"يحمل سلة مزدحمة بالماضي".. جرجس شكري يضع الذاكرة على خشبة الشعر

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

حضرتُ أمسية لمناقشة ديوان الناقد المسرحي والشاعر الصديق جرجس شكري الذي اختار له عنوان « يحمل سلةً مزدحمةً بالماضي »، فاستمتعت ليس فقط بقصائد الديوان وما تحمله من دهشة وتأمل، وإنما أيضًا بتلك الأصوات النقدية التي اقتربت من عالم جرجس شكري من زوايا متعددة، وكشفت بعضًا من أسرار كتابته، وكان أجمل ما في الأمسية أنها جعلتني أرى جرجس من جديد؛ ذلك الشاعر الذي يمضي إلى الأمام محمّلًا بأنقاض الماضي، يحمل ذاكرته كما لو كانت سلةً لا تكف عن الامتلاء، ويحوّل الفقد والغياب والذكريات إلى شعر مفتوح على أسئلة الإنسان والوجود.


الأمسية الشعرية أقيمت في دار المرايا بمشاركة الدكتور طارق النعمان والشاعرة عزة حسين، وإدارة الدكتورة نجاة علي، وسط حضور كبير من الشعراء والنقاد ومحبي الشعر، ولم تكن الأمسية مجرد احتفاء بديوان جديد، بقدر ما بدت محاولة للاقتراب من عالم شعري تتداخل فيه الذاكرة والزمن والفقد والمسرح واللغة، وتتحول فيه الأشياء اليومية إلى علامات مفتوحة على أسئلة الوجود والإنسان.

 

نجاة علي: جرجس شكري تجاوز فكرة «الجيل».. والكتابة عنده مشروع فردي

بدأت الدكتورة نجاة علي الأمسية مرحبة بالحضور، ومؤكدة أن جرجس شكري يمثل، في تقديرها، واحدة من أهم التجارب الشعرية في تاريخ الشعرية الجديدة، وأن تجربته تجاوزت فكرة الانتماء إلى جيل بعينه، بما في ذلك تصنيفه ضمن جيل التسعينيات، وقالت إن الشعر في الأساس مشروع فردي، ولا يمكن جمع مجموعة من التجارب المختلفة تحت مظلة واحدة لمجرد انتمائها إلى جيل، مشيرة إلى أن كتابة جرجس تنتصر لفكرة الكتابة الفردية التي ترى العالم من خلال ذاتها، وهي، في تصورها، الكتابة الأكثر صدقًا، وأشارت إلى أن ما يمنح كتابة جرجس شكري ثقلها هو الاتكاء على موقف فلسفي عميق في رؤية العالم، وهو ما يفسر استخدامه للتهكم، الذي يحول دون انزلاق الكتابة إلى فخاخ الرومانسية أو الرومانسية المفرطة.

وتوقفت نجاة علي أمام عنوان الديوان « يحمل سلة مزدحمة بالماضي »، معتبرة أنه منذ الوهلة الأولى لا يحمل ذلك الحنين التقليدي الذي يرتبط عادة بالحديث عن الماضي، وإنما يعيد تأمل الماضي من خلال وعي الشاعر ورؤيته الخاصة، ولفتت إلى أن جرجس شكري لا يقول «يستعيد الماضي» أو «يتذكره»، وإنما يحول الماضي إلى شيء محسوس، حين يجعله موجودًا داخل «سلة» يحملها الشاعر.

وأضافت أن الكتابة هنا لا تنطوي على حنين، بل تجعل الماضي عبئًا؛ فالفعل «يحمل» جاء بصيغة المضارع، بما يعني أن الشاعر لا يزال يحمل ماضيه في الحاضر، وأن الماضي تحول إلى شيء ثقيل يرافق صاحبه أينما ذهب، ورأت أن السلة، التي تستخدم عادة لجمع الأشياء ونقلها، تتحول إلى مفارقة شعرية؛ فالماضي لا يمكن نقله إلا داخل الذاكرة، وكأن الشاعر يقول إنه يمضي في الحاضر، لكنه يحمل معه كل ما مضى. كما رأت في حرف الباء في «بالماضي» إيحاءً بالضغط والثقل الواقع على الذاكرة والوعي.

