عاجل
ولي العهد السعودي يهنئ الرئيس السيسي بذكرى انتصارات أكتوبرحالة تصيب واحدا من 4 ملايين.. طفلة هندية تبدو كعجوز بسبب مرض نادرSpaceXSI.. إيلون ماسك يتجه لإعادة تسمية وحدة الذكاء الاصطناعي في سبيس إكسداخل استديو 46.. بليغ المُحب للوطن يصنع على الربابة بغني فى ليلة واحدةالشاعر عبد الرحيم منصور.. حكاية الجندي المجهول وراء أغاني أكتوبرتكريم حورية فرغلى فى حفل افتتاح مهرجان بردية السينمائى دورة خالد صالحبطل من الصاعقة يستعيد ذكريات عملية انتحارية خلف خطوط العدو فى حرب أكتوبرأوقاف جنوب سيناء تنظم قوافل دعوية بالمدارس لتعزيز الوعى الدينى والأخلاقى
الإضافة إلى المصادر المفضلة

رحلة «فلاي دبي» سلاح نتنياهو لترويع الإسرائيليين وذريعة معلّقة فوق طهران والمنطقة تدفع الثمن

منذ 2 يوم

مدريد ـ «القدس العربي»: دقائق معدودة من عمر تحليق طائرة «فلاي دبي» فوق سماء السعودية وفي مسار ملتهب تحولت لأزمة ترقب العالم تداعياتها، وعاشت دول المنطقة كابوساً ذكرها بما جرى من تداعيات بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001، التي استعاد ذكراها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يسعى من سنوات لجر الشرق الأوسط لأتون حرب مدمرة، ويدغدغ مشاعر حليفه دونالد ترامب، الذي يصعد من لهجة خطابه ضد إيران، عشية مفاوضات يقودها الوسيطان العُماني والقطري.
لحظة الثامنة وإحدى وعشرين دقيقة من صباح الأربعاء 30 أيلول/سبتمبر 2026، صباحا، ستكون لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة، بعد أن اهتزت مؤشرات الارتفاع في قمرة رحلة «فلاي دبي» FZ1073. وفي تسع وعشرين ثانية فقط هوت طائرة البوينغ 737 ماكس، وعلى متنها 174 راكباً وفرداً من الطاقم، أكثر من أربعة عشر ألف قدم، غطسة تعادل ارتفاع خمسة أبراج خليفة فوق بعضها.
والرواية الإسرائيلية المتداولة عما جرى خلف الباب المصفح، بين القائد ومساعده، تلف العالم وتتحول لنكتة على المستوى الشعبي، لكن خلف الكواليس تداعيات أكبر وأشمل من تلك الفيديوهات المولدة بالذكاء الاصطناعي عما وصف بالمسرحية البوليوودية.
«القدس العربي» رصدت ما تناوله الخبراء والمحللون، حول القصة التي لم تبدأ بين السحاب، وتنهي بـ«مسرحية» السباك الذي وصفه نتنياهو بـ«الأسد»، مع استشراف مراكز دراسات لتداعياتها على الاستقرار في الشرق الأوسط الذي يعيش على فوهة بركان.
فرئيس الوزراء الإسرائيلي كان قبل ذلك بسبع عشرة ساعة يقف في قاعدة «تل نوف» الجوية أمام الكاميرا ليقول: «لدينا مؤشرات على أن أعداءنا سيحاولون مهاجمتنا قبل الانتخابات». وحين هبطت الطائرة في تبوك شمال غرب السعودية، بدفّة متضررة وقائد مطعون بحسب الرواية الإسرائيلية، التي تفرخت لسيناريوهات متعددة، لم تنتهِ الأزمة بل بدأت تداعياتها المستقبلية.
خلال ساعات قليلة، تحولت مشادة مجهولة الدافع، إلى ورقة في سباق انتخابي إسرائيلي متعادل، ولغم تحت التفاوض بين واشنطن وطهران، واختبار للوساطة العُمانية، وللجسر الجوي الذي تقوم عليه اتفاقات التطبيع. هذا التحقيق يتتبع خيوط الرحلة في أيامها الأولى: كيف تحوّل عراك في الجو إلى رأسمال سياسي؟ ولماذا صمتت الرياض وتحفّظت مسقط، بينما فتحت تل أبيب دفتر «الإيحاء بالذنب».

تسع وعشرون ثانية في الجو

بحسب المعطيات التي سجلتها الرادارات، وبيانات موقع فلايت رادار 24 تُظهر أن الطائرة هوت من 30.875 قدم إلى 16.750 قدم بين 05:22:07 و05:22:36 بتوقيت غرينتش، ثم صعدت بحدة وهبطت مرة ثانية، قبل أن تستقر في 05:33 عند نحو خمسة عشر ألف قدم. لكن الدلالة الأهم حملتها رموز الاستغاثة. في 05:28 بثّت الطائرة رمز الطوارئ العامة 7700. وبعد استقرارها بدقيقتين بدّل من يمسك المقود الرمز إلى 7500، وهو الرمز الدولي لـ«التدخل غير المشروع»، أي الاختطاف. فالرمز لم يُبثّ في ذروة العراك، بل حين صار في القمرة من يستطيع إبلاغ الأرض بطبيعة ما جرى. إنها أول شهادة من الداخل، سُجلت قبل أي مؤتمر صحافي: لا عطل ميكانيكي، بل تدخل من داخل القمرة. وبحسب موقع آير لاين راتينغ المتخصص، كان هذا الرمز ما دفع إسرائيل إلى إرسال مقاتلاتها نحو الطائرة. بحسب مؤشرات متطابقة دخلت الطائرة الأجواء الأردنية للحظات، ثم استدارت نحو تبوك. وهناك أظهرت الصور أن جزءاً من دفّة الاتجاه، وهي السطح المتحرك في زعنفة الذيل الرأسية، مفقود أو متضرر، وأكدت الشركة تضرر الدفة بدون تفاصيل.

لغز الطيار العماني

اللغز الذي ما يزال مجهولا للجميع هو مساعد الطيار الذي سارعت المصادر الإسرائيلية للتأكيد أنه من أصول عُمانية بدون أن تكشف اسمه كاملا، وهو ما زاد من حدة الغموض وانتشار الكثير من النظريات حول الموضوع، في ظل التزام الرياض الصمت حوله، ولم تصدر مسقط بياناً رسمياً.
السيناريو الذي ولد نظريات المؤامرة وتحول لمادة تهكم شعبيا، هو ما جرى في المقصورة، تحديدا مع ظهور الراكب الإسرائيلي يانيف حيون، وهو سبّاك، الذي تحولت تصريحاته لمادة تهكم، مع مزاعمه بدخول قمرة القيادة وخنق المعتدي وشدّ المقود لينقذ الطائرة، مستعيناً بما شاهده في برنامج تلفزيوني عن الكوارث الجوية.
وتلقف دونالد ترامب القصة: الراكب «أمسك العصا وعدّل الطائرة»، مع أن البوينغ تُقاد بمقود لا بعصا، ثم استدرك: «هذه القصة التي سمعتها، لا أعرف إن كانت صحيحة».
هنا تبرز مفارقة الباب المصفح. فمنذ هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 تفرض القواعد الأمريكية والدولية أبواب قمرة تقاوم الاقتحام وتصدّ رصاص الأسلحة الخفيفة وشظايا القنابل. وفي البوينغ 737 يستطيع الطيار في الداخل أن يرفض رمز الدخول الطارئ الذي يعرفه الطاقم، فيتعطل لوح الأرقام فترة من الزمن. الباب الذي صُمم ليحمي الطيارين من الركاب يحمي أيضاً من يسيطر على القمرة من الداخل. باب كهذا لا يُفتح بالأكتاف. وأمامنا روايتان: متحدث باسم نتنياهو قال لرويترز إن القائد فتحه رغم جراحه، وتقارير أخرى تقول إن طاقم المقصورة أدخل رمز الطوارئ، وهو رمز يفتح الباب تلقائياً بعد مهلة ما لم يرفضه أحد من الداخل. أي الروايتين أصح؟ والجواب طبعا في مسجّل أصوات القمرة.

