في مثل هذا اليوم 28 يونيو 2010، رحل الشاعر الكبير محمد عفيفي مطر، أحد أبرز رموز جيل الستينيات في الشعر العربي، وصاحب تجربة إبداعية متفردة جمعت بين الحداثة والرمزية والبعد الفلسفي، حتى أصبح واحدًا من أكثر الشعراء تأثيرًا في الحركة الشعرية العربية المعاصرة.
ولد محمد عفيفي مطر عام 1935 بقرية رملة الأنجب التابعة لمحافظة المنوفية، ونشأ في بيئة ريفية تركت بصمتها الواضحة على تجربته الشعرية، حيث حضرت الأرض والطمي والنيل والإنسان البسيط في كثير من قصائده، قبل أن يصوغها برؤية حداثية تمزج بين الأسطورة والتاريخ والفكر الفلسفي.
بدأ مسيرته الأدبية بإصدار ديوانه الأول "من دفتر الصمت" عام 1968، وهو في الثالثة والثلاثين من عمره، ليعلن عن ميلاد شاعر يمتلك لغة مختلفة ورؤية شعرية جديدة. وتوالت بعد ذلك أعماله التي رسخت مكانته في المشهد الثقافي العربي، ومن أبرزها "الجوع والقمر" الصادر في دمشق عام 1972، و"ويتحدث الطمي" عام 1977، ورباعية "الفرح" التي صدرت في لندن عام 1990، و"احتفالية المومياء المتوحشة" عام 1992، إلى جانب العديد من الدواوين والدراسات والمقالات النقدية وترجمات الشعر.
ولم يقتصر عطاء عفيفي مطر على كتابة الشعر، بل امتد إلى المقالات الفكرية والنقدية، وكتابة قصص الأطفال، وترجمة النصوص الشعرية العالمية، ليقدم مشروعًا ثقافيًا متكاملًا جمع بين الإبداع والتأمل الفكري.
حصد الشاعر الكبير العديد من الجوائز والتكريمات، أبرزها جائزة الدولة التشجيعية في الشعر عام 1989، وجائزة سلطان بن علي العويس الثقافية عام 1999، ثم جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 2006، كما صدرت أعماله الكاملة عن دار الشروق عام 2000، لتوثق واحدة من أهم التجارب الشعرية في الأدب العربي الحديث.
ووصفه الشاعر الفلسطيني المتوكل طه بأنه شاعر يصنع قصيدة "تضج بالألم والفزع والكوابيس والرؤى المقتولة والأماني المغدورة"، مؤكداً أن تجربته الشعرية اعتمدت على إعادة إنتاج الأسطورة بلغة حداثية وفلسفية جعلته من أكثر شعراء جيله تميزًا واحترامًا.
واتسم شعر محمد عفيفي مطر بالاعتماد على الرموز والأساطير والتراث الإنساني، مع لغة شعرية كثيفة وصور مركبة، وهو ما جعل أعماله تحتاج إلى قارئ متأمل يستطيع النفاذ إلى أعماق النص، بعيدًا عن المباشرة أو السرد التقليدي.
ومن أشهر ما كتبه في ديوانه الأول "من دفتر الصمت" قوله:
"ويا إنسان
بقايا من خشاش الأرض أنت
وشائه الخلقة
يطاردك العساكر والقناديل المسائية..."
وهي أبيات تعكس مبكرًا رؤيته الإنسانية العميقة، وانحيازه للإنسان البسيط في مواجهة القهر والاغتراب.


















0 تعليق