المغرب: هل ستجد حكومة «الأصالة والمعاصرة» نفسها أمام معارضة قوية خلافاً لمرحلة أخنوش؟

منذ 48 دقيقة

عبد العزيز بنعبو

الرباط – «القدس العربي»: يبدو أن الحكومة الجديدة المقبلة في المغرب التي سيقودها حزب «الأصالة والمعاصرة» سوف تجد نفسها أمام معارضة قوية رغم اختلاف مرجعيات مكوناتها، لا سيما أمام ضغط ملفات اجتماعية واقتصادية عديدة يمكن أن تجمع بين أطياف الرقابة البرلمانية، من القدرة الشرائية والسياسة الاجتماعية إلى التعليم والتشغيل وتقييم السياسات العمومية.
ويعتبر مراقبون أن «شهر العسل» الذي قضته حكومة عزيز أخنوش طيلة السنوات الخمس من الولاية التشريعية قد انتهى. وخلافاً للمرحلة السابقة التي اتسمت بضعف المعارضة وتشتتها، ومهما كانت تشكيلة الحكومة المقبلة والأحزاب التي ستكوّن أغلبيتها، فإنها ستجد نفسها أمام متغير أساسي، وهو معارضة أقوى ستفرض حضورها داخل البرلمان.
وكانت وزارة الداخلية قد أكدت في بيان جديد النتائج النهائية للانتخابات التشريعية التي جرت في 23 أيلول/سبتمبر 2026، والتي جاءت مطابقة للنتائج الأولوية. ومنحت النتائج الصدارة لحزب «الأصالة والمعاصرة» بـ 97 مقعداً، مقابل 66 لـ «التجمع الوطني للأحرار»، و65 لحزب «الاستقلال»، فيما عاد حزب «العدالة والتنمية» بقوة إلى مجلس النواب (الغرفة الأولى من البرلمان) بـ 54 مقعداً. وحصل «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» على 26 مقعداً، و«التقدم والاشتراكية» على 19 مقعداً، فيما حصل «تحالف اليسار»، الذي يضم «فدرالية اليسار الديمقراطي» و«الحزب الاشتراكي الموحد»، على 8 مقاعد.
وتضع هذه النتائج البرلمان أمام مشهد مختلف عن الدورة التشريعية السابقة، عنوانه الأبرز تراجع هامش «المناورة» أمام الأغلبية وصعود واضح لقوى المعارضة، وفي مقدمتها «العدالة والتنمية». فالأحزاب الثلاثة التي قادت الحكومة السابقة، أي «الأصالة والمعاصرة» و«التجمع الوطني للأحرار» و»الاستقلال»، حصلت مجتمعة على 228 مقعداً من أصل 395، وهي أغلبية تتجاوز العتبة المطلوبة في حال استمرار تحالفها، لكنها أقل من حجم الأغلبية التي ميزت الفترة السابقة، والتي وصلت إلى حوالي 268 مقعداً في نهايتها.
في المقابل، يصل مجموع مقاعد «العدالة والتنمية» و«الحركة الشعبية» و«الاتحاد الاشتراكي» و«التقدم والاشتراكية» و«تحالف اليسار» إلى 136 مقعداً، ويمكن أن يرتفع إلى 153 إذا اختار «الاتحاد الدستوري»، صاحب الـ 17 مقعداً، الاصطفاف في المعارضة. غير أن هذا الاحتمال يبدو مستبعداً، خصوصاً في ظل تحالفه مع حزب «الحركة الديمقراطية الاجتماعية»، الذي حصل على ثمانية مقاعد، بهدف تشكيل فريق نيابي.
لكن الحديث عن المعارضة لا يعني بالضرورة وجود كتلة سياسية موحدة. فالاختلافات بين مكوناتها واضحة، كما أن اليسار نفسه يدخل البرلمان موزعاً بين تجارب حزبية مستقلة. فـ «تحالف اليسار» الذي يضم «فدرالية اليسار الديمقراطي» و»الحزب الاشتراكي الموحد» لا يضم «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» ولا «التقدم والاشتراكية» اللذين خاضا الانتخابات بشكل مستقل. ومع ذلك، يظل التنسيق حول ملفات محددة ممكناً، خصوصاً في القضايا الاجتماعية والاقتصادية والقدرة الشرائية والتعليم والتوظيف، وقد يكون أكثر واقعية من البحث عن تحالف سياسي شامل.
وفي قراءة لهذا التحول، يرى الباحث في علم الاجتماع السياسي عبد الهادي مزراري أن اختيار حزب «العدالة والتنمية» الاصطفاف في المعارضة جاء سريعاً، حتى قبل تعيين رئيس الحكومة الجديد من الحزب المتصدر للانتخابات. وأشار متحدثاً إلى «القدس العربي» إلى أن الأمين العام للحزب عبد الإله بن كيران كان قد أعلن، مباشرة بعد ظهور النتائج الأولية، أنه لا يرى، من وجهة نظره الشخصية، حزب «العدالة والتنمية» مشاركاً في حكومة يقودها حزب «الأصالة والمعاصرة»، قبل أن يحسم المجلس الوطني للحزب موقفه بالاصطفاف في المعارضة.
ويربط مزراري هذا الخيار بعدة اعتبارات، من بينها اختلاف المرجعيتين السياسيتين للحزبين، إذ يصنف «العدالة والتنمية» ضمن التيار الإسلامي، بينما يقدم «الأصالة والمعاصرة» نفسه باعتباره حزباً ذا مرجعية حداثية. كما يشير إلى أن العلاقة السياسية بين الحزبين اتسمت تاريخياً بالتنافس الحاد، وهو ما يجعل مشاركتهما في حكومة واحدة أمراً شديد الصعوبة من الناحية السياسية.
ويضيف الباحث أن النتيجة التي حققها «العدالة والتنمية» تشكل بالنسبة إلى الحزب عودة قوية مقارنة بانتخابات 2021. ويرى أن هذه النتيجة تمنحه، إلى جانب رصيده الانتخابي وشخصياته البرلمانية، حافزاً للبقاء في المعارضة والحفاظ على حضوره بين قواعده، وممارسة دوره السياسي من داخل مجلس النواب.
ويرى مزراري أن وجود «العدالة والتنمية» في المعارضة، إلى جانب أحزاب أخرى ستتضح مواقعها بشكل أكبر مع بدء مشاورات تشكيل الحكومة، يمكن أن يفتح الباب أمام «صحوة برلمانية» تعيد إلى البرلمان جانباً من دوره في الرقابة والنقاش السياسي. ويذهب الباحث إلى أن وجود معارضة قوية داخل البرلمان يمكن أن يدفع الحكومة إلى مزيد من العمل والإنصات والمساءلة، بدل أن تكون أمام وضعية تملك فيها الأغلبية هامشاً واسعاً دون رقابة برلمانية قوية.
ويبرز في هذا المشهد حزب «العدالة والتنمية»، الذي لم يكن يتوفر سوى على 13 مقعداً في انتخابات 2021، قبل أن يعود هذه المرة بـ 54 مقعداً، ليصبح صاحب أكبر تمثيلية بين مكونات المعارضة. وإلى جانبه، تضيف «الحركة الشعبية»، بـ 29 مقعداً، ثقلاً سياسياً وعددياً مستقلاً، فيما يحافظ «الاتحاد الاشتراكي» و»التقدم والاشتراكية»، إلى جانب «تحالف اليسار»، على حضور يساري داخل البرلمان.
وبذلك، فإن التحول الذي أفرزته انتخابات 2026 لا يتمثل في انتقال المعارضة إلى موقع يسمح لها بتشكيل أغلبية بديلة، وإنما في انتهاء حالة الهيمنة البرلمانية المريحة التي طبعت الدورة التشريعية السابقة. فالأغلبية المقبلة، إذا تشكلت على أساس التحالف الثلاثي، ستظل قادرة على الحسم عددياً، لكنها ستواجه معارضة أكبر حجماً وأكثر تنوعاً، وقابلة للتنسيق حول عدد من الملفات.
ومن هذه الزاوية، قد تكون الفترة التشريعية الجديدة أكثر تنافسية داخل البرلمان، مع ارتفاع أهمية التفاوض بين الفرق النيابية وتنامي دور اللجان والرقابة السياسية على الحكومة. ولن يكون التحدي أمام المعارضة في مجرد الحفاظ على مجموع مقاعدها، وإنما في قدرتها على تحويل هذا الرصيد العددي إلى حضور سياسي وبرلماني منسق.
وفي كل الأحوال، تبدو قاعدة أساسية قد تغيرت، تتمثل في كون الحكومة المقبلة لن تدخل البرلمان بالراحة نفسها التي طبعت السنوات الماضية. فالأغلبية ستظل أغلبية، لكن أمامها معارضة أكبر وأكثر حضوراً، وبرلماناً يبدو مرشحا لأن يكون ساحة مواجهة سياسية أكثر مما كان عليه خلال الدورة التشريعية السابقة.

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق