الخطوة لم تعد مجرد فكرة نظرية، إذ اتفق لبنان وسوريا على استكمال الدراسات الفنية والاقتصادية للمشروع، بعدما أجرى وفد فني سوري جولة ميدانية على المسار الممتد من مرفأ طرابلس باتجاه الحدود، مروراً بمحطة العكاري، فيما تشمل المرحلة المقبلة بحث الجدوى الاقتصادية والكلفة ومصادر التمويل وآلية التنفيذ. ويبلغ طول القسم اللبناني من المسار نحو 35 كيلومتراً.
من سكة قديمة إلى ممر اقتصادي
أهمية المشروع لا تكمن فقط في إعادة القطار إلى السكة، بل في الوظيفة الاقتصادية التي يمكن أن يؤديها. فربط مرفأ طرابلس بالسكك السورية يعني، نظرياً، تحويل المرفأ من منشأة تخدم السوق اللبنانية أساساً إلى جزء من ممر للنقل والشحن يمتد إلى الداخل السوري، مع إمكانية ربطه لاحقاً بشبكة أوسع.
وتبرز هنا أهمية حمص باعتبارها عقدة أساسية في شبكة السكك السورية، فيما ترتبط الشبكة السورية بمرافئ ومناطق اقتصادية ومدن داخلية. وتظهر التطورات الأخيرة في سوريا أن خط حمص–طرطوس، على سبيل المثال، يخضع لأعمال صيانة وتأهيل بلغت نسبة تنفيذها نحو 85 في المئة، مع استمرار تشغيل الخط لنقل البضائع. وهذا يعني أن الجزء السوري من الربط ليس منفصلاً عن عملية أوسع لإعادة تأهيل شبكة السكك.
وبالنسبة إلى لبنان، يمكن لهذا الربط أن يمنح مرفأ طرابلس امتداداً برياً نحو الداخل، ويتيح نقل الحاويات والبضائع بالقطار بدلاً من الاعتماد الكامل على الشاحنات، ما يخفف الضغط عن الطرق ويخفض، في بعض الحالات، كلفة النقل واستهلاك الوقود.
ماذا يستفيد الاقتصاد اللبناني؟
الفائدة الأولى المحتملة تتمثل في تعزيز دور مرفأ طرابلس. فالمرفأ يستطيع، في حال تأمين الربط السككي، أن يصبح نقطة دخول وخروج للبضائع إلى سوريا، وأن يستفيد من حركة الترانزيت، بدلاً من أن تبقى البضائع محصورة بالسوق اللبنانية.
وهنا تكتسب المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس ومشاريع تطوير شمال لبنان أهمية إضافية، إذ يمكن أن يتكامل المرفأ والسكك والمنطقة الاقتصادية في منظومة لوجستية واحدة. كما أن خطط تطوير مطار القليعات تفتح نظرياً الباب أمام نموذج نقل متعدد الوسائط يجمع المرفأ والسكك والطيران في منطقة واحدة.
أما الفائدة الثانية فتتصل بكلفة النقل. فالقطار قادر على نقل كميات كبيرة من البضائع في رحلة واحدة، الأمر الذي يمكن أن يقلل الحاجة إلى أعداد كبيرة من الشاحنات، ويخفف استهلاك المحروقات والازدحام على الطرق، فضلاً عن تقليص الأعباء المرتبطة بالصيانة والحوادث والتلوث.
وكان وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني قد شدد، خلال إطلاق إطار دراسة إحياء الخط، على ضرورة احتساب الكلفة الاقتصادية غير المباشرة للنقل، بما فيها هدر الوقت واستهلاك الوقود والحوادث والتلوث وتراجع الإنتاجية، مشيراً إلى أن مشاريع النقل العام يمكن أن تولد عوائد اقتصادية تتجاوز الاستثمار المباشر فيها.
طرابلس قد تستعيد دوراً إقليمياً
المسألة الأوسع هي أن المشروع قد يعيد وضع طرابلس على خريطة النقل الإقليمي.
فالمرفأ الذي يمتلك موقعاً جغرافياً قريباً من سوريا يمكن أن يتحول، في حال اكتمال الربط، إلى بوابة بحرية للبضائع المتجهة إلى الداخل السوري، وربما إلى أسواق أبعد في حال توافرت شبكة نقل واتفاقات عبور مناسبة.
وهذا تحديداً ما يجعل المشروع مختلفاً عن مجرد إعادة تأهيل خط سكك لبناني. الهدف الاقتصادي الحقيقي هو خلق ممر بحري–بري متكامل: سفينة تصل إلى طرابلس، حاويات تنتقل إلى القطار، والقطار يعبر الحدود باتجاه حمص، ومن هناك يمكن توزيع البضائع عبر شبكة النقل السورية.
لكن هذه الصورة تبقى مشروطة بحجم التجارة الفعلي وبقدرة المرفأ على جذب حركة شحن منتظمة.
عقبات كثيرة تعيق التنفيذ الكلفة
أكبر الأسئلة المطروحة تتعلق بالكلفة.حتى الآن، لم تُحسم بصورة نهائية الكلفة الاستثمارية للمشروع، ولا الجهة التي ستتحمل تمويل إعادة تأهيل الخط والمنشآت والإشارات والتجهيزات والعربات، فضلاً عن كلفة التشغيل والصيانة.
