كشفت شبكة CNN الأمريكية في تقرير حصري، عن خطط عسكرية جديدة أعدها البنتاجون لضرب إيران، تتضمن استخدام القنبلة الأمريكية العملاقة GBU-43 المعروفة باسم (أم القنابل)، والتي يبلغ وزنها نحو عشرة أطنان!.. تقول المصادر الأمريكية، إن الخطط تشمل ضرب منشآت الطاقة الإيرانية، ومواقع مرتبطة بالبرنامج النووي، ومن بينها منشأة (جبل الفأس)، وهي واحدة من المواقع الإيرانية شديدة التحصين التي يُعتقد أن أجزاء مهمة منها تقع في أعماق الجبال!.. لكن المفاجأة جاءت في تفصيل آخر.. أحد المصادر كشف أن الصياغة المستخدمة في التخطيط العسكري، تشير إلى تنفيذ الضربات قبل بدء انسحاب القوات الأمريكية من منطقة عمليات القيادة المركزية!.. بمعنى أن ترامب يبحث عن ضربة ختامية ضخمة، يستطيع أن يقدمها للرأي العام الأمريكي باعتبارها انتصارًا، ثم يخرج من الحرب.. لكن هل تستطيع هذه القنبلة العملاقة تحقيق ذلك؟.. هنا المفاجأة الثانية.
مصادر عسكرية أمريكية تُشكك في قدرة أم القنابل على تدمير المنشآت النووية الإيرانية العميقة.. لماذا؟.
لأن هذه القنبلة صُممت أساسًا لإحداث انفجار هائل فوق سطح الأرض وتدمير مساحات واسعة، وليست قنبلة خارقة للتحصينات، تستطيع اختراق عشرات الأمتار من الصخور والخرسانة المسلحة.. ولهذا، فإن استخدامها ضد منشآت عميقة تحت الجبال، قد يحقق تأثيرًا نفسيًا وتدميرًا سطحيًا كبيرًا، لكن دون ضمان القضاء على المنشآت الموجودة في الأعماق.. وهنا تبدأ القصة الأكبر.
قبل يومين.. نشرت صحيفة (وول ستريت جورنال) تقريرًا خطيرًا، كشف أن إيران تتحضر لاحتمال تجدد الضربات الأمريكية، وتلوّح باستهداف منشآت النفط السعودية، ومواقع في الإمارات، وحتى كابلات الإنترنت ومراكز البيانات العالمية التي تمر بالمنطقة، إذا اتسعت الحرب.. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.. ضربات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، غير المجدية يُراد منها جولة أوسع، لكن تكون أمريكا وإسرائيل خارجها هذه المرّة.. وهذا تحديدًا ما يجعل فكرة الضربة الأخيرة مؤامرة مكتملة الاركان على دول الخليج، لاحتلالها وتدميرها.. ساعتها، ستكون أمريكا خارج الحلبة، بعد ساعة واحدة من هذه الضربة، تراقب من بعيد، كيف تحترق المنطقة بالصواريخ الايرانية، إذا لم يكن في المنطقة قادة، يكونوا رجال المرحلة، الذين يحولون بينها وبين الدمار الذي تريده أمريكا وإسرائيل، ظنًا منهما أن ذلك سيكون بداية التغيير في الشرق الأوسط.. فهل تصدق ظنون واشنطن وتل أبيب، أم أن لدول المنطقة كلمة أخرى؟.
●●●
عندما اجتمع قادة العالم في الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 1991، بدا أن حقبة من الهيمنة الأمريكية التي لا ينازعها أحد في الشرق الأوسط توشك أن تبدأ.. كان البنتاجون قد خاض لتوه حربًا سريعة، بمشاركة عدد كبير من الحلفاء، لطرد القوات العراقية المحتلة من الكويت.. وكان الدبلوماسيون الأمريكيون يستعدون لاستضافة مؤتمر مدريد، أول محادثات مباشرة بين إسرائيل ومجموعة من جيرانها العرب.. ومع اقتراب الاتحاد السوفييتي من نهايته، بدت الولايات المتحدة مستعدة لتشكيل نظام جديد في منطقة مضطربة.. لكن ما أعقب ذلك كان خمسة وثلاثون عامًا من الفوضى، إذ انتقلت أمريكا من حماقة عسكرية إلى أخرى.. أما أحدثها، وهو صراع دونالد ترامب مع إيران، فكان يُفترض أن ينتهي خلال أيام، لكنه يقترب الآن من نهاية شهره الثامن.. وقد فرض تكاليف هائلة على أقرب حلفائه العرب، وعلى بقية العالم.
بعد كل هذه السنوات الطويلة ـ تقول صحيفة (الإيكونوميست) في تقرير لها نشرته مؤخرًا ـ لم تعد الولايات المتحدة تبدو بالنسبة إلى كبار الشخصيات الذين اجتمعوا في الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك الشهر الماضي، حلًا لمشكلات الشرق الأوسط بقدر ما تبدو مصدرًا لها.. وستكون هذه إحدى النتائج الدائمة للحرب، أيًا يكن موعد انتهائها أو الطريقة التي ستنتهي بها.. فرغم أن الولايات المتحدة لن تغادر الشرق الأوسط، فإنها ستضطر إلى التراجع عن دورها بوصفها القوة المهيمنة فيه.. فقد حلفاؤها الثقة فيها، وأُنهك ناخبوها، وسيضطر مخططوها الاستراتيجيون إلى مواجهة أزمات متنامية في أماكن أخرى.. ولا يبدو أن أحدًا مستعد لشغل مكانها، وأقلهم استعدادًا الدول العربية.. وذلك سيجعل المرحلة المقبلة فوضوية، وإن كان انتهاء الحقبة الأمريكية قد لا يكون أمرًا سيئًا على المدى الطويل.
أما الآن، فالهدف ببساطة هو الوصول إلى نهاية الحرب.. فقد أجرت الولايات المتحدة وإيران ثلاث ساعات من المحادثات غير المباشرة في الأمم المتحدة في الثاني والعشرين من سبتمبر الماضي، تولى خلالها مبعوثون قطريون نقل الرسائل بين الجانبين.. وكانت تلك أول محادثات من نوعها منذ يونيو.. ووصفها ترامب بأنها (مثمرة للغاية).. لكنه، في الوقت نفسه، كرر في خطابه أمام الجمعية العامة تهديده بـ (إبادة) إيران.. وفي الجلسات الخاصة، كان الدبلوماسيون أقل حماسة في وصف المحادثات.. فقد أتاحت للطرفين فرصة لإعادة تأكيد مواقفهما، لكن الصيغة لم تكن ملائمة لتحقيق اختراق، كما أن المواقف لا تزال متباعدة للغاية.. تريد إيران أن تعود الولايات المتحدة إلى (مذكرة التفاهم)، وهي الاتفاقية قصيرة العمر التي وُقعت في يونيو.. أما ترامب فيفضل إلغاء مذكرة التفاهم، التي لم يكن مقررًا أصلًا أن تكون سوى اتفاق مؤقت لمدة ستين يومًا، والتفاوض على اتفاق جديد.
التقى الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أيضًا بمسئولين من دول الخليج، إلى جانب تركيا وأربع دول عربية أخرى.. ومرة أخرى، جاءت الرسائل متناقضة: تحدث عن وجود (زخم كبير) نحو التوصل إلى اتفاق، لكنه حذر أيضًا من أنه قد يقصف موقعًا نوويًا في إيران.. وفي الوقت نفسه، يواصل الطرفان حربهما الاقتصادية.. فقد هاجمت إيران العديد من ناقلات النفط في مضيق هرمز، وفرضت واشنطن عقوبات تستهدف الشركات الأجنبية التي تزود الطائرات الإيرانية بالوقود، أو تقدم لها خدمات، وهو ما سيمنع، عمليًا، شركات الطيران الإيرانية من السفر إلى معظم الوجهات في الخارج.
وبينما تطول الحرب في إيران، تصاعدت الحرب في اليمن.. لقد تخلى الحوثيون، وهم الجماعة المتمردة المدعومة من إيران، عن وقف إطلاق النار الذي أُبرم عام 2022 مع خصومهم المدعومين من السعودية.. واستولوا على جزء من الساحل الجنوبي الغربي لليمن، مما منحهم قبضة أقوى على باب المندب، الممر المائي الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، حيث كانوا يسعون بالفعل إلى فرض حصار على السفن السعودية.. كما استأنف الحوثيون هجماتهم على السعودية نفسها، بما في ذلك ما حدث قبل شهر من الآن، حينما قالت المملكة العربية السعودية، إنها اعترضت طائرة مسيرة قرب مكة المكرمة، أقدس بقاع الأرض.. وبعد أربعة أيام، أصاب صاروخ حوثي خزان وقود في مطار الرياض، في أول هجوم لهم على العاصمة السعودية منذ سنوات، قبل أن يتكرر ضرب المطار بعد ذلك.. وبشكل منفصل، ضربت ميليشيات عراقية أهم خط أنابيب نفطي في المملكة (خط شرق ـ غرب)، وأخرجته من الخدمة لأكثر من أسبوع، قبل أن يستأنف عملياته في الثاني والعشرين من سبتمبر.. ومع ذلك، لم يدفع أي من هذا أسعار النفط إلى مستويات كارثية، وهي الأداة الرئيسية التي تأمل إيران استخدامها للضغط على ترامب من أجل التوصل إلى اتفاق.
ارتفع سعر خام برنت إلى مائة وتسعة دولارات للبرميل بعد الهجوم الحوثي وضرب خط الأنابيب، ثم تراجع. وكان عند نحو مائة واثنين دولار وقت نشر (الإيكونوميست) تقريرها.. وهذا الرقم، بالطبع، لا يروي القصة كاملة: فأسواق الطاقة الأوسع تمر بظروف صعبة.. وقد تجاوز سعر خام برنت (المؤرخ)، للتسليم بعد بضعة أسابيع، مائة وثلاثين دولارًا للبرميل هذا الشهر.. كما أصبحت المنتجات المكررة شحيحة، وبلغ متوسط سعر الديزل في الولايات المتحدة الآن 6.52 دولارات للجالون، وهو أعلى مستوى على الإطلاق.. لكن ترامب لا يزال متمسكًا بموقفه، رغم أن أسعار الوقود تهدد حزبه الجمهوري بهزيمة ثقيلة في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر القادم.
ولا تزال الولايات المتحدة تأمل أن يدفع الضغط الاقتصادي إيران إلى الاستسلام.. فالحصار المفروض منذ شهرين على الملاحة الإيرانية يتسبب في فوضى.. ومع تعطل الموانئ، تواجه إيران صعوبة في تحويل تجارتها إلى الطرق البرية: مئات الشاحنات عالقة في طوابير تستمر أيامًا على الحدود.. والريال الإيراني يسجل أدنى مستوى قياسي تلو الآخر.. والتضخم يقترب من خانة الأرقام الثلاثية.. كما أن وقف رحلات شركات الطيران الإيرانية سيُعطل سلاسل إمداد الأدوية في البلاد.. وقد أقر مسعود بزشكيان، الرئيس الإيراني، بعمق الأزمة.. ويتذمر محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، من المتشددين الذين يرفضون الدبلوماسية.. لكن النظام في طهران، مثل ترامب، مستعد لتحمل مزيد من الألم.. ولا يستطيع أي من الطرفين حسم الحرب بصورة قاطعة لمصلحته.. والرأي السائد في واشنطن وطهران والخليج، هو أن الحرب ستستمر حتى نهاية العام.
لقد أبلغ ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، الأمريكيين بألا يتعجلوا العودة إلى مذكرة التفاهم.. فهو يفضل أن يواصلوا الحصار ويسعوا إلى اتفاق جديد.. وتشترك معظم دول الخليج في هذا الرأي، باستثناء قطر وعُمان.. كما أن إيران ليست في عجلة من أمرها، لإبرام اتفاق قد يخفض أسعار النفط ويمنح ترامب دفعة قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.. أما محللو بنك (جيه بي مورجان تشيس)، فقد تخلوا عن محاولة توقع ما سيحدث تاليًا.. وكتبوا في السابع عشر من سبتمبر الماضي، (ببساطة، لا نعرف كيف نصوغ نموذجًا لنهاية اللعبة).
