موريتانيا: تفتيش وتوقيفات جديدة في ملف «الابتزاز الرقمي» والجدل يتسع إلى حقوق الدفاع وحدود النقد السياسي

منذ 49 دقيقة

عبد الله مولود

نواكشوط – «القدس العربي»: انتقلت متابعة الموريتانيين لملف «مدوني الخارج» التي ينشغل بها الرأي العام الموريتانيا حاليا، من انتظار أسماء الموقوفين إلى التساؤل عن حدود التحقيق نفسه: من ستطاله التحريات المالية؟ وكيف ستُفصل الأموال المرتبطة بأنشطة مشروعة عن تلك التي تشتبه السلطات في اتصالها بالابتزاز؟ وهل تترافق توسعة البحث مع ضمان حقوق الموقوفين؟ أسئلة زادتها إلحاحاً عملية تفتيش محل تجاري وتوقيف إعلامي، بالتوازي مع سجال بين هيئة حقوقية ومحامي إحدى الموقوفات بشأن ظروف الاحتجاز وحق الاتصال بالأسرة والدفاع.
وفي أحدث التطورات الميدانية، فتش عناصر من الشرطة، السبت الثالث من أكتوبر/تشرين الأول، حانوت عبد الرحمن ولد اكماش في سوق المغرب بالعاصمة نواكشوط، واصطحبوه أثناء العملية، بعد أيام من توقيفه ضمن التحقيقات الجارية. وعبد الرحمن شقيق المدون سيدي محمد ولد اكماش، المقيم في الولايات المتحدة، وأحد الوجوه التي يتردد اسمها في الملف، بحكم نشاطه الواسع على فيسبوك وانتقاداته للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني والمقربين منه، ولم تتضمن المعلومات المنشورة عن التفتيش تفاصيل بشأن محجوزات أو نتائج العملية.
وتحدثت تغطيات صحافية عن توقيف نحو عشرة أشخاص منذ الإثنين 28 أيلول/سبتمبر، فيما كانت آخر حصيلة حكومية معلنة قد حددت العدد بستة موقوفين مساء الأربعاء 30 سبتمبر، مع توقع ارتفاعه بتقدم التحقيقات.
ويعكس اختلاف الرقمين، وفق المعطيات المتاحة، توقيت إعلان كل حصيلة ومصدرها، إذ لم يُعرض رقم العشرة باعتباره إحصاءً رسمياً جديداً.
وشملت التوقيفات الإعلامي الحسن لبات، الذي نقلت وكالة الأخبار المستقلة عن مصادر توقيفه في إطار تتبع أموال تصفها الجهات المحققة بأنها متحصلة من عمليات ابتزاز. ولولد لبات نشاط في الجانب التسويقي لتطبيق «بنكيلي» المملوك للبنك الشعبي الموريتاني، غير أن هذه الصفة المهنية وحدها لا تثبت ارتباط التطبيق أو البنك بالممارسات محل الاتهام.
وتضع هذه التطورات مسارات الأموال والعلاقات المهنية في مركز الاهتمام، بعدما ارتبط الملف في التداول العام أساساً ببثوث سياسية يديرها مدونون خارج البلاد. لكن تحديد طبيعة كل تحويل، والغرض منه، ومسؤولية مرسله ومتلقيه، يظل من المسائل التي يتعين على التحقيق إثباتها، بعيداً عن الاستنتاج من القرابة أو المهنة أو الموقف السياسي.
وتقدم الحكومة الحملة باعتبارها مواجهة لمنظومة ابتزاز ممولة. وقال الناطق باسمها الحسين ولد مدو، إن الأنشطة محل التحقيق تشمل إنتاج أخبار زائفة وتوزيعها، والمساس بحرمات الأشخاص، والتهديد للحصول على المال أو شراء الصمت. ووصف هذه الممارسات بأنها تطورت إلى «صناعة» لها أدوات وآليات تمويل، مؤكداً أن البحث يتتبع المحطات التي تمر بها الأموال للوصول إلى المستفيدين والمشاركين.
