من هابرماس إلى فانون: فلسطين وأزمة المجال العمومي الغربي

منذ ساعة

د مصطفى غَلْمان

ثمة لحظات في التاريخ لا تعود فيها الحقيقة مسألة معرفة، وإنما تصبح مسألة تبصر ومسؤولية. وفي مثل هذه اللحظات، ينزاح سؤال «ماذا حدث؟»، إلى «من يملك حق تسمية ما حدث؟ من يحدد معنى الجريمة وحدود الضحية ومشروعية الألم، ومن يملك سلطة إدراج الموت داخل قاموس الأخلاق أو إخراجه منه؟». وبالتالي تبدأ قضية فلسطين في تجاوز حدودها السياسية لكي تصير نطاقا فلسفيا عاريا، يضع الفكر الغربي أمام مرآته الأكثر قسوة.
ذلك أن فلسطين لم تضع الغرب أمام خلاف في التأويل فحسب، وإنما أمام امتحان لمقولاته المؤسسة، في الحرية والإنسان والحق والديمقراطية والعدالة والكونية. وحين تتباعد هذه المفاهيم عن تطبيقاتها الفعلية، لا يعود الخلل مجرد تناقض سياسي بين خطاب وممارسة؛ إنه انكشاف لبنية أعمق، حيث يتبين أن الإنسان الذي تتحدث عنه الحداثة بصيغة الكونية ليس دائما الإنسان نفسه الذي تعترف بآلامه، وأن الحقيقة التي يفترض أن تحرر المجال العمومي يمكن أن تخضع في لحظة الصراع، لمنطق القوة والتحالفات والاصطفافات. لقد كانت الحداثة الغربية، في أحد وعودها الكبرى، قد بشّرت بإمكان بناء فضاء عمومي تصبح فيه الحقيقة قابلة للنقاش، والسلطة قابلة للمساءلة، والإنسان متساويا في القيمة أمام القانون. غير أن فلسطين تكشف هشاشة هذا الوعد حين يدخل التاريخ الاستعماري والجغرافيا السياسية وميزان القوة إلى قلب المشهد. عندها لا يعود الإعلام مجرد ناقل للأحداث، وإنما يتحول إلى مؤسسة لتوزيع الشرعية، كمن يمنح بعض الروايات قابلية التصديق، ويضع أخرى تحت الشبهة ويصنع عبر التكرار والإغفال والتأطير، حدود ما يمكن للمجتمع أن يراه وأن يعتقده وأن يتعاطف معه. يصبح حضور فلسطين في الفكر الغربي أكثر من موقف سياسي؛ إنه لحظة اختبار لما إذا كانت مفاهيم الحداثة قادرة على عبور حدودها الثقافية والسياسية نحو الآخر، أم أنها تتراجع عند أول احتكاك جدي مع تاريخ الاستعمار. ولهذا فإن مواقف جان جينيه وجيل دولوز، كما مواقف آخرين من داخل التقليد النقدي الغربي، تكتسب دلالتها من كونها حاولت استعادة الفلسطيني من موقع «الموضوع» إلى موقع الإنسان، ومن موقع الصورة التي تُنتج عنه إلى موقع الصوت الذي ينتج صورته عن نفسه.
إن مأزق فلسطين، بهذا المعنى، لا يكمن فقط في عنف ما يجري على الأرض، وإنما في الصراع على حق تسمية العنف. وما دام الأقوى يمتلك إلى جانب القوة المادية، قدرة أكبر على صناعة الرواية وتأطيرها وتوزيعها، فإن السيطرة لا تكتمل باحتلال الجغرافيا؛ إنها تمتد إلى اللغة والذاكرة والصورة والأرشيف والمخيلة. فيصبح الاستعمار في مستواه الرمزي، استمرارا لنفسه داخل الخطاب حتى بعد أن يتغير شكله السياسي.

الإعلام كجهاز لإنتاج الشرعية:

عندما صاغ يورغن هابرماس مفهوم «المجال العمومي»، منح الإعلام مكانة مركزية في تشكل الرأي العام الحديث. فالصحافة في التصور المعياري للمجال العمومي، يمكن أن تكون وسيلة لإخضاع السلطة للنقاش العمومي، وإتاحة تداول الحجج في فضاء يفترض فيه أن تتراجع سلطة الامتياز أمام قوة الحجة. غير أن تاريخ القرن العشرين سرعان ما جعل هذا التصور أمام امتحان آخر. فقد كشف تيودور أدورنو وماكس هوركهايمر، عبر مفهوم «صناعة الثقافة»، أن وسائل الاتصال الجماهيري قد تنتقل من إنتاج المجال العمومي إلى تصنيع القبول، ومن توسيع إمكان التفكير إلى تنظيم أنماط الإدراك والرغبة والانتباه. فالإعلام عندئذ لا يكتفي بوصف العالم؛ إنه يساهم في هندسة الطريقة التي يُرى بها العالم.
أما غي ديبور فقد نقل السؤال إلى مستوى أكثر راديكالية حين جعل «المشهد» أو «الاستعراض» شكلا من أشكال العلاقة الاجتماعية التي تتوسطها الصور. فالصورة عنده لا تنقل الواقع فحسب، وإنما يمكن أن تحل محله، بحيث يصبح ما يظهر على الشاشة أكثر فاعلية من الواقع نفسه. وهكذا تتخذ فلسطين دلالة تتجاوز كونها قضية سياسية، على اعتبار إنها تكشف الصراع على الصورة نفسها؛ أي على من يملك حق تعريف ما حدث ومن يحدد صورة الجلاد وصورة الضحية وحدود التعاطف وما إذا كان الطفل المقتول يُرى بوصفه إنساناً أم رقماً، وما إذا كان التهجير يوصف كجريمة أم «أزمة أمنية»، وما إذا كان القتل الجماعي يدخل في قاموس الإدانة أم في قاموس «الدفاع عن النفس».
لقد أثار الاستشراق عند المفكر إدوارد سعيد جزءاً من هذه البنية التمثيلية، لا باعتباره مجرد تراث أكاديمي؛ فاختراع «الشرق» في المخيال الغربي أنتج تاريخيا، صوراً للآخر العربي والمسلم بوصفه بدائيا وعنيفا وغير عقلاني، وهي صور لا تختفي بانتهاء الاستعمار الرسمي، وإنما يمكن أن تستمر داخل اللغة السياسية والإعلامية والثقافية. وقد بينت إيلّا شوحت وروبرت ستام أن المركزية الأوروبية لا تعمل دائما في صورة خطاب استعماري صريح، وإنما قد تتسلل باعتبارها بنية تطبيع للتراتبية التي خلفها الاستعمار والإمبريالية داخل التمثيل الثقافي، مطالبة دائما بإثبات براءتها، فيما يحتفظ صاحب القوة بحق تعريف الجريمة وشرح دوافعها.
أما جيل دولوز، فإن حضور القضية الفلسطينية في كتاباته ومقابلاته السياسية يؤكد أن فلسطين دخلت في التفكير الفرنسي المعاصر من بوابة سؤال التحرر، والصراع ضد أشكال الهيمنة، ومشكلة الشعب الذي لم يُمنح حقه في الوجود السياسي ضمن شروط عادلة. وتُظهر قائمة نصوصه المنشورة أن «المسألة الفلسطينية» كانت من القضايا السياسية التي واكبها في أعماله ومداخلاته بين 1975 و1995. لذلك يمكن قراءة فلسطين عند دولوز ضمن منظوره الأوسع إلى «الشعب الذي ينقصه»، وإلى المقاومة بوصفها إنتاجاً لإمكان جديد للحياة ضد أجهزة الإخضاع.
وتتجلى هذه المفارقة حتى داخل اليسار نفسه؛ فقد سجل تاريخ الفكر الفرنسي حالات معقدة ومتناقضة، من بينها انتقال جان بول سارتر، المعروف بمناهضة الاستعمار، إلى موقف مؤيد لإسرائيل في سياق حرب 1967، وهو ما أثار قطيعة عميقة لدى قطاعات من المثقفين العرب معه. وهذه الواقعة ذات دلالة فلسفية أوسع. فالالتزام الأخلاقي لا يحمي صاحبه تلقائياً من أسر موقعه التاريخي، والمفكر قد يمتلك جهازا نقديا قويا ثم يعجز عن تطبيقه على القضية التي تتقاطع فيها الذاكرة والهويّة والخوف والمصالح.
ونستعيد هنا بقوة، فلسفة فرانز فانون. فـ»معذبو الأرض»، الصادر سنة 1961، لم يتعامل مع العنف الاستعماري باعتباره حادثةً طارئة في تاريخ السياسة، وإنما رآه بنيةً تؤسس العلاقة الاستعمارية ذاتها. ولذلك جاءت مناقشته للعنف جزءاً من نظرية أوسع في نزع الاستعمار، حيث لا يظهر العنف التحرري منفصلاً عن عالم سبق أن أُقيم على عنف الاحتلال والقهر والإخضاع. وقد صدر الكتاب في فرنسا في ظروف قمعية، وحُظر عند توزيعه بذريعة «المساس بالأمن الداخلي للدولة»، فيما كان فانون نفسه يصارع مرضه الأخير، وتوفي في كانون الأول/ديسمبر 1961 عن ستة وثلاثين عاما.
لكن القيمة الفلسفية لفانون لا تكمن في تحويل العنف إلى فضيلة مطلقة؛ فهذا تبسيط يتعارض مع تعقيد مشروعه. ما يفعله فانون هو نقل النقاش من أخلاقية الفعل المعزولة إلى بنية العنف التي أنتجت الفعل ذاته. فهو يكتب عن نزع الاستعمار بوصفه تحولاً جذرياً في بنية العالم الاستعماري، ويصر على أن العنف لا يمكن فصله عن السياق الذي يجعل المستعمَر محاصراً داخل نظام من القوة المادية والرمزية.
وهذا بالضبط ما يجعل مفهوم «العنف الثوري» في الفلسفة السياسية الغربية الحديثة شديد الصلة بالحالة الفلسطينية. فمن هيغل إلى ماركس، ومن سارتر إلى فانون، جرى التفكير في العنف أحيانا باعتباره لحظةً من لحظات التناقض التاريخي والتحرر، لا مجرد خلل أخلاقي منفصل عن السياق. غير أن هذا التراث نفسه ظل محكوما بإشكالات عميقة؛ إذ إن الانتقال من تحليل العنف إلى تبريره أخلاقيا ليس انتقالا مشروعا بصورة تلقائية. ولذلك فإن استعادة فانون اليوم لا ينبغي أن تعني منح شيك أخلاقي على بياض للعنف، وإنما استعادة السؤال الذي أراد الفكر الاستعماري طمسه، كيف يصبح العنف لغةً سياسية في عالم سبق أن جعل العنف لغةً يومية للحكم؟ إن إنسانية الإنسان لا تحتاج إلى جغرافيا كي تصبح صحيحة. فالسؤال الأخير الذي تتركه فلسطين للفلسفة والإعلام لن يكون سؤالاً عن المعسكر الذي ينبغي الوقوف فيه، وإنما عن المبدأ الذي ينبغي ألا يسقط مهما تبدلت المعسكرات، هل نستطيع أن نرى الإنسان قبل أن نرى هويته؟ وهل نستطيع أن نرى الحقيقة قبل أن نرى مصلحة القوة؟ وهل نستطيع أن نمنح الآخر حق الظهور بوصفه إنساناً قبل أن نختزله في الاسم الذي اختاره له الخطاب المهيمن؟
وحين تعجز الحداثة عن ذلك، فهي لا تخسر فلسطين وحدها؛ تخسر شيئا من معناها. وحين تنجح في ذلك، لا تكون قد «انتصرت» لفلسطين فحسب، وإنما تكون قد أنقذت نفسها من التناقض الذي ظل يطاردها منذ ولادتها، أن تتحدث باسم الإنسان، ثم تتردد عندما يكون الإنسان هو الآخر.
لهذا تظل فلسطين في النهاية، أكثر من جرح مفتوح في جغرافيا العالم؛ إنها جرح في الضمير النظري للحداثة. ومن هذا الجرح يخرج السؤال الذي لا ينبغي للفلسفة أن تغلقه:
ماذا يبقى من الحرية حين لا تشمل الأضعف، وماذا يبقى من العدالة حين تتوقف عند حدود القوة، وماذا يبقى من حقوق الإنسان حين يُستثنى الإنسان؟
ربما يكون الجواب الوحيد الممكن، أن الحداثة لا تُقاس بما تدّعيه عن ذاتها، وإنما بما تفعله عندما تواجه إنسانا لا تملك القوة أن تحميه، ولا المصلحة التي تبرر الدفاع عنه.
هناك، تحديداً، تبدأ حقيقتها. وفلسطين هي إحدى أكثر اللحظات قسوةً التي طُلب فيها من الحداثة أن تجيب عن نفسها.

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق