ليبيا تتحول إلى ساحة تنافس بين روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا

منذ 30 دقيقة

نسرين سليمان

طرابلس – «القدس العربي»: بينما تتواصل التحركات السياسية والدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الانقسام الليبي والدفع نحو تسوية تقود إلى مؤسسات موحدة وانتخابات وطنية، يعود ملف الوجود الأجنبي ليفرض نفسه بقوة على المشهد، بعد تقرير فرنسي جديد اعتبر أن ليبيا أصبحت ساحة تتقاطع فيها مصالح روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا، في امتداد متزايد للصراع الدولي إلى الأراضي والمياه الليبية.
وسلطت جريدة «كورييه إنترناشيونال» الفرنسية الضوء على تصاعد هذا التنافس، معتبرة أن التحركات العسكرية الأخيرة تكشف أن ليبيا لم تعد فقط ساحة نفوذ إقليمي، بل باتت جزءا من مواجهة أوسع ترتبط بالحرب الروسية الأوكرانية، والتنافس على البحر المتوسط وأفريقيا ومنطقة الساحل.
وفي قلب هذه التطورات، برز وصول قافلة بحرية روسية إلى ميناء طبرق شرقي ليبيا خلال سبتمبر الجاري. ووفق وكالة «نوفا» الإيطالية وتحليلات مجموعات متخصصة في الاستخبارات مفتوحة المصدر، أظهرت صور التقطها القمر الصناعي «سنتينل-2» في 13 أيلول/سبتمبر سفينة الشحن الروسية «أناستاسيا» داخل الميناء، فيما ظهرت «يوري أرشينيفسكي» قرب مدخله، والسفينة العسكرية «ألكسندر شابالين» في عرض البحر.
وأشارت التحليلات إلى أن السفن حملت مركبات مدرعة وشاحنات ومعدات لوجستية، من دون صدور إعلان رسمي روسي أو ليبي يوضح طبيعة الشحنة أو الجهة النهائية المستفيدة منها.
ويمنح وصول القافلة إلى طبرق أهمية إضافية للشرق الليبي في الحسابات الروسية، خصوصا في ظل تقارير متكررة عن استخدام موسكو عددا من القواعد الجوية الليبية لدعم حضورها العسكري واللوجستي في أفريقيا. وتطرح التحركات الأخيرة احتمال أن تصبح ليبيا مركزا أكثر أهمية بالنسبة إلى روسيا لربط البحر المتوسط بمنطقة الساحل والسودان، في وقت اضطرت فيه موسكو إلى إعادة ترتيب جانب من انتشارها الإقليمي بعد التحولات التي شهدتها سوريا.
ويشير التقرير الفرنسي إلى أن ميناء طبرق يمكن أن يمثل جزءا من بديل لوجستي أوسع عن الاعتماد الروسي التقليدي على طرطوس السورية، مستندا إلى موقع ليبيا الجغرافي وقربها من طرق تمتد جنوبا نحو تشاد والنيجر ومالي والسودان.
لكن الغرض النهائي من المعدات التي وصلت إلى طبرق لا يزال غير معلن، فيما طرحت تقارير احتمالات متعددة، بينها استخدامها لتعزيز الانتشار الروسي داخل ليبيا أو نقل جزء منها لاحقا إلى دول الساحل.
وتكتسب هذه التحركات حساسية أكبر بسبب تزامنها مع تقارير عن نشاط أوكراني في غرب ليبيا. وأعاد التقرير الفرنسي تداول معلومات بشأن وجود متخصصين أوكرانيين في تشغيل الطائرات المسيّرة، وربط بعض التقارير بين هذا الوجود واستهداف مصالح بحرية روسية.
وتظل جوانب من هذه الروايات قائمة على تقارير استخباراتية ومصادر إعلامية وليست إعلانات رسمية ليبية أو أوكرانية، ما يجعل نطاق النشاط الأوكراني الفعلي داخل ليبيا غير واضح حتى الآن.
وبذلك، يصبح الانقسام الجغرافي والسياسي في ليبيا قابلا للاستغلال ضمن صراع دولي يتجاوز حسابات الأطراف الليبية نفسها؛ فروسيا تعزز حضورها في الشرق والوسط والجنوب، في حين تتحدث تقارير عن تحركات أوكرانية انطلاقا من مناطق في الغرب، بينما تحاول الولايات المتحدة بدورها الحفاظ على حضور أمني وعسكري يمنع انفراد موسكو بالساحة الليبية.
وظهر الجانب الأميركي بصورة واضحة خلال مناورات «فينيكس إكسبريس 2026» التي جرت في تونس بمشاركة دولية وتحت تنسيق القوات البحرية الأميركية في أوروبا وأفريقيا. وشملت التدريبات أنشطة للأمن البحري وحماية المنشآت والتعاون في عمليات المراقبة والسيطرة البحرية، كما شاركت قوات أميركية وليبية في تدريبات على الصعود إلى السفن وتفتيشها والسيطرة عليها.
وجاء النشاط الأميركي بالتزامن تقريبا مع رصد القافلة الروسية المتجهة إلى طبرق. كما تحدثت تقارير عن تحليق طائرة استطلاع أميركية قبالة شرق ليبيا بعد وصول السفن الروسية، في مؤشر على المتابعة الأميركية الدقيقة للتحركات العسكرية الروسية في المنطقة، وإن لم يصدر إعلان رسمي يربط الرحلة مباشرة بالقافلة.
ولا تبدو التحركات الروسية في طبرق منفصلة عن مسار بدأ قبل سنوات؛ فالمدينة وميناؤها ظهرا مراراً ضمن تقارير عن وصول معدات روسية، بينما يشكل الانتشار في قواعد شرقي ووسط وجنوبي ليبيا جزءا من شبكة تسمح لموسكو بالحركة بين الساحل المتوسطي والعمق الأفريقي.
ويشير هذا الانتشار إلى أن ليبيا أصبحت عنصرا أساسيا في البنية اللوجستية الروسية في أفريقيا، خصوصا بعد إعادة تنظيم الوجود الروسي في القارة تحت مظلة «فيلق أفريقيا»، الذي حل تدريجيا محل أجزاء من شبكة «فاغنر» السابقة.
وتكتسب قواعد مثل الجفرة والخادم والقرضابية وتمنهنت وبراك الشاطئ ومعطن السرة أهمية خاصة ضمن هذه الشبكة، إذ تسمح بتحريك الأفراد والمعدات نحو جنوب ليبيا ومنه إلى دول الساحل والسودان.
وتأتي هذه التطورات في توقيت تحاول فيه القوى الليبية الدفع نحو تفاهمات سياسية تقلص الانقسام المؤسسي، ما يضع مسألة النفوذ الأجنبي أمام معادلة أكثر تعقيدا. فكلما توسع الوجود العسكري الدولي أو أصبحت الأراضي الليبية جزءا من المواجهة بين موسكو وكييف وواشنطن، ازدادت صعوبة عزل المسار السياسي الداخلي عن الصراعات الإقليمية والدولية.
وهذه المخاوف انعكست أيضا في خطاب رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، إذ شدد على ضرورة بناء علاقات وشراكات خارجية تحافظ على سيادة ليبيا، رافضا تحول البلاد إلى ساحة لتقاسم النفوذ الخارجي.
وقال المنفي إن بلاده تسعى إلى إقامة شراكات استراتيجية متوازنة تحافظ على سيادتها، ولا تقوم على استبدال شكل من أشكال التبعية الخارجية بآخر، كما رفض تحويل ليبيا إلى غنائم تتقاسمها شبكات النفوذ والشراكات المشبوهة.
ويكتسب هذا الموقف أهمية إضافية مع تصاعد المؤشرات على أن الأراضي الليبية لم تعد فقط موضع تنافس بين قوى إقليمية، بل أصبحت جزءا من حسابات استراتيجية أوسع تشمل الأمن الأوروبي، والحرب الروسية الأوكرانية، ومستقبل الوجود العسكري الروسي في أفريقيا.
وفي المحصلة، يكشف التقرير الفرنسي أن التحدي الذي تواجهه ليبيا لم يعد محصورا في معالجة الانقسام بين سلطتين ومؤسسات متنافسة، بل يمتد إلى منع تحول هذا الانقسام إلى مدخل دائم لصراعات القوى الكبرى.
وبين سفن روسية تصل إلى طبرق، وتقارير عن نشاط أوكراني في الغرب، وتعاون عسكري متزايد بين واشنطن وقوات ليبية، تجد البلاد نفسها أمام اختبار جديد يتمثل في الحفاظ على مسار التسوية الداخلية ومنع تحول جغرافيتها الاستراتيجية إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية.

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق