يقدم كتاب "الإسكندر.. صناعة إله"، للمؤرخ إدموند ريتشاردسون قراءة جديدة لحياة الإسكندر الأكبر، مستنداً إلى مصادر تاريخية واكتشافات أثرية حديثة، في محاولة للكشف عن شخصية القائد المقدوني بعيدا عن الصورة التقليدية التي رسمتها الأساطير والروايات القديمة.
الكتاب يطرح سؤالا محوريا:
ويطرح الكتاب سؤالاً محورياً حول طبيعة شخصية الإسكندر: هل كان قائدًا عسكرياً استثنائياً غير مجرى التاريخ، أم حاكماً ارتبط اسمه بحملات دموية أودت بحياة أعداد كبيرة من البشر؟
حصار مدينة صور:
ويستهل الكتاب بسرد أحداث حصار مدينة صور عام 332 قبل الميلاد، الذي استمر سبعة أشهر وانتهى بسقوط المدينة التي كانت تعد من أعظم الحصون في العالم القديم، ويشير إلى أن الإسكندر نجح في اقتحام الجزيرة بعد إنشاء ممر بري إليها، ثم أمر بإعدام آلاف من سكانها، حيث صلب نحو ألفي رجل من أهل المدينة، في مشهد يجسد قسوة حملاته العسكرية، وفقا لما تنقله المصادر التاريخية.
ويوضح ريتشاردسون أن الإسكندر، قبل بلوغه السادسة والعشرين من عمره، كان قد توج فرعونا في مصر، واعترف به حاكما لإمبراطورية واسعة في بابل، كما جمع ثروات ضخمة من الذهب والغنائم، وفقا لما ذكره موقع ديلى ميل.
وفي الوقت نفسه، أسهمت حملاته في تأسيس مدن جديدة أصبحت مراكز للتجارة والثقافة وانتقال العلوم، بينما تشير التقديرات التي يستعرضها الكتاب إلى أن نسبة ملحوظة من سكان العالم القديم فقدوا حياتهم نتيجة الحروب التي قادها.
ويتناول التقرير بدايات الإسكندر عندما اعتلى عرش مقدونيا في سن العشرين، بعد اغتيال والده الملك فيليب الثاني. وكانت المملكة آنذاك تعاني من أزمات سياسية وعسكرية واقتصادية، في ظل جيش منقسم وديون متراكمة، الأمر الذي دفع كثيرين إلى التشكيك في قدرة الملك الشاب على الحفاظ على العرش.
غلاف الكتاب
تأثير البيئة الأسرية:
ويرصد الكتاب تأثير البيئة الأسرية في تكوين شخصية الإسكندر، مبينا أنه تلقى تعليمه على يد الفيلسوف أرسطو، الذي أشرف على تعليمه سنوات عدة.
كما يتطرق إلى شخصية والده فيليب الثاني، المعروف بقسوته، وإلى والدته أولمبياس التي ارتبط اسمها بطقوس دينية خاصة، وهو ما ترك أثرا في شخصية الإسكندر ونظرته إلى السلطة.
ويرى المؤلف أن الإسكندر أدرك منذ بداية حكمه أن تثبيت سلطته يتطلب القوة وإظهار الهيبة، لذلك اتجه إلى توحيد مقدونيا بالقوة قبل التوسع خارجها.
وبعد فترة قصيرة من اعتلائه العرش، واجه تمرد مدينة طيبة، فاقتحمها ودمرها بالكامل تقريبا، وأمر بقتل أعداد كبيرة من سكانها وبيع آخرين في أسواق الرق، وهو ما أدى إلى ترسيخ نفوذه داخل اليونان.
ويخصص الكتاب مساحة واسعة لمعركة "إسوس" عام 333 قبل الميلاد، التي واجه فيها الإسكندر الملك الفارسي داريوس الثالث، أحد أقوى حكام العالم القديم آنذاك.
وبرغم التفوق العددي للجيش الفارسي، تمكن الجيش المقدوني من تحقيق انتصار حاسم بفضل تنظيمه العسكري واعتماده على الكتيبة المقدونية المسلحة بالرماح الطويلة، إضافة إلى قدرة الإسكندر على استغلال نقاط الضعف في صفوف خصومه.
وأدى هذا الانتصار إلى انهيار النفوذ الفارسي في مناطق واسعة، لتتوالى بعدها انتصارات الإسكندر، حيث دخل مصر دون مقاومة تذكر، وأُعلن فرعونا، ثم واصل حملاته شرقًا حتى وصل إلى وادي السند، مؤسسًا إمبراطورية امتدت من اليونان حتى حدود الهند.
جوانب الشخصية في حياة الاسكندر:
كما يتناول الكتاب الجوانب الشخصية في حياة الإسكندر، بما في ذلك علاقاته المقربة، وعلى رأسها هيفايستيون، الذي كان رفيقه منذ الطفولة وشارك معه معظم حملاته العسكرية. ويشير المؤلف إلى أن وفاة هيفايستيون شكّلت نقطة تحول في حياة الإسكندر، إذ دخل في حالة من الحزن الشديد أثرت في حالته النفسية خلال الأشهر الأخيرة من حياته.
ويختتم التقرير بالإشارة إلى وفاة الإسكندر في بابل عام 323 قبل الميلاد عن عمر ناهز 32 عاما، بعد إصابته بمرض لا يزال موضع نقاش بين المؤرخين.
وبعد وفاته بدأت إمبراطوريته بالتفكك سريعا نتيجة الصراعات بين قادته، إلا أن تأثيرها الثقافي استمر لقرون، إذ أسهمت الفتوحات في تعزيز التفاعل بين الحضارات اليونانية والمصرية والفارسية والهندية، وظهور العصر الهلنستي الذي ترك بصمة واضحة في تاريخ الفكر والعلوم والعمارة.
شخصية الإسكندر الأكبر :
ويخلص ريتشاردسون إلى أن شخصية الإسكندر الأكبر ستظل من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في التاريخ، إذ تجمع بين الإنجازات العسكرية الواسعة والتأثير الحضاري الكبير، وبين الحملات التي ارتبطت بأعمال عنف ودمار لا تزال محل نقاش بين الباحثين حتى اليوم.

















0 تعليق