نبوءة تل نوف

في الثالثة وعشر دقائق من بعد ظهر الثلاثاء 29 أيلول/سبتمبر نشر نتنياهو فيديو تل نوف: «لدينا مؤشرات على أن أعداءنا سيحاولون مهاجمتنا قبل الانتخابات… لا تعبثوا معنا، لا الآن ولا أبداً. ذراعنا الطويلة ستصل إليكم في أي مكان». وردّ زعيم المعارضة يائير لبيد بأن نتنياهو «تجاهل كل التحذيرات قبل 7 أكتوبر، والآن، قبل 28 يوماً من الانتخابات، مشغول فجأة بإثارة الذعر».
معسكر نتنياهو يقدّم الحادثة دليلاً على صدق التحذير، وهو يعترف بأن التحذير لم يكن عنها.
لكن المراقبين يعتبرون أن هذه الاستراتيجية عمود مسيرته. فمنذ مقتل شقيقه يوني في عملية عنتيبي عام 1976 بنى صورته خبيراً في مكافحة الإرهاب.
وفي انتخابات 1996 كان حزب العمل متقدماً بنحو عشرين نقطة، فجاءت تفجيرات في الحافلات، التي قتلت 59 شخصاً، لتمحو الفارق، ورفعت حملة آرثر فينكلستين شعار «بيريز سيقسّم القدس»، ففاز نتنياهو بفارق 29.457 صوت فقط. وتكررت الوصفة عام 2015 بإعلان يسأل فيه مقاتل من «تنظيم الدولة» عن طريق القدس فيُقال له «انعطف يساراً»، ثم بتدوينة يوم الاقتراع: «حكم اليمين في خطر الناخبون العرب يتدفقون بكثافة إلى صناديق الاقتراع». واليوم يبدو أشد تمسكاً بالورقة الأمنية: محاكمته بتهم الفساد تعطلت جلساتها مراراً لأسباب أمنية، والبتّ في لجنة تحقيق رسمية في إخفاقاته أُرجئ إلى ما بعد الانتخابات.

حادثة الطائرة التي تحمل
أكثر من مضمون

ويكتسب توظيف الطائرة وزناً مضاعفاً في سباق الانتخابات الإسرائيلية. استطلاع هيئة البث «كان» مؤخرا وضع الكتلتين عند 52 مقعداً لكل منهما. وفي سباق كهذا لا تحتاج الحملة إلى قلب المزاج العام، بل إلى نقل بضعة آلاف من الأصوات.
دراسة كلود بربي وإستيبان كلور، المنشورة عام 2008 في «المجلة الأمريكية للعلوم السياسية»، وجدت أن هجوماً في بلدة ما خلال الأشهر الثلاثة السابقة للاقتراع يرفع دعم اليمين فيها بنحو 1.35 نقطة.
وردّت المعارضة بالذاكرة. قال نفتالي بينيت: «أنت لست تطبيق إنذارات، أنت رئيس الحكومة». وتحت هذا كله عامل أقل ضجيجاً: لجنة الانتخابات صوّتت على شطب «القائمة المشتركة» و«القائمة العربية الموحدة»، والمحكمة العليا لم تحسم الطعون بعد، وإن بقي الشطب غاب عن الحسبة نحو اثني عشر مقعداً قبل أن يُحسب أثر أي طائرة.

طهران في قفص الإيحاء
وتلغيم نافذة التفاوض النووي

حاول بنيامين نتنياهو توزيع ارتدادات الحادثة لخدمة مشروعه في استهداف إيران، وجر حليفه ترامب لقرار الحرب. واختار نتنياهو سلاحاً أنعم من الاتهام وأمكر منه: الإيحاء المفتوح. قال لشبكة CNN: «سنعرف قريباً جداً إن كان لإيران علاقة… نعرف أن إيران ترعى كثيراً من هذا، لكن لا أستطيع الحديث تحديداً عن هذه الحادثة». إيحاء يكفي لصناعة الانطباع، وتحفظ يكفي للتراجع عنه. وتحدث سموتريتش عن «أي دولة أو منظمة إرهابية أرسلته» دون أن يسمّيها.
وخطورة الإيحاء في توقيته، ففي 22 أيلول/سبتمبر جرت في نيويورك محادثات غير مباشرة بين المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وحمل الوسطاء القطريون خطة إيرانية من سبعة أيام تنتهي باستئناف المفاوضات النووية.
وبعد ثلاثة أيام نقلت صحيفة «ذا ناشونال» عن مصادر مطلعة على موقف طهران عرضاً أبعد: تخفيف اليورانيوم عالي التخصيب «ثم نقله إلى طرف ثالث». آخر رقم تحققت منه الوكالة الدولية للطاقة الذرية يعود إلى حزيران/يونيو 2025: 440.9 كيلوغرام مخصبة بنسبة 60 في المئة. والعرض، إن صحّ، تراجع عن توجيه نسبته رويترز إلى المرشد مجتبى خامنئي بألا يغادر المخزون البلاد. وقبل حادثة طائرة فلاي دبي بسويعات، سلّم القطريون عراقجي الرد الأمريكي المضاد، ثم عُرض على مجلس الوزراء الإيراني، في الساعات نفسها التي كانت فيها الطائرة تهوي فوق شمال السعودية.
قال ترامب بعدها: «علينا أن نقرر: إما أن نفجّرهم أو نعقد صفقة». ونقل موقع «أكسيوس» عن مصادر أن القتال قد يُستأنف بعد الانتخابات الأمريكية النصفية في 3 تشرين الثاني/نوفمبر. وفي هذه الحرب نمط يستحق التذكير. في 13 حزيران/يونيو 2025 ضربت إسرائيل إيران قبل يومين من جولة تفاوض كانت مقررة في مسقط، وفي 28 شباط/فبراير 2026 بدأت الضربات الأمريكية الإسرائيلية بعد أقل من 48 ساعة من جولة جنيف التي وصف وزير الخارجية العُماني نتائجها بـ«التقدم الملموس».
يرى خبراء أنه ما من قرائن ثابتة ودامغة تدل على أن حادثة الطائرة مدبّرة. لكن كل نافذة تفاوض في هذه الحرب أُغلقت بعنف، وأي رواية تربط إيران بالطائرة تمنح الراغبين في إغلاق النافذة الحالية ذخيرة جاهزة. وفي القاموس الأمريكي اسم لهذا النوع من الأحداث: «مفاجأة أكتوبر». وشاع المصطلح عام 1980، حين خشيت حملة رونالد ريغان أن يحقق جيمي كارتر إفراجاً عن الرهائن الأمريكيين في طهران قبيل الاقتراع.
وُلد المصطلح إذن من ملف إيراني، والمفاجأة لا تحتاج إلى من يدبّرها، يكفيها من يستثمرها.

معركة نزع الشرعية عن مسقط وحسابات الدوحة

في قلب هذه الحبكة تبرز جنسية مساعد الطيار، وهي التفصيل الأقل حضوراً في التغطية والأخطر في السياسة.
فعلى أرض عُمان بدأت عام 2013 القناة الخلفية بين واشنطن وطهران التي أنتجت الاتفاق النووي، وفي 2025 رعت مسقط خمس جولات تفاوض، وفي 2026 جولتين أخريين.
ودفعت ثمن حيادها من الجهتين، حتى إن ترامب هددها علناً: «عُمان ستتصرف مثل الجميع، أو سنضطر إلى تفجيرهم». ومع ذلك كان ترامب نفسه يأمل لقاءً أمريكياً إيرانياً في صلالة. ويضاعف وقعَ الجنسية أن عُمان ظلت من أقل دول المنطقة تسجيلا لنشاط الحركات المتطرفة، ولم تعرف أول هجوم في تاريخها الحديث إلا في صائفة 2024، حين قتل ثلاثة إخوة عُمانيين ستة أشخاص في مسجد بحي الوادي الكبير في مسقط، وتبنّى «تنظيم الدولة» الهجوم، بحسب معهد واشنطن.
أما وصف المتهم بأنه «متطرف» فيستند حتى الآن إلى مزاعم زميل تحدث للتلفزيون الإسرائيلي.
وسارعت وزيرة المواصلات ميري ريغيف إلى البناء على الجنسية، فأوقفت رحلات «فلاي دبي» ستة أيام، مستندة إلى بند يشترط أن يكون الطيارون من دول طبّعت مع إسرائيل. مصدر البند مسؤول في وزارتها لم يُذكر اسمه، ولا أثر له في اتفاق الطيران المنشور بين البلدين عام 2020، الذي يجيز للشركات، بحسب قراءة موقع «ذا برينت» الهندي لنصه، الاستعانة بموظفين «من أي جنسية». والخطر أن يتحول فعل فرد إلى تهمة لدولة وسيطة. فمن يريد إضعاف المسار العُماني يجد الآن مادة جاهزة: الوسيط الأقدم بين واشنطن وطهران يحمل المتهم جواز سفره. ولا تهديدات الأطراف التي تسعى لوأد خيوط الوساطة عند مسقط، فقطر هي صندوق البريد الحالي، حيث تنشر أطراف إسرائيلية مزاعم، سفهتها الدوحة.

شريان التطبيع وصمت الرياض

منذ بدء الحرب على إيران في 28 شباط/فبراير 2026 يمنع جهاز الشاباك الشركات الإسرائيلية من الطيران إلى دبي، فصارت «فلاي دبي» الرابط الأساسي بين البلدين. نقلت ما يقترب من مليون مسافر من إسرائيل وإليها عام 2025، أي نحو 4.3 في المئة من الحركة الدولية في مطار بن غوريون، وسيّرت منذ أكتوبر 2023 أكثر من 1.800 رحلة ولم تلغِ إلا 77. أدارت أبو ظبي الأزمة بلغة المؤسسات: النائب العام حمد سيف الشامسي شكّل فريق تحقيق، و«فلاي دبي» علّقت رحلاتها إلى إسرائيل حتى انتهاء التحقيق. في المقابل أعلن ديوان نتنياهو أن إسرائيل ستتحقق من هوية كل طيار يدخل أجواءها. هذا المطلب يصطدم بنموذج الطيران الخليجي. وتقول «فلاي دبي» إن موظفيها، وهم أكثر من ستة آلاف، ينتمون إلى 140 جنسية. و«تايمز أوف إسرائيل» نفسها نقلت أن إسرائيل لا تستطيع فرض جنسية طياري الشركات الأجنبية. فإن قبلت دبي فرز طواقمها بجوازات سفرهم، تكون قد نقلت معايير الشاباك إلى جداول المناوبة في شركة وطنية.
لكن في الأزمة فرصة لطرف آخر. فحظر الشركات الإسرائيلية سببه، بحسب موقع «كالكاليست»، انتظار اتفاق مع الإمارات ينظّم أمن الطيران، وبعد الحادثة أبدى المسؤولون الإماراتيون استعداداً لحل المسألة. وأعلنت «العال»، بحسب رويترز، نيتها تسيير رحلتين يومياً على الأقل إلى دبي ابتداءً من تشرين الثاني/نوفمبر، رهناً بالموافقات. ويخلص المراقبون أن الطائرة التي هزّت الجسر الجوي قد تعيد بناءه بشروط إسرائيلية.
السلطات السعودية تحتجز مساعد الطيار وتستجوبه، ولم يصدر عنها غير بيانات مطار تبوك. لكن صمتها لا يعني غيابها، فالقانون الدولي هو الذي يوزّع الأدوار. اتفاقية طوكيو لعام 1963 تلزم الدولة التي تهبط فيها طائرة بعد اعتداء على متنها باحتجاز المشتبه به وإجراء تحقيق أولي، ثم إخطار دولة تسجيل الطائرة ودولة جنسية المحتجز، أي الإمارات وعُمان. وعلى أساس التسجيل أعلنت الخارجية الإماراتية أن «القانون الإماراتي يسري على الجرائم المرتكبة على متن الطائرة، حتى لو وقعت خارج الأراضي الإماراتية»، ونقلت «تايمز أوف إسرائيل» عن مسؤول إسرائيلي أن المتهم سيُسلَّم إلى الإمارات بعد التحقيق السعودي. أما إسرائيل، التي كان أغلب الركاب من مواطنيها، فخارج هذه الخريطة. فهي ليست طرفاً في بروتوكول بكين لعام 2010 لمكافحة الاستيلاء على الطائرات، الذي تلتزم به السعودية والإمارات وعُمان، ولا يمنحها التحقيق الفني مقعداً تلقائياً لأن الركاب لم يُصابوا إصابات خطيرة بحسب الشركة. يبقى لها أن تدّعي اختصاصاً بموجب قانونها الوطني.
وإذا عدنا قليلا نجد أنه في آب/أغسطس 2023 هبطت طائرة لـ«طيران سيشل» تقلّ 128 إسرائيلياً اضطرارياً في جدة، فاستضافتهم السعودية. وبين جدة وتبوك تغيّر كل شيء في المنطقة، إلا أن الرياض ما زالت تستقبل الإسرائيليين العالقين من دون علاقات دبلوماسية، ومن دون أن تمنح أحداً منصة.

بين وهم مدريد 2004
وشبح خليج تونكين

أثارت حادثة طائرة «فلاي دبي» ذاكرة المتابعين لحوادث مشابهة، وعادوا إلى مدريد، وذكرى 11 آذار/مارس 2004. قبل ثلاثة أيام من الانتخابات العامة فجّر متطرفون قطارات الضواحي، فقُتل 191 شخصاً. سارعت حكومة خوسيه ماريا أثنار إلى نسبة الهجوم إلى منظمة «إيتا» الباسكية، وتبنّى مجلس الأمن في اليوم نفسه القرار 1530 الذي حمّل «إيتا» المسؤولية خطأً. كان الحزب الشعبي متقدماً في الاستطلاعات، وحين اتضح أن الفاعلين متطرفون عاقب الناخبون الحكومة، وفاز الحزب الاشتراكي. لم يعاقب الإسبان التطرف وحده، بل عاقبوا ما رأوه توظيفاً حكومياً له. والعودة بين ما جرى في مدريد 2004 وفي تل أبيب 2026، تكمن ملاحظة مهمة، وهي أن حكومة أثنار سمّت فاعلاً جاهزاً في الساعات الأولى، وتمسكت به حتى ثبت خطؤه، فدفع حزبها الثمن في الصناديق. أما نتنياهو فلا يسمّي أحداً، بل يترك اسم إيران معلقاً بين «سنعرف قريباً» و«من المبكر القول». الإيحاء أقل كلفة من الاتهام: يحصد أثر الخوف، ولا يترك وراءه رواية يمكن تكذيبها إن كشف الصندوقان الأسودان دافعاً نفسياً أو شخصياً.
وفي التاريخ الأمريكي درس معاكس. في آب/أغسطس 1964 تحدثت واشنطن عن هجومين فيتناميين على المدمرة «مادوكس» في خليج تونكين، والهجوم الثاني لم يقع أصلاً، كما تثبت وثائق رُفعت عنها السرية لاحقاً. ومع ذلك مرّ قرار الكونغرس دون صوت معارض واحد في مجلس النواب، وفتح الطريق لحرب قُتل فيها أكثر من 58 ألف أمريكي.
والطيران تحديداً صنع سياسات عقود. بعد تفجير طائرة «بان أم» فوق لوكربي عام 1988 فُرض على ليبيا حظر لم يُرفع نهائياً إلا عام 2003. وحين أُسقطت الطائرة الماليزية MH17 فوق أوكرانيا عام 2014 فُرضت على روسيا عقوبات قطاعية بعد ثلاثة عشر يوماً. الحادثة الجوية كثيراً ما تُسرّع قراراً كان ينتظر ذريعة.

