في السياسة الدولية لا شيء يترك للصدفة. الدول الكبرى لا تتحرك بدافع الانفعال أو الغضب حتى وإن بدا الأمر في كثير من الأحيان عكس ذلك.
كل نظريات العلوم السياسية باتت ترجح المصلحة كأساس للعلاقات الدولية أكثر من أي شيء آخر كالعاطفة أو الأيديولوجية أو الروابط الدينية/العرقية/الثقافية.
من هذه الزاوية يمكن تفسير سلوك الصين المحايد في الأزمة العالمية الأخيرة الناجمة عن الحرب الأمريكية على إيران
كثير من الخبراء والمحللين قالوا إن الحرب الأمريكية على إيران لها عدة أهداف وليس هدف واحد. هذه الأهداف تنقسم إلى مستويين، الدولي والإقليمي، وكل مستوى يحتوي على مجموعة أهداف فرعية، غير أنهم أجمعوا على أن الصين هي المستهدف الأخير من وراء تلك الحرب.
الصين تدرك هذه الحقيقة جيدا لكنها لم تتحرك حتى الآن والتزمت الحياد بشكل معلن على الأقل، وسط دهشة المراقبين عن سر الصمت الصيني المطبق إلا من بعض تصريحات روتينية لا ترقى لحجم الأزمة.
بكين أدركت مبكرا أن الإدارة الجيدة لتلك الأزمة أفضل من المخاطرة بإجراءات حدية، خصوصا وأنها على يقين أن أزمة بهذا الحجم لا يمكن حلحلتها بدون تدخل الخمسة الكبار في نهاية المطاف.
منذ فترة، وعلى خلفية حرب التعريفات الجمركية، تحددت زيارة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين لبحث الملف إلى جانب ملفات أخرى، وكان مقررا لها أبريل الماضي، غير أنها تأجلت بسبب الحرب.
أدرك ترامب أن الحرب على إيران ستحتل جدول أعمال اللقاء مع نظيره الصيني ولذلك قرر تأجيل زيارته إلى بكين لحين حسم الحرب بهدف تحسين موقفه التفاوضي بعد فرض أمر واقع على الجميع.
ترامب كان يرغب في الذهاب إلى الصين وهو يسيطر على نفط إيران بعد فنزويلا (الموردين الرئيسيين للصين) ومتحكما في خطوط الملاحة لكي يساوم الصين بأهم ورقتين في جعبته.
لم يستطع ترامب حسم الحرب، لكنه بات مضطرا لإنهائها بسبب نفاد الوقت. قانون صلاحيات الحرب الأمريكي يلزم الرئيس بالحصول على موافقة الكونجرس لتمديد أي عملية عسكرية خارج الحدود لأكثر من 60 يوما، بالإضافة إلى اقتراب موعد انطلاق بطولة كأس العالم التي تستضيفها الولايات المتحدة على أراضيها الشهر القادم، ناهيك عن الضغوط الداخلية المتنامية بسبب تداعيات الحرب الأكثر كارثية على الأمريكان.
سيذهب ترامب إلى الصين في 14 مايو الجاري وموقفه التفاوضي ضعيف. وعلي الأغلب سيطلب وساطة الصينيين وتدخلهم للضغط على إيران من أجل إعادة فتح مضيق هرمز والتنازل عن فكرة تحصيل رسوم مرور.
استبقت طهران زيارة ترامب وأوفدت كبير مفاوضيها ووزير خارجيتها عباس عراقجي إلى بكين، للاتفاق على الإطار العام للمفاوضات من أجل تثبيت مكاسبها من هذه الحرب كقوة إقليمية صاحبة حضور ربما سيكون الأقوى في النظام الجديد.
القاعدة الحاكمة للإيرانيين في هذا السياق، أن ترامب لن يحصل بالمفاوضات على ما لم يحصل عليه بالحرب، ولهذا يمكن اعتبار زيارة عراقجي إلى بكين رسالة استراتيجية متعددة الطبقات، تكشف أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوة العالمية، غير أن المشهد يتجاوز إيران والصين والولايات المتحدة معا.
نحن أمام لحظة تحول كبرى تعيد صياغة خرائط القوة والنفوذ والهيمنة في الشرق الأوسط، فيما ستكون منطقة الخليج العربي/الفارسي ساحة اختبار لهذا التحول الذي سيشكل النظام العالمي الجديد بعد أن فقد القديم (نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية) مقومات بقاؤه واستمراره.
إيران تدرك أنها تواجه أخطر لحظة ضغط منذ سنوات، لكن طهران، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة عزلتها، تعرف أيضا أن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس الضغط ذاته، وإنما انعدام البدائل والحلفاء في أوقات الصراع.
من هنا يمكن فهم أهمية الصين للجانب الإيراني.
الصين بالنسبة لإيران ليست حليفا أيديولوجيا بالمعنى، وربما الشيء الوحيد الذي يجمعهما الخلاف المشترك مع الإدارات الأمريكية المختلفة، وبمنطق عدو عدوي صديقي في عالم يتجه نحو الاستقطاب الحاد، ترى طهران في بكين رصيدا استراتيجيا وحليفا مستقبليا حين تحتدم الأمور.
بدورها لا تهتم الصين بعقيدة إيران أو طبيعة نظام الحكم فيها، بقدر ما هي حليف شرق أوسطي يستطيع تأمين: تدفق النفط/ الممرات التجارية/ أمن الطاقة/ استقرار سلاسل الإمداد، غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن الصين نفسها باتت عالقة داخل معضلة معقدة بسبب تلك الحرب بين ضرورة التدخل لحماية مصالحها وحلفائها بالشرق الأوسط، والرغبة في عدم الانخراط العسكري المباشر
الصين في الشرق الأوسط كانت تبيع منتجاتها للجميع، وتشتري النفط من الجميع، وتبني الموانئ وخطوط النقل للجميع، بينما تترك لواشنطن كلفة إدارة الفوضى الأمنية بالمنطقة.
هذا النموذج بدأ يهتز مع بدء التحولات الكبرى في المنطقة، فعندما يصبح مضيق هرمز مهددا، وأسواق الطاقة مضطربة، وسلاسل التجارة العالمية مختلة، فإن الاقتصاد نفسه يتحول إلى ملف أمني لا يمكن إهمال علاجه.
هنا وجدت الصين نفسها مضطرة للدخول سياسيا إلى منطقة كانت تفضل الاقتراب منها اقتصاديا وتجاريا فقط.
المعضلة الصينية الآن ليست كيف توسع نفوذها، بل كيف تحمي هذا النفوذ دون أن تستدرج إلى صدام مباشر مع الولايات المتحدة في مستنقع الشرق الأوسط التاريخي، ولهذا تبدو بكين شديدة الحذر في مقاربتها للأزمة الإيرانية.
هي لا تريد سقوط إيران أو خنقها الكامل، لأن ذلك يمنح واشنطن سيطرة أوسع على معادلات الطاقة الإقليمية، لكن في الوقت نفسه لا تريد الدخول في مواجهة مفتوحة دفاعا عن طهران.
هذه العقيدة الصينية يمكن تسميتها بـ"الحذر الاستراتيجي".
بكين تريد النفوذ دون الهيمنة، والتأثير دون المواجهة، والاستقرار دون تحمل تكلفة فرضه بالقوة، غير أن الشرق الأوسط بطبيعته لا يسمح للفاعلين بالوقوف في المنطقة الرمادية.
أما ترامب العائد إلى البيت الأبيض بعقلية الصفقات والضغوط القصوى، ينظر إلى المشهد بطريقة مختلفة تماما. هو يدرك أن الصين أصبحت الشريان الاقتصادي الأهم لإيران، وأن أي استراتيجية لعزل طهران لن تنجح دون تضييق هذا الشريان. ويدرك أيضا أن بكين على الجانب الآخر، رغم قوتها الاقتصادية، ما زالت تخشى الاضطراب الكبير في أسواق الطاقة، لأنه يهدد تباطؤ الاقتصاد الصيني نفسه.
من هنا، يحاول ترامب استخدام ورقة الخليج ضمن معركة أوسع مع الصين، لا تتعلق فقط بإيران، وإنما بإعادة رسم قواعد التوازن العالمي كله.
الولايات المتحدة تريد منع الصين من تحويل نفوذها الاقتصادي إلى نفوذ جيوسياسي كامل، بينما تسعى الصين إلى حماية تمددها الاقتصادي دون الاصطدام المباشر بالقوة الأمريكية.
في اللقاء المرتقب بين ترامب وشي جي بينج، ستناقش القوتان الأكبر في العالم ملفات: مضيق هرمز، أمن الخليج، النفط الإيراني، العقوبات، مستقبل التصعيد، وربما حدود الدور الصيني نفسه في الشرق الأوسط، ولهذا عمدت إيران إلى إيصال موقفها أولا إلى بكين.
في العلاقات الدولية، من يجهز البيئة السياسية لراويته يملك غالبا اليد العليا أثناء عملية التفاوض. ولهذا السبب تحديدا جاءت زيارة عراقجي إلى بكين.
الأهم من الزيارة ذاتها هو ما تكشفه من تحولات أعمق، فلأول مرة منذ عقود، لم تعد أزمات الشرق الأوسط تدار بالكامل من خلال مكاتب واشنطن.
هناك مركز ثقل جديد يتشكل تدريجيا في زاوية أخرى من العالم، أو على الأقل عملية إعادة تموضع كبرى تجري تحت دخان الأحداث، وفي قلب هذا المشهد تقف إيران وهي تحاول استخدام التنافس بين القوتين الكبيرتين كمساحة للبقاء والمناورة وتثبيت المكانة الدولية.


















0 تعليق