●●●
ليست هذه المرة الأولى التي تتعثر فيها واشنطن في مستنقع شرق أوسطي.. فقد جربت خلال العقود الماضية تقريبًا كل أشكال التدخل العسكري في المنطقة.. أرسلت قوة برية هائلة لإسقاط حكم الرئيس صدام حسين في العراق، واستخدمت القوة الجوية للناتو لإسقاط حكم الرئيس معمر القذافي في ليبيا، وسلحت المتمردين السوريين ضد الرئيس بشار الأسد، ودعمت تحالفًا بقيادة السعودية دخل الحرب في اليمن عام 2015.. نجحت بعض هذه التدخلات في تغيير الأنظمة، لكنها تركت الفوضى وراءها.. وفشل بعضها الآخر تمامًا.. ولم يؤد أي منها إلى نتيجة مفيدة للمصالح الأمريكية.. ومع ذلك، ظلت التداعيات محدودة.. كان إسقاط الرئيس صدام حسين كارثة بالنسبة إلى العراقيين، الذين غرقوا في سنوات من سفك الدماء الطائفي.. وبإزالة الخصم الإقليمي الرئيسي لإيران، أتاح ذلك للجمهورية الإسلامية توسيع نفوذها في سوريا ولبنان.. لكنه لم يؤثر فورًا بدرجة كبيرة على أقرب حلفاء واشنطن في المنطقة.
أما هذه الحرب فكانت مختلفة.. خارج إيران، وقعت أشد العواقب على حلفاء أمريكا الخليجيين.. ومن المتوقع أن تنكمش اقتصادات معظمهم في 2026.. وقد خسروا مئات المليارات من الدولارات نتيجة مبيعات النفط والغاز التي لم تتحقق، واختفاء إيرادات السياحة، والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.. وكانوا يأملون أن تسمح لهم مذكرة التفاهم بالعودة إلى ممارسة أعمالهم بصورة طبيعية في الربع الأخير من العام.. وبدلًا من ذلك، يناقشون بهدوء، ما إذا كان عليهم تأجيل فعاليات كبرى مرة أخرى، من مؤتمرات التكنولوجيا إلى سباقات الفورمولا واحد.. وخارج الخليج أيضًا، تسببت الحرب في صدمة طاقة شعر بها العالم بأسره.. كما أنها حرب غير شعبية على نحو استثنائي بين الأمريكيين.. فقد استغرق الأمر أربع سنوات حتى قال 60% منهم، إن غزو العراق كان خطأ.. أما حرب ترامب في إيران، فقد وصلت إلى هذه النسبة في أقل من شهرين.. وستُقيد كل هذه العوامل الدور الأمريكي المستقبلي في المنطقة.. ولنبدأ بحلفائها.
فقد كانت بينهم خلافات حادة من قبل: حث السعوديون جورج دبليو بوش على عدم غزو العراق عام 2003، ولكنه لم يستجب.. وشعرت دول الخليج بالقلق عندما حث الرئيس الأسبق، باراك أوباما، الرئيس حسني مبارك، على التنحي عام 2011، ولا شك أن مبارك نفسه شعر بالقلق أيضًا.. وربما دفعتهم هذه الخلافات إلى التشكيك في حُسن تقدير أمريكا، لكن التزامها وقدراتها لم يكونا موضع شك قط.. درجة أفتح من الخط الأحمر ثم جاءت سوريا.. عندما لم ينفذ أوباما (خطه الأحمر) ضد استخدام بشار الأسد للأسلحة الكيميائية عام 2013، بدت واشنطن مترددة؛ وعندما فشلت في النهاية في إسقاط الرئيس السوري، بدت ضعيفة.
وتزايدت الشكوك أكثر، بعد سلسلة من الهجمات المدعومة من إيران ضد دول الخليج ـ هجوم على منشآت نفطية سعودية عام 2019، وهجوم قاتل بطائرة مسيرة في أبو ظبي عام 2022 ـ لم تستدعِ ردًا يذكر.. ثم حطم ترامب ما تبقى من الثقة، عندما بدأ حرب الخليج نفسها التي سعت واشنطن طويلًا إلى ردعها.. ولا أحد في الخليج مستعد لمناقشة مستقبل القواعد الأمريكية في المنطقة علنًا.. يقول أحد الدبلوماسيين، (هذا بالتأكيد ليس الوقت المناسب لمثل هذا النقاش).. فالحديث عن إغلاق بعض القواعد، التي تعرض كثير منها لضربات إيرانية خلال الحرب، أو حتى تقليصها، سيجعل واشنطن تبدو وكأنها تتخلى عن حلفائها في لحظة الخطر.. لكن من المرجح أن تدفع الحرب الولايات المتحدة بعيدًا عن نموذج المنشآت الكبيرة والدائمة.. فقاعدتها البحرية في البحرين، على سبيل المثال، كانت من المواقع النادرة (المصحوبة بالعائلات) في الشرق الأوسط، حيث كان بإمكان العسكريين اصطحاب أسرهم.. ومن غير المرجح أن تعود إلى حجمها السابق، عندما كانت تضم نحو عشرة آلاف شخص.
وقبل الحرب، كانت قطر مستعدة لإنفاق عشرة مليارات دولار لتحديث قاعدة (العديد) خارج الدوحة، التي تستضيف المقر الإقليمي للقيادة المركزية الأمريكية.. ولا تزال مستعدة لاستثمار المبلغ؛ لكن ليس واضحًا ما إذا كان الأمريكيون يريدون ذلك.. ويقول مسؤولون في عدة دول، إنهم يأملون في التفاوض على قواعد جديدة بشأن كيفية استخدام تلك القواعد.. وقد بدأوا بالفعل فرض قيود موقتة؛ ففي مايو الماضي، أحبطت السعودية محاولة لإعادة فتح مضيق هرمز، عندما منعت الطائرات الحربية الأمريكية من استخدام مجالها الجوي.. وفي أماكن أخرى من المنطقة، بدأت واشنطن بالفعل طريق الخروج.. فقد أكملت انسحابها من قواعدها في سوريا هذا الربيع، وقد أخلت قواعدها في العراق بنهاية سبتمبر المنصرم، علماً بأن الخطتين سبقتا الحرب.
سيكون لأعداء واشنطن رأي أيضًا.. تخيل السيناريو الأسوأ: تؤدي حرب ترامب مع إيران إلى نظام مسلح نوويًا، وقادر على ممارسة حق النقض فعليًا على حركة المرور في هرمز.. عندئذ ستواجه الولايات المتحدة صعوبة في الإبقاء على قواعدها في دول الخليج الساحلية.. وفي الطرف الآخر تمامًا، إذا سقط النظام الإيراني، فستتراجع الحاجة إلى تلك القواعد: فالشرق الأوسط من دون الجمهورية الإسلامية سيكون أقل عداء بكثير للمصالح الأمريكية.. ومهما كانت نهاية الحرب، فلن تكون إيران التهديد الوحيد الذي تواجهه الولايات المتحدة.. فقد تزامنت حقبة تدخلها الأقصى في الشرق الأوسط، مع فترة من الهدوء النسبي في أماكن أخرى.
كانت أوروبا تعيش ـ في معظمها ـ في سلام؛ وكانت الصين قوة صاعدة، لكنها لم تكن قد بلغت بعد مستوى يسمح لها بتحدي الولايات المتحدة في المحيط الهادئ.. وأصبح (التحول نحو آسيا)، الذي اقترحه الرئيس الأمريكي الأسبق، باراك أوباما، أول مرة، نكتة متكررة في واشنطن: فكل تحول كان دورة كاملة بمقدار ثلاثمائة وستين درجة.. لكن العالم يبدو اليوم أكثر خطورة بكثير.. ولا يستطيع البنتاجون تحمل ربط خُمس حاملات طائراته بالخليج، أو استنزاف مئات الصواريخ الاعتراضية والموجهة النادرة في قتال إيران.. وستفرض السياسة الداخلية قيدًا إضافيًا.. فمنذ أن صعَّد الرئيس ليندون جونسون دور أمريكا في فيتنام، لم يسبق لرئيس أن أفسد ولايته إلى هذا الحد بسبب حرب خارجية.. وسيُدون خلفاء ترامب المحتملون هذه الملاحظة.
فجيه دي فانس، المرشح الأوفر حظًا على الأرجح لنيل ترشيح الجمهوريين، متشكك علنًا في حروب الشرق الأوسط.. وكذلك عدد من خصومه الديمقراطيين المحتملين.. أضف إلى ذلك، تدهور نظرة الأمريكيين إلى إسرائيل: فقد وجد استطلاع لمركز (بيو) في مايو الماضي، أن 62% من الأمريكيين يحملون نظرة سلبية تجاه الحكومة الإسرائيلية، بزيادة تسعة عشر نقطة عن عام 2022.. والإجماع المؤيد لإسرائيل، الذي ساعد في تشكيل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط يتلاشى.. لكن تقليص الالتزام ليس انسحابًا.. ستظل لأمريكا مصالح في الشرق الأوسط.. ومكافحة الإرهاب موضوع نادر يمكن للجميع الاتفاق عليه: فعندما هدد تنظيم الدولة الإسلامية بلاد الشام، وجدت أميركا وإيران نفسيهما تقاتلان في الجانب نفسه.. وحتى أمريكا، الأقل انخراطًا، قد تواصل شن هجمات على القاعدة وجماعات أخرى.. وستواصل بيع الأسلحة للحلفاء، والتفاوض على الاتفاقيات التجارية، ورعاية محادثات السلام.
ومن المرجح أن تستمر المساعدات العسكرية لإسرائيل سنوات، رغم أن بعض استطلاعات الرأي تُظهر، أن نسبة أكبر من الأمريكيين تعارضها.. ما سيتغير، هو فكرة الولايات المتحدة، باعتبارها الضامن الأمني للمنطقة وحلال مشكلاتها.. أي فكرة (أننا نتصل بواشنطن كلما واجهتنا مشكلة)، كما يقول مسئول خليجي.. وتقدم الأحداث الأخيرة في اليمن لمحة عما يعنيه ذلك.. فترامب لم يرفض فقط طلبات متعددة من الأمير محمد بن سلمان، لشن غارات جوية في اليمن، بل أجرى ممثلوه أيضًا محادثات في عُمان مع مبعوثين حوثيين، تعهدوا خلالها الالتزام بوقف إطلاق النار لعام 2025، والامتناع عن مهاجمة السفن الأمريكية في البحر الأحمر.. وربما تكون هذه الأخيرة لمسة ترامبية بامتياز؛ فمن الصعب تصور رؤساء آخرين يبرمون اتفاقات جانبية مع إرهابيين مُصنفين رسميًا.. لكن التردد في الانخراط سيستمر بعد ترامب. ولا يستطيع أحد من خارج المنطقة ملء الفراغ.. أوروبا أضعف من أن تفعل ذلك.. وعندما طلبت السعودية مساعدة بريطانيا، عرضت الأخيرة طائرة واحدة للتزود بالوقود جوًا.. أما روسيا فلا تملك الوسائل ـ فهي غارقة في أوكرانيا ـ ولا الإرادة؛ إذ عرضت المساعدة على الحوثيين، إلى حد كبير نكاية في الولايات المتحدة.. وهي ترى نفسها مستفيدة من الاضطرابات الإقليمية، لا مرشحة لإنهائها.. أما الصين فلا تملك خبرة حديثة في تنفيذ عمليات عسكرية جادة خارج حدودها.
وهذا يترك دول المنطقة نفسها، وأقواها دولها الثلاث غير العربية. تمتلك إيران صواريخها ووكلاءها، بينما تمتلك إسرائيل الجيش الأكثر قدرة تكنولوجية في الشرق الأوسط.. وهما، بمعنى ما، صورتان متقابلتان في المرآة: قويتان بما يكفي لتعطيل نظام إقليمي، لكن ليس لبناء واحد.. والثالثة هي تركيا، القوة العسكرية والدبلوماسية التي تتنامى أيضًا بوصفها مصدرًا للسلاح.. وقد تدخلت بصورة حاسمة في صراعات سابقة.. فالمتمردون الذين أطاحوا بالرئيس بشار الأسد في نهاية المطاف، أمضوا سنوات تحت الحماية التركية؛ كما صدت القوات التركية (أمير حرب) حاول الاستيلاء على العاصمة الليبية عام 2019.. لكن إيران وإسرائيل وكثيرًا من الدول العربية تنظر إلى الأتراك بريبة.. وعلى المدى القصير، من المرجح أن تنقسم المنطقة إلى كُتل، مع اصطفاف الدول العربية إلى جانب قوى غير عربية.. أما الاستقرار طويل الأجل فسيتطلب منها أداء دور أكبر.. ولكي تفعل ذلك، ستحتاج إلى جيوش أفضل، وتحالفات أقوى، وإلى ذلك الشيء الأكثر استعصاءً: التعاون.
وهناك بعض المؤشرات المطلوب إدراكها مبكرًا، منها الحاجة إلى التغيير، على الأقل في دول الخليج المستقرة والغنية.. خذ جيوشها مثلًا.. فقد أمضت دول الخليج عقودًا في شراء معدات عسكرية أمريكية باهظة الثمن.. ولم يكن كل ما اشترته مفيدًا في الحروب التي وجدت نفسها تخوضها في النهاية.. ومع تغير قوائم مشترياتها، ستبحث عن موردين جدد.. فقد أظهرت إيران قيمة امتلاك برنامج للصواريخ الباليستية.. ولا تستطيع السعودية شراء هذه الصواريخ من الولايات المتحدة، لكنها حصلت بالفعل على صواريخ من الصين، وربما استخدمتها ضد الحوثيين هذا الشهر.. وفي العالم العربي، الجميع تقريبًا حريص على شراء الطائرات المسيرة من تركيا، وهي من كبار منتجيها.. وفي وقت سابق من هذا العام، وقعت الإمارات اتفاقًا لعشر سنوات لشراء مُسيرات أوكرانية.. ويتضمن الاتفاق بندًا للإنتاج المشترك: ستُبنى مصانع جديدة لتصنيعها.. ويتوافق ذلك مع توجه متزايد في الإمارات وغيرها نحو إنتاج الأسلحة محليًا.. كما تبحث هذه الدول عن حلفاء جدد.
فمنذ يوليو الماضي، أعلنت السعودية اتفاقًا للدفاع المشترك مع باكستان وتركيا، وتحالفًا بحريًا لتأمين البحر الأحمر، يضم أكثر من اثنتي عشرة دولة.. وهذه الاتفاقات العسكرية، في شكلها الحالي، غامضة وطموحة أكثر منها عملية.. فالتحالف البحري يضم بنجلاديش، التي تبعد خمسة آلاف كيلو متر، ولا تمتلك قوة بحرية كبيرة قادرة على العمل في المياه البعيدة، لكنها تكشف اتجاه الحركة.. وستظهر مزيد من هذه التحالفات المؤقتة.. وسيكون بعضها قصير العمر، وربما يستمر بعضها الآخر.
●●●
■■ وبعد..
فإن الأهم من كل ذلك، أن الدول العربية ستحتاج إلى الاتفاق على شكل المنطقة التي تريدها.. قبل السابع من أكتوبر2023، كان من الشائع سماع مسئولين خليجيين يتحدثون عن (شرق أوسط جديد)، يُركز على جني المال أكثر من خوض الحروب.. كانت فكرة جميلة، لكنها غير واقعية في منطقة تعج بصراعات مستعصية وحكومات عاجزة.. واليوم لا تستطيع السعودية والإمارات حتى العمل معًا في اليمن، رغم أن الحوثيين يمثلون خطرًا على كليهما.. ولم تتحول الجامعة العربية ولا مجلس التعاون الخليجي، وهو نادٍ يضم ست ممالك نفطية، إلى مؤسسات ذات فاعلية.. وكانت مثل هذه النواقص نتيجة حتمية للحقبة الأمريكية في الشرق الأوسط.. فواشنطن وحلفاؤها الإقليميون لم يشتركوا قط في أجندة سامية.. لم يكن هناك مشروع ليبرالي ديمقراطي يربطهم معًا، كما حدث في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.. كما لم تعمل الولايات المتحدة على تعزيز النمو الاقتصادي بالطريقة التي فعلتها في آسيا.. كل ما أرادته كان ببساطة، استمرار تدفق النفط، وحماية إسرائيل، والحفاظ على قواعدها، ثم أضافت لاحقًا سحق الجهاديين إلى القائمة.. ولم يتطلب أي من هذه الأهداف أن تكون الدول العربية مقتدرة أو مزدهرة؛ بل إن بعضها كان أسهل تحقيقًا إذا لم تكن كذلك.. وكان ذلك مناسبًا لحلفائها الذين كان شاغلهم الرئيسي الحفاظ على أنظمتهم.. وقد حققت الولايات المتحدة كل هذه الأهداف، لفترة من الزمن.. لكن قواعدها اليوم تعرضت للضرب، وناقلات النفط التابعة لها تتعرض للهجمات، وأقرب حلفائها، إسرائيل، في حالة حرب منذ ثلاث سنوات.. وحتى لو لم يكن ترامب قد حطم هذا النظام بتهور، فإن ما بنته واشنطن خلال الأعوام الخمسة والثلاثين الماضية لم يكن متينًا على الإطلاق: فقد كان عدد كبير جدًا من دول المنطقة ضعيفًا أو منقسمًا أو فاشلًا.. والآن، من دون الضامن القديم الذي اعتادت هذه الدول الاتكاء عليه، ربما تجد نفسها مضطرة أخيرًا إلى بناء شيء أفضل بنفسها.
حفظ الله مصر من كيد الكائدين.. آمين
إعادة تشكيل الشرق الأوسط.. مهمة مستحيلة
إعادة تشكيل الشرق الأوسط.. مهمة مستحيلة
إقرأ أيضاً