طائرة وقمرة قيادة
وسيناريوهات للشرق الأوسط

يرى الخبراء أن مستقبل حادثة طائرة فلاي دبي، تحكمه ثلاث ساعات تدقّ في وقت واحد. ساعة الصناديق الإسرائيلية تشير إلى موعد الانتخابات المقبلة والحاسمة. وساعة المحققين لن تُصدر تقريرها الأولي، وفق المهلة المعتادة في قواعد منظمة الطيران المدني الدولي، قبل نهاية الشهر الحالي، أي بعد أن تكون الصناديق قد قالت كلمتها. أما ساعة واشنطن وطهران فتنتظر ما بعد 3 تشرين الثاني/نوفمبر. والخطر أن تُحسم الأولى قبل أن تتكلم الثانية، وأن تُستعمل لدفع الثالثة نحو الانفجار. المسار الأرجح أن تهيمن السردية الأمنية ثم تبرد: تبقى الحادثة وقوداً لخطاب «حذّرتُ وصدقتُ» حتى مساء الاقتراع، ثم يخفت الخطاب بدون تصعيد عسكري مرتبط بها مباشرة. المسار الثاني ارتداد على طريقة مدريد: إن كشف التحقيق دافعاً شخصياً لا صلة له بأي توجيه خارجي، يتحول الاستثمار إلى عبء تتلقفه معارضة مهيأة لذلك. المسار الثالث يسير بالتوازي: إعادة ضبط أمنية لا قطيعة. ينتهي تعليق الرحلات بعد أسابيع، مع فحص لهويات الطيارين، وتعود الشركات الإسرائيلية إلى دبي بشروط الشاباك، وتسوّي أبوظبي الأمر بصمت. المسار الرابع هو الأقل احتمالاً والأعلى كلفة: كرة الثلج. يتسرب من الاستجواب ادعاء بتوجيه إيراني قبل أي نتائج فنية، فيصير ذريعة في لحظة يتعثر فيها التفاوض. وقد حذّر السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل دانيال شابيرو، في تحليل للمجلس الأطلسي، من أن أهداف الحرب الأمريكية والإسرائيلية تتباعد، وأن إسرائيل قد تتحرك منفردة.

المنطقة على وقع
ارتدادات حادثة الطائرة

هبطت الطائرة بسلام في تبوك، لكن الحادثة لم تطو كل فصولها، وارتداداتها ما تزال معلقة بحسب نبض تصريحات دونالد ترامب، واتصالات بنيامين نتنياهو وتقاريره التي يرسلها للبيت الأبيض وكان منها سيناريو استهداف طهران لنزيل البيت الأبيض خلال تواجده في أنقرة قبل أشهر خلت وعودته في طائرة مختلفة دون تمحيص لتلك المزاعم التي تجد من يسمعها في واشنطن. وفي الأخير الرواية النهائية، ما زالت تحلّق فوق صناديق إسرائيلية متعادلة، وفوق طاولات تفاوض في مسقط والدوحة يتنازعها من يريد صفقة ومن يريد ذريعة، وعواصم المنطقة تحبس أنفاسها في انتظار ما ستؤول إليه اتجاهات الرياح من تل أبيب وارتداداتها.

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق تحرير اعرف سبورت خبرة في الصحافة الإلكترونية وإعداد وتحرير التقارير الاقتصادية، وفي صياغة المحتوى وفق معايير تحسين محركات البحث (SEO) يتابع الحدث لحظة وقوعه ويتابع كافة أخبار مصر والعالم العربي علي مدار 24 ساعة بدقة وإحترافية

تابعوا آخر الأخبار العربية والعالمية، وآخر المستجدات السياسية والاقتصادية والرياضية أولًا بأول عبر جوجل نيوز

أخبار ذات صلة