ولهذا السبب يصر الجانب اللبناني على استكمال دراسة الجدوى قبل الانتقال إلى التنفيذ، فيما طُرحت سابقاً فكرة إشراك القطاع الخاص من خلال الشراكة بين القطاعين العام والخاص، خصوصاً أن مشاريع السكك تحتاج إلى استثمارات كبيرة ولا يمكن التعامل معها كعملية صيانة عادية.
الجاهزية الفنية
إعادة تشغيل خط متوقف منذ عقود لا تعني ببساطة وضع قطار على القضبان.فالخط يحتاج إلى فحص شامل للبنية التحتية، وتأهيل الجسور والعبارات والمحطات، وتجديد القضبان حيث يلزم، وإعادة تجهيز أنظمة الإشارات والاتصالات والسلامة، فضلاً عن تأمين القاطرات والعربات وأنظمة التشغيل.
والأهم أن الربط اللبناني لن تكون له قيمة تجارية فعلية إذا كان الطرف الآخر غير قادر على استقبال حركة قطارات منتظمة. لذلك فإن مستوى جاهزية الشبكة السورية يشكل جزءاً أساسياً من دراسة المشروع، وليس تفصيلاً منفصلاً.
الحدود والجمارك
حتى لو أصبح الخط جاهزاً فنياً، يبقى السؤال الأصعب: كيف ستعبر الحاويات والبضائع الحدود؟
تشغيل قطارات شحن دولية يحتاج إلى ترتيبات واضحة تتعلق بالتخليص الجمركي، والتفتيش، والأمن، والوثائق، ومسؤوليات كل دولة، وآلية التعامل مع الحاويات، فضلاً عن تحديد الجهة المشغلة للخط.أي أن نجاح المشروع يحتاج إلى اتفاق لبناني–سوري تفصيلي لا يكتفي بالموافقة السياسية على إعادة الربط، بل يحدد قواعد التشغيل التجاري اليومية.
الاستقرار السياسي والأمني
السكك مشروع طويل الأمد، بينما الحدود اللبنانية–السورية بقيت لسنوات عرضة للتوترات والتطورات الأمنية والسياسية.
ومن منظور المستثمر أو شركة النقل، لا يكفي أن يكون الخط جاهزاً هندسياً؛ المطلوب ضمان استمرارية التشغيل. فأي توقف متكرر بسبب إغلاق الحدود أو التوتر الأمني يمكن أن يفقد المشروع جزءاً كبيراً من جدواه التجارية.ولهذا السبب فإن الاستقرار على خط طرابلس–الحدود–حمص سيكون عاملاً أساسياً في جذب أي استثمار خاص إلى المشروع.
هل توجد بضائع كافية؟
السؤال الاقتصادي الأكثر أهمية ربما ليس: هل يمكن بناء السكة؟ بل: هل توجد حركة تجارية كافية لتشغيلها بصورة مربحة؟
فالقطار يحتاج إلى أحجام شحن منتظمة، وإلا تحولت البنية التحتية إلى مشروع مكلف قليل الاستخدام.وتحتاج دراسة الجدوى بالتالي إلى تحديد حجم البضائع المتوقع انتقالها من مرفأ طرابلس إلى سوريا، ونوعيتها، وكلفة نقلها بالقطار مقارنة بالشاحنات، إضافة إلى قدرة المرفأ على جذب خطوط ملاحية وحاويات جديدة.
وهنا تدخل المنافسة الإقليمية أيضاً، إذ إن مرفأ طرابلس لن يعمل في فراغ، بل ضمن بيئة تضم مرافئ لبنانية وسورية وتركية، فضلاً عن طرق برية وممرات لوجستية إقليمية أخرى.
فرصة اقتصادية ولكن بشروط
عودة الحديث عن سكة طرابلس–حمص تحمل فرصة للبنان لاستعادة جزء من بنيته التحتية المفقودة، وتحديداً في مجال النقل العام والشحن والربط الإقليمي. لكنها ليست مشروعاً يمكن اختزاله في إعادة تأهيل بضعة كيلومترات من السكك.
نجاحها يحتاج إلى مرفأ قادر على استقطاب الشحن، وسكة جاهزة وآمنة، وحدود تعمل بكفاءة، واتفاقات جمركية واضحة، وشبكة سورية قابلة للربط، وتمويل مستدام، وحجم تجارة يبرر الاستثمار.
ومن هنا تأتي أهمية المرحلة الحالية: فلبنان وسوريا انتقلا من الحديث السياسي العام عن إعادة الربط إلى استكمال الدراسات الفنية والاقتصادية وتحديد الكلفة والتمويل وآلية التنفيذ.
وبمعنى آخر، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت سكة طرابلس–حمص فكرة جذابة، بل ما إذا كان بالإمكان تحويلها من خط تاريخي متوقف إلى ممر اقتصادي قابل للحياة.
وهذا هو الاختبار الحقيقي الذي ستجيب عنه دراسة الجدوى المنتظرة.
- بالصور..الخضر يشرعون في التحضيرات لمواجهة النيجر وديا
- وزير فرنسي: أكثر من 5000 معتقل خلال احتجاجات المدارس هذا الأسبوع
- سطيف.. وفاة شابين وإصابة 6 آخرين في اصطدام تسلسلي بحمام السخنة
- أكثر من 100 ألف مهاجر قانوني في أمريكا يفقدون تغطية الرعاية الصحية
- إيطاليا تخطف تعادلا ثمينا على أرض فرنسا بدوري الأمم الأوروبية









0 تعليق