وبحسب التوضيحات الحكومية، لن يقتصر التحقيق على الموقوفين حالياً، وإنما سيمتد إلى كل من تكشف التحريات صلته بالأنشطة المتهمة، مع تأكيد أن القرابة ليست أساساً للتجريم. وتبقى هذه الرواية عرضاً للاتهامات وأهداف البحث، أما المسؤوليات الفردية فتحتاج إلى أدلة وإجراءات قضائية تتيح للمعنيين الرد والدفاع.
من يدفع ثمن الصمت؟
وفي خضم هذا الجدل، طرح الصحافي البارز دداه عبد الله زاوية أخرى للقضية، مركزاً على مصدر الأموال والغاية من دفعها، إذا ثبت وجودها.
وقال إن الحديث عن تحويلات مالية إلى مدونين في الخارج، والتحقيق في صلتها بعمليات ابتزاز، يطرح سؤالاً موازياً: إذا كان هناك ابتزاز بالفعل، فمن كان يدفع المال لشراء الصمت؟
وحذر دداه عبد الله من التعامل مع الأرقام الكبيرة التي بدأت تتداولها أوساط إعلامية قريبة من السلطة باعتبارها حقائق مثبتة، مشيراً إلى أن التحقيق الرسمي، بحسب ما أعلن حتى الآن، لم يكشف أسماء المشتبه بهم أو نتائجه النهائية، لكنه رأى أن ترك الأرقام جانباً لا يلغي السؤال الأهم: إذا كانت أموال قد دفعت فعلاً، فمن دفعها، ولماذا؟ وما المعلومات أو الملفات التي كان يخشى أصحابها نشرها؟
ويربط الصحافي هذه الأسئلة برواية أخرى متداولة بين مدونين ونشطاء، تتحدث عن صراع بين أجنحة داخل الحكم وتسريبات لملفات فساد إلى مدونين في الخارج، لاستخدامها في تصفية حسابات بين أطراف متنافسة.
ومن هذه الزاوية، قد لا تكون القضية في جوهرها مجرد ابتزاز يمارسه مدونون لمسؤولين، وإنما ملفات داخلية وصلت إلى الخارج ثم تحولت إلى أدوات في صراع النفوذ.
ويضع دداه عبد الله بذلك التحقيق أمام اختبار مزدوج: فإذا كانت المعلومات المتداولة عن الفساد غير صحيحة، فإن كشف حقيقتها يضع حداً للجدل، أما إذا كانت صحيحة، فإن ذلك يفتح سؤالاً حول مصير الملفات التي تتحدث عنها، أما إثبات وجود تحويلات مالية من دون تحديد مصدرها والغاية منها، فلا ينهي القضية، بل يوسع دائرة الأسئلة حولها.
وفي موازاة اتساع التحريات، برز ملف ضمانات الاحتجاز، فقد زار وفد من المرصد الوطني لحقوق المرأة والفتاة، برئاسة فاطمة محمد الأمين انجيان، الموقوفتين أم اتبيبيب اكماش وازوينة باهية، وهما من أسرة سيدي اكماش، واستمع الوفد إلى كل منهما على حدة، وعاين مكان احتجازهما والتقى الطاقم المشرف عليه.
ووفق ما نقله المرصد، أكدت الموقوفتان عدم تعرضهما لضغوط أو سوء معاملة، وأشادتا بظروف الإقامة والإعاشة والرعاية الصحية، كما أفاد الطبيب المشرف باستقرار وضعهما الصحي.
وأعرب المرصد عن تقديره للتسهيلات الرسمية، مع التشديد على احترام آجال الحجز والضمانات الأساسية، وفي مقدمتها الاتصال بالأسرة والمحامين.