وانتقلت نجاة علي إلى طبيعة البناء الشعري في الديوان، مشيرة إلى أن قارئ الشعر التقليدي قد يصطدم في البداية بكتابة جرجس شكري، لأنها تخالف أفق التلقي المعتاد، لافتة إلى أن الكتابة الجميلة كثيرًا ما تكون هي التي تكسر أفق توقعات القارئ، وأوضحت أن بعض البنى داخل الديوان قد تبدو، ظاهريًا، مفككة، خصوصًا أمام قارئ غير مدرب على تلقي هذا النوع من الأشكال الشعرية، حيث تتتابع الصور أحيانًا من دون علامات ترقيم، بما يوحي بعدم وجود رابط مباشر بينها.
 

عزة حسين: «يحمل سلة مزدحمة بالماضي» عتبة نصية لا يمكن تجاوزها

ومن جانبها، أكدت الشاعرة عزة حسين أن عنوان الديوان يمثل «عتبة نصية» لا يمكن تجاوزها، كونه يرسم منذ البداية لوحة بصرية مزدحمة بالتفاصيل والإحالات المتشابكة، واستعرضت حسين الأقسام السبعة للديوان، مشيرة إلى أن القسم الأول يقدم ستة بورتريهات شعرية لأشخاص ومعانٍ تسكن الحافة، ويجمعها التوق إلى الانعتاق والخروج من برزخ لم تنعم فيه بالراحة أو السكون.
ولفتت إلى أن الشاعر يمزج في هذه البورتريهات بين صوتي المتكلم والغائب، ويجاور بين الزائل والمطلق، والمجرد والمجسد، داخل فضاء مفتوح تحتشد فيه عناصر الدراما، وفي مقدمتها الحوار.
وتوقفت عزة حسين عند القسم الثاني المعنون بـ«صورة جماعية»، وبخاصة قصيدة «الناس في بلادي سعداء»، التي اعتبرتها مفتاحًا مهمًا لقراءة الديوان، وأوضحت أن القصيدة تقدم معارضة شعرية لقصيدة صلاح عبد الصبور الشهيرة «الناس في بلادي»، لكنها تتجاوز الأغراض التقليدية لفن المعارضة، لتتحول إلى حوار نقدي وتهكمي يعيد قراءة النص المؤسس بعيون إنسان الواقع المعاصر المأزوم وشبه العاجز.
ورأت أن قصيدة جرجس شكري تمثل «قراءة عكسية» لقصيدة عبد الصبور؛ فإذا كان عبد الصبور قد كتب عن حزن الناس في بلاده محاولًا كشف عمقه التراجيدي، فإن جرجس شكري يذهب إلى حزن أكثر فداحة، هو السعادة الزائفة التي تأتي بعد أن يبلغ الحزن والعجز حدًا يدفع الإنسان إلى الإنكار والتلهي والعبث.

واختتمت مداخلتها بالإشارة إلى انتماء الديوان إلى النصوص الشعرية الفلسفية، واستحضاره رموز الفلسفة القديمة والحديثة، لكن بوصفها هذه المرة شهودًا على عجز العقل البشري أمام أزمة الواقع، وأكدت أن الديوان يمتلك دسامة فكرية واضحة، إلى جانب امتلاكه أدواته الفنية وحسن توظيفها من دون أن يأتي ذلك على حساب الشحنة الشعرية، بل يسهم في توسيع مفهوم الشعر والكشف عن رحابته وتشابكه مع مجالات عديدة ومختلفة.

 

طارق النعمان: «الفقد» هو التيمة المحورية.. والسلة استعارة لوجود الإنسان

أما الدكتور طارق النعمان، فتناول الديوان بوصفه بناءً شعريًا واحدًا، لا مجرد مجموعة من القصائد المتجاورة، مشيرًا إلى أن الذاكرة والزمن والجسد واللغة والموت والحكاية والمسرح تتفاعل داخله في نسيج واحد.
ورأى النعمان أن رؤية العالم التي يطرحها «يحمل سلة مزدحمة بالماضي» تنبني على تيمة محورية هي «الفقد»، لكنه ليس فقدًا مطلقًا ولا فقدًا يقود إلى العدم، وإنما فقد جزئي يعيش الإنسان معه في عالم من البقايا، ويحاول استعادة ما فقده، فلا يستعيده إلا في صورة شظايا وذكريات وأشباح وكلمات وحكايات.
ومن هنا، كما يرى، تصبح «السلة» أكثر من مجرد استعارة للذاكرة، لتتحول إلى استعارة لوجود الإنسان نفسه.
وأضاف طارق النعمان أن الديوان يقدم رؤية للعالم تقوم على أن الإنسان لا يعيش في حاضر مكتمل، وإنما يعيش محمولًا على أنقاض أزمنة أخرى، فيما يبدو الحاضر مجرد طبقة رقيقة وهشة تخفي تحتها طبقات من الذاكرة والفقد والموت والانتظار، وبهذا المعنى، تصبح «السلة» استعارة مركزية لرؤية عالم مغترب عن حاضره؛ فالإنسان يمضي إلى الأمام، لكنه يحمل معه الأشياء التي لم تعد موجودة، والأشخاص الذين غابوا، والأيام التي انقضت، والكلمات التي فقدت معناها، والأسئلة التي لم تجد إجابات.

وأكد النعمان أن الزمن في الديوان ليس خطًا مستقيمًا، وإنما فضاء متداخل، فالماضي لا ينتهي بانقضائه، بل يعود في صورة أو ظل أو شبح أو حكاية أو شيء صغير، وأشار إلى أن قصيدتي «بعد الميلاد» و«قبل الميلاد» تكشفان هذا الاشتباك الزمني؛ ففي الأولى يحمل الرجل سلة مزدحمة بالماضي، فتأتي إليه الأيام في صور وظلال، بينما ينقلب الزمن في الثانية، وينتقل الصوت إلى عصور أولى، وكأن الذاكرة قادرة على عبور التاريخ في الاتجاهين.
ومن ثم، يصبح العالم الذي يقدمه الديوان عالمًا تتلاشى فيه الحدود بين الحاضر والماضي، والحياة والموت، والوجود والغياب؛ فالميت ليس غائبًا تمامًا، والحاضر ليس حاضرًا تمامًا، كما توقف النعمان عند قصيدة «متحف العدم»، حيث يعود البيت القديم بوصفه مستودعًا للأصوات والذكريات، ليفتح سؤالًا عن الموتى الذين يرقدون بالقرب منه وعن ذلك الذي بناه ذات يوم.

 

جرجس شكري.. مسيرة بين الشعر والنقد المسرحي والسينما

يُذكر أن الشاعر والناقد المسرحي جرجس شكري صدر له عدد من الدواوين الشعرية، من بينها «بلا مقابل أسقط أسفل حذائي»  و«رجل طيب يكلم نفسه» و«ضرورة الكلب في المسرحية» و«والأيدي عطلة رسمية» و«تفاحة لا تفهم شيئًا»  وحصل هذا الديوان على جائزة أفضل ديوان شعر فصحى في معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2013.
ومن أعماله أيضًا «أشياء ليس لها كلمات»،  و«يحمل سلة مزدحمة بالماضي» عن دار آفاق عام 2026. وقد ترجمت أشعاره إلى عدد من اللغات، من بينها الألمانية والإنجليزية والفرنسية والسويدية والهولندية والكاتالونية والسلوفينية والمجرية.
كما صدر له كتاب «لينين الرملي.. رجل المسرح»، وهو دراسة في أعمال لينين الرملي، عن المركز القومي للمسرح عام 2018، ثم صدرت طبعته الثانية عن دار الهلال عام 2020 بعنوان «مغامرة لينين الرملي»، إلى جانب «اللامنتمي»، وهي دراسة في أعمال المخرج المسرحي سمير العصفوري، و" بهيج إسماعيل – الحلم والواقع ومسرح الحياة"
وفي النقد السينمائي صدر له «صانع النجوم.. حلمي رفلة سيرة سينمائية بلا ماكياج» عن دار آفاق عام 2026، كما حصل عام 2020 على الجائزة الأولى في الصحافة الثقافية من نقابة الصحفيين عن " أوراق فاروق عبد القادر المنسية".

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق