشق كل قلب يفيض بالحنين، حتى للجمادات.
كان لقلبي أجنحة يطوف بها الأرجاء، يعانق النجمات، ويداعب السحب، ويعلو كالملائكة درجات السماء.
كان لي قلب طفل؛ يغضب سريعًا، ثم يعود أدراجه إلى النقاء. لا يحمل حقدًا ولا أسى. يطوف على كل بيت، يترك أثرًا جميلًا وابتسامة، ويلقي بيديه الصغيرتين قبلة في الهواء.
كان لي قلب يهاجر مع أسراب الطيور، يبني عشًا صغيرًا، ويسقي الجذور العطشى. يستحي إذا ما نظرت إليه صبية جميلة، فيخفض عينيه إلى الأرض، وتتلون وجنتاه بحمرة الخجل.
أقسم، كان هنا بين ضلوعي.
غفوت سويعات، ثم أفقت، فإذا ظلام في صدري المشقوق، ودمي المسفوك، وأضلاع مهشمة.
نظرت فلم أجده.
كان هناك فراغ يملأ الصدر، وصوت نقيق الضفادع، وعواء الذئاب، وأحراش كثيفة يكسوها الظلام. وكانت ورود مذبوحة على الأرض، داستها الأقدام، ودورٌ سكنها الخوف، وشوارع كستها أقدام البغاة.
كنت غريبًا.
لم يكن هذا قلبي.
من رأيتهم يعبثون به؟ أي يد امتدت إليه وانتزعت منه الحب وشعور الجمال؟ أبدلوه في غفلة من نعاس، سرقوه وباعوه في سوق الرقيق، تنقل بين أيدي اللصوص، وتجار العملة، والمرتشين، وأصحاب الجلالة، والصامتين عن الحق، وأبناء الزنا، وبعض رجال الدين والمنافقين، وأساتذة الجامعات بالكوسة، والمحامين المخضرمين في قضايا الدعارة، وصدور المنجمين والمشعوذين، وناشري الأخبار الكاذبة، والمتاجرين بلحوم الصبايا ولحوم اليتامى.
وبعد يأس، طرقت أبواب الضلوع.
نظرت من خلال الضلوع، فرأيت حطام قلب قديم كان يومًا يسكنني. كان يريد الدخول، يحمل لون عينيّ وبقايا عالقة في جدار الصدر المحطم.
لكنه كان غريبًا.
وأردت أن أغسل عاري بطلقة في العمق كي يستريح. كان جريحًا، تنشب مخالب الموت في وتينه، فينزف حتى الفناء.
لم يكن ما رأيت سوى أطلال قلب أنهكته الطعنات، وأنفاسه الأخيرة تتحشرج، تخرج إلى لحد تبحث عن قبر يواري سوءتها تحت التراب.
لعل غرابًا ينبش حفرة، ويلقي بالرماد، ويرفع رأسه بالدعاء، ويقرأ فاتحة الكتاب، ثم يمضي إلى طلل جديد.
يحفر قبرًا، ويلقي بالمئات بلا دعاء.
ليته لم يعد.
ليته لم يعد لأراه وقد مزقته الأيادي الآثمة.
- فتح رداً على حماس: اتهام السلطة بالتلاعب في إجراء الانتخابات لا يخدم مسار الحوار
- خالد دومة يكتب: كان هنا بين الضلوع لكننى لم أجده..
- ذاكرة اليوم.. رحيل عبد الناصر والسادات يتولى حكم مصر
- وزارة الصحة في غزة: 4 شهداء جراء استهداف الاحتلال الإسرائيلي شمالي القطاع وجنوبه
- المتحدث الرسمي باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف: روسيا تمتلك قدرات عسكرية وتكنولوجية تضمن أمنها بشكل موثوق












0 تعليق