غير أن الزيارة لم تُنه اعتراضات الدفاع؛ ففي تدوينة أعقبتها، قال المحامي يعقوب السيف إن موكلته أم اتبيب اكماش أوقفت منذ الاثنين 28 سبتمبر، ونقلت من مدينة امبود داخل البلد، وظلت، بحسب روايته، محرومة من التواصل مع ذويها ومحاميها رغم مرور قرابة أسبوع على توقيفها.
وأضاف أن الدفاع لم يتمكن من الحصول على التجاوب الذي وصفه المرصد بالإيجابي، رغم تعليمات قال إن وكيل الجمهورية أصدرها يوم الأربعاء 30 سبتمبر لتمكين المحامين من التواصل مع موكليهم.
واستند المحامي في اعتراضه إلى المادة 32 من القانون المنظم لمهنة المحاماة والمادة الرابعة من قانون مناهضة التعذيب.
وطالت انتقادات المحامي يعقوب السيف، اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان والآلية الوطنية للوقاية من التعذيب، إذ اتهمهما بالإحجام عن زيارة الموقوفين، معترضاً على اقتصار المعاينة المنشورة على المرأتين دون بقية المحتجزين، كما ذكّر الهيئة الوطنية للمحامين باستقلال المهنة ودورها في حماية الحقوق وتحقيق العدالة.
ويكشف هذا السجال عن مستويين مختلفين للتقييم: ظروف الإقامة والرعاية الصحية التي تناولها المرصد، وإمكان ممارسة حقوق الاتصال والدفاع الذي يثيره المحامي. فالإشادة بالجانب الأول لا تحسم وحدها الخلاف بشأن الثاني، كما أن ادعاءات الدفاع تستدعي رداً محدداً من الجهات المعنية بشأن الإجراءات التي اتخذت فعلياً.
وفي الجانب السياسي، دعت النائب منى بنت الدي إلى توسيع التحقيق ليشمل جميع الأطراف التي تثبت صلتها بالملف، سواء كانوا مدونين أو صحافيين أو مسؤولين أو مسربين للمعلومات.
وتوقعت بنت الدي أن تضم الدائرة شخصيات كبيرة، في موقف يضع شمول التحقيق وعدم استثناء أصحاب النفوذ ضمن معايير الحكم على مساره.
أما النائب بيرام الداه أعبيد، فقد دعا المدونين، في لهجة وصفت بـ»الهادئة»، إلى إبقاء النقد في نطاق الشأن العام وتجنب الخوض في خصوصيات المسؤولين وأسرهم، ووجه الدعوة نفسها إلى أعضاء حركة «إيرا» وأنصارها، لكنه انتقد في موقف آخر الحملة الأمنية والإجراءات المرتبطة بها، بما يعكس تمييزاً بين الدعوة إلى ضبط الخطاب، والموقف من طريقة إدارة التحقيق.
وفي سياق موازٍ، أعلن الدرك توقيف خمسة أشخاص في روصو للاشتباه في انتحالهم صفة ممثلي تطبيق مالي ومحاولة الحصول على رموز التحقق السرية للمستخدمين للاستيلاء على أموالهم.
ولم تتضمن المعطيات المنشورة ما يثبت ارتباط هذه القضية بملف «مدوني الخارج»، ولذلك لا تُضاف توقيفاتها إلى حصيلته، وإن كانت تبرز في المقابل تنوع المخاطر المرتبطة باستخدام الخدمات المالية الرقمية.
وهكذا يتجاوز اهتمام الموريتانيين بالملف متابعة حملة توقيفات إلى اختبار قدرة المؤسسات على حماية السمعة والأموال والحريات في آن واحد.
وستتحدد قيمة التحقيق بما يقدمه من أدلة قابلة للفحص، ومدى شموله لكل من تثبت مسؤوليته، واحترامه حقوق الدفاع، أما استمرار الغموض بشأن مصادر الأموال وطبيعة الاتهامات والإجراءات، فسيُبقي القضية، وفقا لمحللين مختصين، مفتوحة على التأويل السياسي بدل أن يحسمها المسار القضائي.

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق