يُعد كتاب "تاريخ مصر من خلال مخطوطة تاريخ البطاركة لساويرس ابن المقفع – الجزء الأول" واحدًا من أهم الإصدارات التى تعيد تقديم التاريخ المصرى الوسيط عبر نص أصيل، يجمع بين البعد الدينى والسرد التاريخى والاجتماعي، مستندًا إلى مخطوطة "تاريخ البطاركة" التى تُعد من أبرز مصادر التاريخ الكنسى فى مصر.
ويغطى الجزء الأول من الكتاب فترة زمنية ممتدة تبدأ من القديس مار مرقس، مؤسس الكنيسة السكندرية، وصولًا إلى البطريرك الثامن والعشرين بنيامين الأول، أى من القرن الأول الميلادى وحتى القرن السابع، وهى مرحلة حاسمة شهدت تحولات كبرى فى بنية المجتمع المصري، من الحكم البطلمى إلى الروماني، ثم البيزنطي، وصولًا إلى الفتح العربي.
تاريخ مصر
ويقدم الكتاب، الذى قام بإعداده وتحقيقه عبد العزيز جمال الدين، قراءة تحليلية لمخطوطة ساويرس بن المقفع، أحد أبرز أعلام القرن العاشر الميلادي، والذى لم يكن مجرد ناقل للأخبار، بل مؤلفًا ومترجمًا ومفكرًا شارك فى تشكيل الوعى الدينى والفكرى فى عصره، حيث اعتمد فى عمله على وثائق ورسائل كنسية ومصادر قبطية ويونانية، أعاد صياغتها فى نص تاريخى متماسك.
الكتاب يقدم صورة شاملة عن الحياة فى مصر خلال تلك القرون، من خلال رصد العلاقات بين الدولة والكنيسة، وتأثير القرارات السياسية فى الواقع الدينى والاجتماعي، فضلًا عن تتبع الصراعات العقائدية التى شكّلت ملامح المجتمع المصرى آنذاك.
ويبرز العمل أهمية "تاريخ البطاركة" بوصفه مصدرًا مركزيًا لفهم تاريخ مصر، إذ لا يكتفى بتسجيل الأحداث، بل يكشف عن طبيعة المجتمع، وتحولات الهوية، وكيفية تفاعل المصريين مع السلطة، سواء فى ظل الحكم الرومانى أو البيزنطي، وصولًا إلى مرحلة الفتح العربي.
كما يولى المحقق عناية خاصة بالجوانب العلمية للنص، من خلال تتبع المخطوطات المختلفة، وشرح مصادرها، وإبراز الفروق بينها، بما يتيح للباحثين قراءة أكثر دقة وعمقًا لهذا المصدر التاريخى المهم، ويضعه فى سياق الدراسات الأكاديمية الحديثة.
ويكشف الكتاب، فى فصوله التمهيدية، عن أهمية مصر فى العالم القديم، خاصة فى العصرين البطلمى والروماني، بوصفها مركزًا حضاريًا ودينيًا، وهو ما يفسر الدور الكبير الذى لعبته الكنيسة السكندرية فى تشكيل الفكر المسيحي، وتأثيرها فى محيطها الإقليمى والدولي.
ويؤكد هذا الإصدار أن قراءة التاريخ من خلال النصوص الأصلية، مثل "تاريخ البطاركة"، تتيح فهمًا أعمق للماضي، بعيدًا عن التبسيط أو الاختزال، إذ تكشف عن تداخل الدين بالسياسة، والهوية بالسلطة، فى واحدة من أكثر الفترات ثراءً وتعقيدًا فى تاريخ مصر.
















0 تعليق