مع انسحاب أمريكا من الشرق الأوسط يتمسك ترامب بعالم تحكمه عقلية الغنيمة وهوس الإبادة

منذ ساعة

إبراهيم درويش

تعتبر اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة سوقا لقادة الدول الذين يحاولون عرض أفكارهم حول مصير دولهم وأحيانا العالم أو تحديه كما حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بلهجته الوقحة ووصفه من خرجوا احتجاجا على خطابه بالجنباء وحاول تبرير الاستعمار الإسرائيلي لأرض فلسطين بأنها جزء من تقاليد استعمارية أرستها الدول التي تنتقد تصرفات إسرائيل اليوم، وتحديدا فرنسا وبريطانيا.
وقد نسي نتنياهو أو تناسى عمدا كعادته أننا نعيش في عصر لم تعد فيه القوى الاستعمارية التقليدية تهجر جماعيا السكان أو تقتلهم، فنحن لا نعيش في القرن التاسع عشر أو حتى حقبة ما قبل الحرب العالمية الثانية. فالقرن 21 مختلف بظروفه وقوانينه عن تلك الرؤية التي يحملها نتنياهو وبالضرورة ترامب الذي أكد في خطابه على أن «السلام» يتم فرضه بالقوة مستحضرا في ذلك عقلية القرن التاسع عشر، بل وقدم فيها للحاضرين رؤية من أن «الغنائم هي من نصيب المنتصر»، وهدد متجاهلا ميثاق الأمم المتحدة الذي ساهمت أمريكا بكتاية جزء كبير منه، بإبادة إيران، وهي دولة ذات سيادة عضو في المنظمة الدولية. ومع أن ترامب عبر أكثر من مرة عن شكوكه في جدوى في الأمم المتحدة، التي تعد إحدى المؤسسات التي أُنشئت عقب الحرب العالمية الثانية ووصفها بأنها مؤسسة عفا عليها الزمن وغير فعالة.
إلا أن كلمته في الجلسة الافتتاحية السنوية للجمعية العامة مثلت رفضا أمريكيا خالصا للمبدأ الذي قامت عليه الأمم المتحدة عام 1945، والمتمثل في «إنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب»، كما وحظر ميثاق المنظمة الدولية، صراحة على الدول الأعضاء التهديد باستخدام القوة أو استخدامها فعليا ضد السلامة الإقليمية لأي دولة، ما لم يكن ذلك في إطار الدفاع عن النفس أو بتفويض من الأمم المتحدة.

دبلوماسية القوارب الحربية

ولعل أوضح مثال على رفض ترامب للمعايير الدولية قوله، أنه هو وحده من سيقرر ما إذا كان سيبرم اتفاقا مع قادة طهران أم سيقوم بـ«إبادة الجمهورية الإسلامية». ولم تقتصر تهديداته على إيران بل وبشر الحاضرين بقرب سقوط حكومة كوبا، بطريقة أو بأخرى. وعلقت صحيفة «نيويورك تايمز» (22/9/2025) أن عبارته «للمنتصر الغنائم» تبدو وكأنها مستمدة من حقبة «دبلوماسية الزوارق الحربية» الأمريكية التي سادت قبل أكثر من قرن، ومع ذلك فقد عبر عن استعداده لاستخدام القوة العسكرية الأمريكية، ليس فقط لتأمين موارد حيوية، مثل احتياطيات النفط الهائلة في فنزويلا، بل أيضا لتحقيق الأرباح.
ولاحظت الصحيفة أن تصريحات ترامب جاءت في وقت بدا فيه أكثر عزلة من أي وقت مضى عن الحلفاء التقليديين، وفي ظل إعراب غالبية ساحقة من الأمريكيين، في استطلاعات الرأي، عن رفضهم لسياسته الخارجية. ومع ذلك، لم يدفع أي من هذا ترامب للتراجع عن التهديدات النارية التي قرنها بالعمل العسكري في ولايته الثانية. وبدا خطاب ترامب حتى بمعاييره الخاصة، وكأنه يتجاهل الغرض التأسيسي للأمم المتحدة، وهي المؤسسة التي طالما سخر منها واصفا إياها بأنها غير فعالة وغير مؤهلة للتعامل مع قضايا العالم المعاصرة. إلا أنه لم يتردد من استخدام تعبير الإبادة من على منصة هيئة دولية قصد منها تحقيق السلام وقال عن إيران وقادتها: «هل أدفع بهم إلى الجحيم دون منحهم أي فرصة للنجاة ودون أي أمل في مجد قادم مستقبلية أو أجيال قادمة؟»، بدون ذكر إحباطه من أن الحرب التي قال لن تستغرق سوى أيام أو أسابيع، قد امتدت الآن لتدخل شهرها الثامن. وباختصار بدا ترامب وكأنه يتبنى في خطابه المبدأ الجوهري لولايته الثانية: وهو أن الولايات المتحدة ستوظف مزيجا من القوة العسكرية والاقتصادية الهائلة لتحقيق غاياتها الخاصة ولتعزيز الاقتصاد الوطني، بدلا من اللجوء إلى الدبلوماسية الشاقة والبطيئة غالبا، القائمة على عقد الصفقات وممارسة الضغوط الاقتصادية. غير أنه لم يقر بأي دور للهيئات الدولية مثل الأمم المتحدة، بل بدا وكأنه يلمح إلى ضرورة أن تصطف هذه الهيئات ببساطة خلف الولايات المتحدة.
وقد استند احتفاء ترامب بالقوة بالقوة وتفضيلها على المبادئ إلى قناعة كان ترامب قد عبر عنها في مقابلة مع صحيفة «نيويورك تايمز» في وقت سابق من هذا العام، حين قلل من شأن القانون الدولي معتبرا إياه قيدا يعيق تحركاته. وقال إن الحد الوحيد لسلطته هو «أخلاقياتي وعقلي، فهما الشيء الوحيد الذي يمكنه إيقافي». ولا يقف الأمريكيون مع هذا النهج في السياسة الخارجية، حيث وتظهر استطلاعات الرأي الأخيرة منها استطلاع أجرته شبكة «سي إن إن» الأسبوع الماضي أن 29 في المئة فقط من البالغين الأمريكيين يؤيدون أسلوب تعامل ترامب مع الشؤون الخارجية، بينما أعرب 71 في المئة عن عدم رضاهم، وهي نسبة تضاهي أو تتجاوز معدلات عدم الرضا التي واجهها الرئيس جورج بوش الإبن عام 2006، حين كانت الأوضاع في حرب العراق تتدهور بشكل متسارع.
ربما كان خطاب ترامب هو آخر خطاباته، ولكن نتنياهو يطمح بأن يلقي خطابا آخر، مع أن شعوره بالعزلة والنبذ بدا واضحا وكان مثارا للتعليقات الصحافية الإسرائيلية. وقد حرص على تبرير أن العنف الذي استخدمه ضد الفلسطينيين في غزة والضفة مبرر لحماية الإسرائيليين من الإبادة، حيث حول القاتل للضحية أو كما قالت صحيفة «واشنطن بوست» (24/9/2026) حاول تقديم رؤية للناخب الإسرائيلي، حيث يوقت عادة خطابه في الأمم المتحدة بأوقات الذروة في إسرائيل، بل وأمر العام الماضي ببث الخطاب عبر مكبرات الصوت إلى غزة حيث كان الأسرى الإسرائيليون هناك. ومن المعروف أن نتنياهو يتقن لعب دور الضحية ولعبة «نحن ضدهم»، ولكنه بدا هذه المرة معزولا ووحيدا ويواجه انتخابات مصيرية قد تطيح بحكمه الطويل وبالتالي الجماعة التي تنفذ سياساته وتتسابق على من يطلق التصريح الأشد لإبادة الفلسطينيين أو احتلال دول الجوار وتدميرها.
ويمثل خطابا ترامب وبالضرورة تبجح نتنياهو صورة عن نظام دولي في حالة يرثى لها. وقال فيرشا غانديغوتا من مجموعة هيغ في صحيفة «الغارديان» (25/9/2026) إن اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تزامنت مع فرض واشنطن عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، تستهدف حساباتها المصرفية وبرامجها وشركات التأمين التابعة لها وموظفيها، فيما هدد ترامب يوم الثلاثاء بإبادة إيران وفي يوم الخميس وصف نتنياهو، الذي تلاحقه مذكرة اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب، كل من يسعى إلى المساءلة بأنهم «برابرة يهددون حضارتنا المشتركة»، فيما منعت أمريكا الرئيس الفلسطيني محمود عباس من حضور الإجتماع.
وتصريحات نتنياهو تعبير عن احتقار للمنظومة الدولية التي لم يتظاهر أبدا باحترامها، فعندما رفعت جنوب أفريقيا دعوى اتفاقية الإبادة الجماعية ضد إسرائيل بسبب أعمالها في غزة، قال: «لن يوقفنا أحد – ولا حتى لاهاي». وفي هذا الصيف، تساءل على التلفزيون الأمريكي أنه في حال أُجبرت طائرته على الهبوط في دولة تحترم مذكرة التوقيف، فإنه يمكن تكليف القوات الخاصة الإسرائيلية «بمهمة جديدة». فيما وعد الرئيس الأمريكي بأنه لن يتقل على الأراضي الأمريكية «بأي شكل من الأشكال».
والرسالة للعالم واضحة: الجرائم التي يرتكبها حلفاء السلطة وأتباعها لن تعاقب أبدا. ولا يقتصر هذا الإفلات من العقاب على غزة، بل يتجلى في التطهير العرقي المتسارع في الضفة الغربية. وقد امتد إلى لبنان، حيث قتلت الغارات الإسرائيلية أكثر من 4.000 شخص هذا العام، وشردت أكثر من مليون. وفي جنوب سوريا، تقصف القوات الإسرائيلية وتشن غارات على قرى في ريف دمشق. وفي السودان، ترتكب مجازر بأسلحة وتكنولوجيا وتمويل من الإمارات العربية المتحدة، حليفة الحكومة الإسرائيلية. وقد استوعب كل قائد له راعٍ درس السنوات الثلاث الماضية: لا ثمن للفظائع الجماعية إذا كان حلفاؤك أقوياء بما يكفي.
فالدول التي تقاوم تواجه عقوبات متنوعة للغاية، عقوبات، ورسوم جمركية وتهديدات وعزلة. خسرت جنوب أفريقيا مساعدات أمريكية بعد رفعها قضية الإبادة الجماعية إلى لاهاي. كما ألغيت تأشيرة رئيس كولومبيا بعد إدلائه بتصريحات حول غزة في شوارع نيويورك. ولن يقتصر هذا الأمر على دول الجنوب العالمي. فالأدوات التي صممت للإرهابيين وعصابات المخدرات توجَه الآن نحو القضاة. ويخضع أكثر من اثني عشر قاضيا ومدعيا عاما في المحكمة الجنائية الدولية، بمن فيهم رئيس المحكمة، لعقوبات أمريكية. وسيؤدي فرض عقوبات على المؤسسة بأكملها إلى إلحاق الضرر بكل بنك وشركة تأمين ومورد تكنولوجيا أوروبي يخدم محكمة مقرها هولندا.
وعليه فلن يكون الرد على الترهيب الذي تمارسه القوى العظمى أو المدعومة منها إلا من خلال العمل الجماعي، فلم تنتظر الدول التي أنهت نظام الفصل العنصري إذنا من مموليه.
ويظل العمل الجماعي أو المؤسسات المتعددة هو ما يرفضه ترامب، فقبل أن يلقي خطابه يوم الثلاثاء دعا قادة سبقوه مثل الرئيس البرازيلي لويز إغناسيو لولا دا سيلفا ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني، حيث قال لولا: «السيادة تتقوى ولا تتلاشى عندما نعمل معا لمعالجة التحديات المشتركة». وفي الوقت الذي يرفض فيه ترامب فكرة التعددية الدولية ويقدم القوة كوسيلة للغنائم، لا يمانع الرئيس الصيني شي جين بينغ من دعم التعددية وإن كلاميا، فهذه الصيغة تناسب الصين التي باتت تقدم نفسها بعد كوارث أمريكا في الشرق الاوسط، وأخيرا إيران بانها حامية النظام الدولي.

شي في واشنطن

وقد تزامنت اجتماعات الأمم المتحدة مع زيارة شي لواشنطن التي استمرت 3 أيام، وحرص ترامب بنفسه على استقبال شي في قاعدة أندروز، متجاهلا تقليد استقبال الزوار الأجانب في البيت الأبيض. ولم يكتف بهذا بل وأعده لضيفه الصيني استقبالا باذخا وعرضا عسكريا، نظرا لما يعوله على الزيارة هذه والتي تلخص التحولات الترامبية من الصين. ففي حملته الانتخابية وولايته الأولى، لعبت الصين دور المنافس الذي يجب تدجينه ومعاقبته، لتتحول في ولايته الثانية إلى قوة يجب استيعابها واسترضاؤها، حيث كشفت حرب إيران عن حدود القوة الإيرانية. فزيارة شي تأتي وترامب عالق في مياه الخليج ويواجه تحديات في وقف الحرب وتداعيات داخلية يدفع ثمنها المستهلك الأمريكي، وأزمة الطاقة العالمية. وقد استطاعت الصين تخفيف هذه التداعيات من خلال هيمنتها على الطاقة البديلة والمعادن الأرضية الحيوية. وبعبارات أخرى يحتاج ترامب لتحييد التهديد الصيني وخاصة في التكنولوجيا الصاعدة والمخاطر في منطقة المحيط الهادي ومستقبل تايوان. ومن جانب آخر، تعكس زيارة شي «الظافرة» لواشنطن فشلا وتراجعا في القيادة الأمريكية للعالم. وهو ما تناولته صحيفة «نيويورك تايمز» (24/9/2026) في افتتاحيتها، وأشارت فيها لتخلف أمريكا عن قيادة العالم بسبب عدم اكتراث ترامب. وقالت إن ترامب سياسي غير منضبط يفضل مصالحه الشخصية على مصلحة الوطن ويدير إدارة تفتقر إلى استراتيجية متماسكة لحل المشاكل الكبرى، بل يفاقمها في كثير من الأحيان. وفي هذه المرحلة فإن أي تفكير بقدرة ترامب على تمثيل مصالح أمريكا بفعالية في هذه القضايا سيظل أمرا سخيفا. وعبرت عن أملها في ألا يتسبب ترامب بأضرار جديدة لأمريكا والأمريكيين.

أي عالم؟

وفي الحقيقة فإن المرآة التي ينظر منها ترامب للعالم هي نفسها التي ينظر من خلالها شي للعالم، فكلاهما يتعامل مع نفسه بأنه قائد ضرورو وشخصية محورية إن لم تكن فريدة تم اختيارهما لتنفيذ المهام العظيمة، وتحقيق ما فشل السابقون لهما بتحقيقه. وقد سعى ترامب، كما يقول إيشان ثارور في «ذي نيويوركر» (23/9/2026) إلى تحقيق هذه الاستعادة من خلال تحطيم ثقة حلفاء الولايات المتحدة المقربين بأساليب قسرية وترهيبية. أما شي فهو لا يتوقف عن حملات التطهير داخل الحزب، بل وأقال مئة من الجنرالات الكبار والكوادر المهمين. ويرى مراقبون أنه لا فرق بين مشروع الصين التوسعي وأمريكا أولا الذي يرفعه ترامب. وكتب ريان هاس، الخبير في الشؤون الصينية في معهد بروكينغز والذي عمل في البيت الأبيض في عهد أوباما، أن بكين «تنظر إلى أمريكا على أنها متراجعة ولكنها خطيرة»، وأن شي «يكتفي بتجميع القوة والنفوذ بصبر حتى يصبح البلد معترفا به على نطاق واسع كقائد لنظام سياسي جديد». وربما كان ترامب وشي يعانيان من داء العظمة ويعتقدان أنهما هزما خصومهما لكن هناك أمرا لا يستطيعان هزيمته وهو الزمن، فترامب دخل الثمانين من عمره وشي في السبعينات ويعاني من مشاكل التدخين والشراب أما المستبد الثالث فهو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي فقد لياقته وتورط في حرب أوكرانيا التي اعتقد أنه سينتصر بها سريعا، تماما كاعتقاد ترامب بفوزه في حرب إيران. وللأسف فصورة العالم تتشكل من خلال سياسات القوى الثلاث، وهو ما أشار إليه مدير المخابرات البريطانية السابق أليكس يانغر الذي صور اللحظة الاستبدادية في شباط/فبراير 2025 وبعد شهر من تنصيب ترامب، حيث بدت كلماته وكأنها تؤشر للمستقبل. ففي مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» قال فيها: «نحن نعيش في عصر، لن تحدد فيه العلاقات الدولية، بطريقة أو بأخرى من خلال القواعد والمؤسسات الدولية المتعددة الأطراف، بل سيحددها رجال أقوياء وصفقات». وشبه الوضع الحالي بمؤتمر يالطا عام 1945، «حيث قرر ثلاثة رجال أقوياء مصير دول صغيرة، وأعتقد أن هذه هي عقلية دونالد ترامب وبالتأكيد عقلية بوتين وهي عقلية شي جين بينغ، هذا هو العالم الذي نتجه إليه». إلا أن الأمور كما يقول ديفيد إغناطيوس في «واشنطن بوست» (22/9/2026) لم تجر كما تشتهي السفن، فمحاولات الدول الكبرى لفرض هذه السياسات باءت بالفشل في الغالب. وأبرز الأمثلة على ذلك الحرب الجارية في أوكرانيا وإيران. فقد رجح استخدام الطائرات المسيرة كفة الميزان الاستراتيجي في كليهما. وتعلمنا أن الطائرات المسيرة الرخيصة، أسلحة الضعفاء، قادرة على إرباك الترسانات الجبارة للقوى العظمى. وغيرت هذه المعادلة المفهوم القائم لدى المستبدين بأن «القوة هي على حق»، حيث تغير الوضع. ويرى الكاتب أن الغرور واضح في نفوس القادة الثلاثة وهم يكافحون للهيمنة على عالم يمر بمرحلة انتقالية، وباتوا قوى عظمى عاجزة عن كسب الحروب ويديرون اقتصاديات مهيمنة مثقلة بالديون والفساد والأهم من ذلك، فهم يواجهون تحديات مجهولة لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التحويلية.

انسحاب القوة

ولعل أبرز مثال هو الحرب في إيران التي غيرت أساليب الحرب وورطت أمريكا في حرب لا نهائية، وكما قال مايكل هورفويتز في «فورين أفيرز»(25/9/2026) فإن فشل أمريكا في تحقيق أهداف الحرب كشف عن شيء آخر وأهم، فقد «بدأ عصر ما أسميته «الأسلحة الموجهة بدقة عالية» أو الأسلحة الموجهة بدقة عالية ومنخفضة التكلفة وذات الكميات الكبيرة. ولم يعد بإمكان الجيش الأمريكي أو أي جيش آخر كسب حرب شاملة بمجرد استخدام أعداد قليلة من الأسلحة المتطورة لإبهار الخصوم. وتستطيع الدول الأضعف مجاراة الدول الأقوى من خلال وابل من الهجمات. الهجوم حاليا أرخص من الدفاع: لم ينخفض سعر الطائرات الاعتراضية الفعالة بعد إلى مستوى طائرات الهجوم بدون طيار والصواريخ، مما يعني أن الدفاع ضد الأسلحة الموجهة بدقة عالية مكلف للغاية. ففي نهاية المطاف، لا تستطيع الجيوش صد وابل من طائرات «شاهد-136» الهجومية بدون طيار، التي يبلغ سعرها 35.000 دولار، بصواريخ «باتريوت» التي يبلغ سعرها 4 ملايين دولار إلى ما لا نهاية. ولهذا السبب هناك دعوة لإعادة النظر في استراتيجية أمريكا القائمة على انتشار من خلال قواعد عسكرية ثابتة، وهو ما وضح بمقالة نشرتها «نيويورك تايمز»(24/9/2026) جاء فيه أن الحرب كشفت عن خطل الافتراضات الأمريكية عن أمن القواعد الثابتة ولا بد من إعادة النظر في استراتيجية الوجود الأمريكي في الخليج وغيره والبحث عن طرق لحماية الجنود والمنشآت الثابتة، فلم تعد أكبر قاعدة عسكرية في العالم آمنة، في إشارة لقيادة البحرية في البحرين والتي تم سحب معظم الأفراد غير الضروريين منها بعد تعرضها للضربات الأمريكية. وبدلا من إعادة موضعة للجنود ونقلهم إلى الأردن أو إسرائيل كما يطالب البعض فإن أمريكا تنسحب من مشهد الشرق الأوسط وتتركه لقوى إقليمية، ولكن انسحاب أمريكا من دور المهيمن والمهندس للمنطقة وبعد اكثر من ستة عقود سيخلف وراءه الضغينة والأحقاد وآثار الكوارث الأمريكية، وربما كان الانسحاب فرصة أو بداية لمشاكل جديدة حسبما قدمت مجلة «إيكونوميست» (24/9/2026) التي قالت إنه النظام المهيمن ولأول مرة ومنذ أن مزقت القوى العظمى الإمبراطورية العثمانية قبل قرن من الزمان، على الشرق الأوسط من بعيد، مما قد ينذر بموجة من تصفية الحسابات والعنف أم سيكون بداية لمرحلة جديدة؟ أي بداية التاريخ في المنطقة. ومن المفارقة أن كاتب نهاية التاريخ والرجل الأخير، فرانسيس فوكاياما نشر مذكراته «في عالم الرجل الأخير» وهو نعي لمرحلة استبشر فيها بانتصار الليبرالية الغربية بعد نهاية الحرب الباردة، وها هو يقف وهو يراقب قتامة عالم منتصر ويحاول بيأس الدفاع عن نفسه وسط عالم متغير تسيطر عليه قوى مستبدة.

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق