لنتخيل متجرا لمستلزمات الفن، وبدل أن يبيع آلات الموسيقى وأزاميل النحت وفرشاة الرسم، يبيع عوضا عن ذلك الموسيقيين والرسامين والشعراء أنفسهم! في هذه الأجواء السريالية، تضعنا رواية الكاتب والرسام والموسيقي متعدد المواهب البرتغالي أفونسو كروش «هيّا نشتري شاعرا» الذي سبق أن كتبت مقالا عن روايته «الكتب التي التهمت والدي» التي تشترك مع رواية «هيا نشتري شاعرا» في صغر حجمها، وفي الطريقة التي تميزت بها كتابات كروش من إزالة الجدار الوهمي بين الواقع والخيال. فبأسئلة مثل كم يكلف الشاعر؟ وهل نحتاج إلى التنظيف بعده مثل النحاتين؟ يدخلنا الروائي عالما كل ما فيه يقاس بالغرامات والنسب المئوية والسنتيمترات، وتستمد فيه الأشياء قيمتها من عائداتها المادية ويتحول فيها الشعراء إلى حيوانات أليفة وكائنات نادرة لا تحظى بأي تقدير.
منذ بداية الرواية ذات الثمانين صفحة، يضعنا المؤلف في مواجهة الأرقام فنقرأ في أسطرها الأولى «أكلت ثلاثين غراما من السبانخ هذا اليوم، سعر الكيلو باثنين من اليوروهات وثلاثين سنتا، وحسابيا نحتاج يوميا إلى ثلاثين سنتا لكي نحصل على فيتامين ك»، بل حتى ما يتعلق بالمشاعر والعواطف قابل للقياس، فالقبلة تترك على وجوهنا ميليغراما أو ميليغرامين من اللعاب، والعشق يقدر بالنسبة المئوية «أنا عاشق، كم؟ سألتُ، بنسبة 70%» كما جاء في الرواية، ففي هذا العالم الموغل في ماديته تعيش أسرة مكونة من رجل وزوجته وابن وبنت في الثانية عشرة من عمرها، مشكلتها أنها لا تستطيع أن تعبّر مثل الجميع بأرقام دقيقة عن مشاعرها، فتطلب من والدها أن يشتري لها شاعرا، فبضاعة الشعراء الكلام. ونتفاجأ بجواب الأب التلقائي «جيّد لنشتر شاعرا، ولكن ما حجمه؟»، فكل شيء قابل للقياس وجواب الأب ليس بمستغرب، بل هو من ضمن أسئلة الحياة الطبيعية، في عالم لا وجود لأسماء الأشخاص فيه، بل مجرد أرقام، فإحدى صديقات البنت اسمها N7468.1734 وهو اسم تجده بطلة الرواية أكثر بهاء، لأن بعد الفاصلة هناك 4 أرقام.
وكل شيء يخضع لرعاية ما، فدرجات البيت برعاية إحدى شركات الاتصالات، وشراشف السرير برعاية شركة لتصدير الخضروات والفواكه، ورفيقات البنت في المدرسة يلبسن تنانير برعاية شركة مشهورة للتدليك، بل حتى الكلام العادي متأثر بالمادة، فمثلا لأن البنت قصيرة تسميها صديقاتها في المدرسة «الأجر الأدنى»، والجميع يحلف بمامون إله المال والنقود في الأناجيل المسيحية، لذا نجد من العادي في مجتمع مثل هذا أن يباع فيه الشعراء بأبخس الأثمان، فاختارت البنت ووالدها -لأنهما لا يريدان أن ينفقا كثيرا فيشتريا شاعرا بنظارات وهم الأغلى- اختارا واحدا «أخنف وأحدب قليلا ينتعل حذاء جلديا مهترئا، ويمسك بكتاب تحت ذراعه ليس لملابسه رعاية من أي ماركة»، وإمعانا في رسم هذه الصورة المذلة للشاعر أسكناه في ثلاثة أمتار مربعة تحت الدرج، وحين تستهزئ رفيقات البنت بهذا الاقتناء العجيب تبرر لهن ذلك قائلة، «هناك دراسات تؤكد أن الحصول على رسام أو رقاص أو نحات أو حتى شاعر، يساعد على مقاومة الضغط ويخفض الكوليسترول وهو ما يجعلنا مواطنين وموظفين أكثر إنتاجية وأكفاء ومركزين». لأن مجتمعا قائما على المنفعة وحساب الجدوى يرى الشعر من «الأشياء عديمة الفائدة وقليلة الأهمية في ما يتعلق بالنمو الاقتصادي، أو لها قيمة ضئيلة في السوق».
حين يدخل الشاعر المفترض أن يكون شيئا لا قيمة له في حياة العائلة قليل التكلفة، ولكن ترتبك بدخوله حياة الجميع، فالأب يحسب نفقاته، والأم يضطرب نظامها المنزلي والأخ يراقب بسخرية ولا مبالاة، وتتأثر به البنت وحدها فتتخلى عن لغتها شيئا فشيئا وتقترب من لغته، ولنتبين الفرق بين اللغتين، وبين نظرة العالم المادي ونظرة الشاعر، يرى الأب مثلا الطاولة زجاجة مدورة قطرها 37 سنتيمترا، أما الشاعر فيكتفي في وصفها بالجميلة. ورغم التوجس من لغة الشاعر المجازية في البداية إلى درجة أنه حين قال: يمكننا أن نجد قصيدة مستلقية على زجاج النافذة، أجابته البنت: هل بدأت بأكاذيبك؟. تتحول البنت تدريجيا إلى استعمال بعض التعابير المجازية، من دون قصد منها، فتصف أباها بأنها لاحظت الرعب يتسلق وجهه، وتستوقفها الجملة فتتساءل: «يتسلق وجهه! هل بدأت أصير شاعرية؟» كما تعلق على قول الشاعر «الناس يرون الوقت يمر في حين نراه نحن يتوقف، ثانية واحدة تعادل الأبدية» بقولها، «ما أجمل هذا الكلام يا شاعر».
ويهز الشاعر قناعاتها حين يسألها إن كانت تعتقد وجود ترفيه بعيدا عن الأنشطة المربحة، فتجيبه نعم هناك ترفيه فنحن نشاهد برامج مع خبراء اقتصاد ومصرفيين وأصحاب بنوك. وأصبحت تستعمل في كلامها التشبيهات والقوافي والجناس وتقول الشعر بصوت عالٍ، بل استيقظت في أحد الأيام معكرة المزاج فقد كانت بحاجة ماسة إلى استعارة، أو ـ على الأقل ـ تشبيه، وحين انتبهت لهذه التغييرات فيها قالت متحسرة «أدركت أكثر من مرة أنني لم أعد نافعة وأنني أفكر في الأشياء من ناحية جمالها لا غير، ولا أريد أن أعرف قيمتها النقدية أو الوظيفية، صرت غريبة أكثر من اللازم». وهذا التحول يظهر في تفاصيل صغيرة مثل النافذة التي تطل على البحر في نظر الشاعر، فالجدار باق لكن المخيلة توسع نطاق التخيل، ويمتد تأثير الشاعر إلى الأخ الذي أصبح يستعين بكلمات للتعبير عن وجهة نظره، وإلى الأب الذي راجع بعض مسلماته، وبالاعتماد على مجازات الشاعر أنقذ مصنعه من الانهيار، وإلى الأم التي أصبحت تستعمل صورة مؤثرة لوصف التجاعيد، لنصل إلى نتيجة أن الشعر لا يغني عن العمل أو الحساب، ولكنه يغيّر علاقة الإنسان بما يفعله وبمن يعيش معهم.
يختتم أفونسو كروش روايته بفصل أخير عنوَنَه بـ»ما يشبه الخاتمة» وهو فصل مقحم سبق أن ألقاه في مناسبة مختلفة أشبه ببيان في فضل الشعر يرى فيه أن «أبيات الشعر تحرر الأشياء، وحين ندرك شاعرية الحجر فإننا نحرره من تحجّره، ننقذ كل شيء بالشعر». ويتبع ذلك بقوله «الأشياء الأهم في الحياة ليست نفعية بالضرورة» متسائلا، «ماذا يكون شعورنا لو أن صديقنا يقول لنا إنه يتحدث معنا فقط لأنهم دفعوا له من أجل ذلك». ويختتم كروش كتابه بفائدة الاستثمار في الثقافة مع إعطاء مثال تفصيلي بالأرقام عن بلاده البرتغال، ليصل إلى خلاصة بأن العالم الذي يحيط بنا هو نتاج الثقافة، وبأن «المجتمع يكون أفضل إن نحن تخيّلْنا أفضل».
غير أن دفاع كروش عن الشعر لا يخلو من مفارقة تستحق التأمل: فهو يُدخل الشاعر إلى البيت في هيئة سلعة، ثم يُظهر أثره في حياة أفراد الأسرة، حتى في أزمة مصنع الأب. فهل صار الشعر نافعا وفق المقياس الذي تسخر منه الرواية؟ الفارق أن الأب يستطيع حساب ثمن الشاعر، لكنه لا يستطيع أن يطلب منه، عند شرائه، مقدارا محددا من الخيال، أو موعدا لتحوّل ابنته. وما يحدث لها لا يبدأ بحلّ مشكلة كبرى، بل بعبارة تفاجئها على لسانها، وبوقفة أطول أمام شيء كانت تمر به كل يوم. هكذا تُظهر الحكاية أثر الشعر قبل أن يتولى الفصل الأخير الدفاع عنه.
ولعل اختيار فتاة صغيرة لرواية الأحداث هو ما يمنح هذا التحول صدقه، فهي لا تدخل عالم الشاعر مؤمنةً سلفا بقيمته، بل تحمل لغة الأرقام نفسها، وتتعثر بالمجاز، وتسخر منه أحيانا. ثم تتعلم، كلمةً بعد كلمة، أن الأشياء تحتمل أكثر من وصف واحد. وحين تصبح العبارة نافذةً على البحر، لا يختفي الجدار، ولا تنتهي متاعب البيت، لكن الفتاة تكتسب قدرةً على النظر أبعد منه. تلك هي ضرورة الشعر التي تقترحها الرواية: أن يترك في حياتنا متسعا لما لا نستطيع شراءه أو قياسه، وأن يوقظ فينا سؤالا نكاد ننساه ونحن نحسب كل شيء: ماذا نرى، وماذا فاتنا أن نرى؟ وتلك إحدى وظائف الشعر الأساسية في عالمنا الحالي الذي أصبح مشابها لعالم كروش في روايته «هيا نشتري شاعرا».
شاعرة وإعلامية من البحرين

















0 تعليق