في السادس والعشرين من أغسطس 2026 انفصلت كتلة ضخمة من نهر جليدي قرب قمة لانجتانج ليرونج على الحدود بين نيبال والتبت، وانهارت إلى الوادي أسفلها. لم يسبق الحدث مطر، وكانت السماء صافية، وبلغت قوة الارتطام حدًا جعل هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية تسجله في البداية على أنه زلزال بقوة 4.4 درجة. اندفعت كتلة المياه والركام في مجرى ضيق، ثم إلى نهر بوتي كوشي، ثم إلى نهر تريشولي، فارتفع منسوب الأخير نحو تسعة أمتار في ثلاثين دقيقة، ودُمّر في طريقه مشروعان لتوليد الطاقة الكهرومائية.
الأهم من الحدث نفسه هو ما كشفه عن منظومة الإنذار. لم تكن المنطقة بلا نظام إنذار مبكر، بل كان هناك نظام قائم منذ سنوات، أثبت فاعليته في مناسبات سابقة. غير أنه صُمم لقياس مناسيب المياه تحسبًا لفيضانات الموسم المطير، أي أنه كان يرصد الخطر المعروف سلفًا. أما الخطر الذي وقع فعلًا فكان من نوع آخر لا يرد في أي سجل قياس. لم يكن الإنذار غائبًا، بل كان موجهًا إلى الاتجاه الخطأ.
هذه الحادثة، على بعدها الجغرافي عنا، تلامس واحدة من أعمق نقاط الضعف في البنية التحتية للمنطقة العربية، وهي نقطة هندسية ومعرفية قبل أن تكون إدارية.
الافتراض الصامت الذي بُني عليه كل شيء
كل منشأ مرتبط بالمياه في العالم، من السد الكبير إلى بالوعة الصرف في الشارع، صُمم استنادًا إلى افتراض واحد نادرًا ما يُصرَّح به: أن الماضي دليل معقول على المستقبل.
يأخذ المهندس أطول سجل متاح للأمطار والتصرفات، ويشتق منه توزيعًا احتماليًا، ثم يحدد ما يُعرف بالفيضان التصميمي وفترة تكراره، فيقال مثلًا إن هذا هو "فيضان المائة عام"، أي الفيضان الذي تبلغ احتمالية حدوثه في أي سنة واحدًا في المائة. وعلى هذا الرقم تُبنى قرارات لا رجعة فيها: ارتفاع السد، وسعة المفيض، وأقطار شبكات التصريف، ومناسيب الكباري، وحدود المناطق التي يُحظر البناء فيها.
هذا الافتراض يسمى في أدبيات الهيدرولوجيا "الثبات" (Stationarity). وفي عام 2008 نشر فريق بقيادة كريستوفر ميلي ورقة في دورية Science حملت عنوانًا حاسمًا: "الثبات مات". وأهمية هذه الورقة أنها لا تتحدث عن ارتفاع درجات الحرارة، بل عن شيء أخطر: أن أداة الحساب ذاتها لم تعد صالحة. فنحن ما زلنا نصمم باحتمالات مشتقة من مناخ لم يعد قائمًا.
والأساس الفيزيائي لذلك بسيط إلى حد مقلق. فقدرة الهواء على حمل بخار الماء تزداد بنحو سبعة في المائة لكل درجة مئوية من الاحترار، أي أن السحابة نفسها صار لديها رصيد أكبر لتفرغه. وقد خلص التقرير التقييمي السادس للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ إلى أن الأمطار الغزيرة قد اشتدت في معظم مناطق اليابسة، وأن للتأثير البشري إسهامًا في ذلك.
والنتيجة العملية أن الحدث الذي كنا نصنفه بأنه يقع مرة كل مائة عام قد صار يقع بتواتر أعلى من ذلك في كثير من الأحواض. لم يتغير السد، ولم تتغير الخرسانة، وإنما تغير احتمال الحدث. وهنا يكمن جوهر المشكلة: هامش الأمان الذي نطمئن إليه لم يكن في المنشأ، بل كان في الافتراض.
السدود على وجه الخصوص
السد منشأ يشيخ. فمع الزمن يتراكم الطمي داخل الخزان فتتناقص سعته التخزينية، أي تتناقص قدرته على استيعاب موجة فيضانية مفاجئة، عامًا بعد عام، دون أن يكون هناك أي عطل ظاهر. وفي الوقت نفسه الذي تتناقص فيه القدرة، يتزايد احتمال الحدث المتطرف. المنحنيان يتحركان في اتجاهين متعاكسين، وثمة نقطة تقاطع بينهما، غير أن هذا التقاطع لا يصدر عنه أي إنذار مسموع.
يضاف إلى ذلك أن السدود نادرًا ما تقوم منفردة، إذ تُنشأ غالبًا في سلسلة على المجرى ذاته. وإذا تجاوز المنشأ الأول قدرته الاستيعابية، فإن المنشأ التالي لا يستقبل فيضانًا طبيعيًا وإنما موجة، وهي حالة تحميل مختلفة نوعيًا عما صُمم له. وهذا بالضبط ما حدث هيدروليكيًا في نيبال، دون أن يكون في أصل الحادثة سد أساسًا.
أما الدرس الأهم فهو أن المنشآت التي دُمرت كانت آمنة تمامًا إزاء الخطر الذي صُممت لمواجهته. المطر لم يهطل، والخطر جاء من الأعلى، من جسم جليدي لا يظهر في أي جدول بيانات هيدرولوجية. وحين يكون مصدر الخطر من نوع غير ممثل في السجل التاريخي، فإن كل الحسابات الإحصائية تصبح إجابة بالغة الدقة عن سؤال لم يُطرح.
اتساع نطاق التأثير: البعيد بات قريبًا
ثمة بُعد آخر يُستهان به عادة، وهو أن ظواهر كنا نعدها بعيدة جغرافيًا صارت تمس أنظمتنا مباشرة.
فتسخين طبقة سطحية من مياه المحيط الهادئ، على بعد آلاف الكيلومترات، وهو ما يُعرف بظاهرة النينيو، يعيد ترتيب توزيع الأمطار في نصف الكوكب، ويمتد أثره إلى مرتفعات ومنابع أنهار تعتمد عليها المنطقة في مواردها المائية. والظاهرة ليست جديدة، فهي قائمة منذ آلاف السنين. الجديد أمران: أننا صرنا قادرين على رصدها والتنبؤ بها قبل أشهر، وأن حساسيتنا لها قد ازدادت لأن هوامش الأمان لدينا قد تآكلت.
وهذه النقطة الثانية جديرة بالتأمل، لأنها تعني أن الظاهرة نفسها بالشدة نفسها تُحدث اليوم ضررًا أكبر، لا لأنها اشتدت بالضرورة، بل لأن النظام الذي تصطدم به قد اقترب من حافته. فقد توسعت المدن، واستُصلحت الأراضي، ووُزعت التصرفات المائية حتى آخرها، حتى صار أي انحراف طفيف عن المتوسط كافيًا لتجاوز العتبة.
مدن مصممة على خرائط انتهت صلاحيتها
إذا نظرنا إلى شبكات تصريف الأمطار في معظم مدن المنطقة، لوجدنا أنها صُممت على قيم لشدة المطر مشتقة من بيانات يعود بعضها إلى عقود مضت، ونادرًا ما تُراجع منحنيات الشدة والمدة والتكرار التي بُنيت عليها.
وفي الوقت نفسه تغيرت المدينة تحت هذه الشبكات. فالأسطح التي كانت تسمح بترشيح المياه غُطيت بالأسفلت والخرسانة، ما رفع معامل الجريان السطحي، فصارت الهطولة ذاتها تنتج حجم جريان أكبر بكثير. أي أننا زدنا الحمل وقلصنا القدرة في آن واحد.
يُضاف إلى ذلك أن أحزمة الغزارة المطرية نفسها تشهد إزاحة مكانية، فتتلقى مناطق كانت شبه جافة في الذاكرة الحية للسكان هطولات لم تكن معتادة عليها. وقد جرى التوسع العمراني في بعض هذه المناطق، بل وفي بطون الأودية أحيانًا، لاستواء أرضها وانخفاض كلفتها ولأن أحدًا لم يشهد فيها ماءً. غير أن ذاكرة السكان تمتد بضعة عقود، بينما ذاكرة المجرى المائي تمتد آلاف السنين، والمجرى يستعيد مساره دائمًا.
البعد الصحي الغائب عن النقاش
ما يغيب عن هذا النقاش عادة أن المستشفى والمركز الصحي والمختبر ومخزن الأدوية هي بدورها بنية تحتية، حُدد موقعها بالخرائط نفسها والأرقام نفسها، وكثيرًا ما تقع في المناطق المنخفضة لانخفاض كلفة الأرض فيها.
والكارثة، من منظور صحي، لا تنتهي بانحسار المياه بل تبدأ عندها. فانقطاع التيار الكهربائي يعني انهيار سلسلة التبريد، ومن ثم فقدان اللقاحات والأنسولين. ومريض الغسيل الكلوي تتوقف جلساته حين تتعطل المحطة أو ينقطع الطريق. ومريض الضغط والسكري يغادر منزله دون علاجه المزمن. ويؤدي تداخل شبكات المياه مع شبكات الصرف إلى موجة من الأمراض المنقولة بالمياه خلال أسبوعين، ثم إلى تكاثر النواقل في المياه الراكدة خلال شهر.
وهذه أعباء قابلة للقياس لا مجرد احتمالات نظرية. ففي الربع الأول من عام 2026 وحده سُجل في إقليم شرق المتوسط نحو أربعة وعشرين ألف حالة كوليرا وإسهال مائي حاد. أي أن الحدث المتطرف يقتل مرة واحدة في يومه الأول أمام الكاميرات، ثم يواصل القتل شهورًا في صمت. ونحن نحصي اليوم الأول وحده، رغم أن وفيات الشهور التالية هي الأقل كلفة والأيسر منعًا.
نحو إطار مختلف للتصميم
الحل ليس رفع كل السدود وتوسيع كل الشبكات، فذلك غير ممكن اقتصاديًا وليس هو المطلوب أصلًا. المطلوب تحول في منطق التصميم ذاته، يقوم على أربعة مبادئ:
أولًا، أن يكون للقيمة التصميمية تاريخ انتهاء صلاحية، وأن تُراجع دوريًا في ضوء أحدث السجلات والإسقاطات، بدلًا من أن تُتوارث بين الأجيال بوصفها ثابتًا طبيعيًا.
ثانيًا، أن يُصمم على مدى من الاحتمالات لا على قيمة مفردة، وأن يُطرح السؤال عن كيفية فشل المنشأ لا عن حده الأقصى للصمود فحسب، بحيث يكون الفشل تدريجيًا قابلًا للاحتواء لا مفاجئًا كارثيًا.
ثالثًا، أن يمتد الرصد إلى الأخطار التي لا سجل لها لدينا، لا إلى الأخطار التي تتوافر عنها بيانات جاهزة، لأن أشد المخاطر خطورة هو ما لا يرد في الجدول من الأساس.
رابعًا، أن تُمنح المنشآت الحيوية، وفي مقدمتها المرافق الصحية، هامش أمان أعلى من غيرها، لأنها هي المطالبة بالعمل في اليوم الذي يتوقف فيه كل شيء آخر.
وهنا يتضح أن المشكلة ليست في الإهمال، فالإهمال ظاهر ومكشوف ويسهل تشخيصه. المشكلة أخطر من ذلك: أن يجري التنفيذ بأعلى درجات الدقة والاحتراف والتوثيق، ولكن استنادًا إلى مواصفة انتهت صلاحيتها، فتكون المحصلة منشأً سليمًا تمامًا بالنسبة لعالم لم يعد قائمًا.
في صباح ذلك اليوم في نيبال كانت السماء صافية، وكانت الأجهزة تعمل بكفاءة وتقيس بدقة مطرًا لم يهطل. وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن يستقر: إن اليوم الأشد خطورة ليس اليوم الذي تنذر فيه التوقعات بعاصفة، بل اليوم الذي تقول فيه إن الجو صحو، فنطمئن، ونحن نحسب المخاطر بأرقام اشتُقت من مناخ مضى.
- أستاذ باحث مشارك، جامعة الأمم المتحدة
- مياه أسيوط تطوّر منظومة تشغيل وصيانة شبكات المياه
- تفاصيل مشروعات المرافق لأراضي التقنين بأكتوبر الجديدة
- 65 مليون ريال لتنفيذ شبكات مياه فى خميس مشيط.. "المياه الوطنية" بالسعودية تعلن التفاصيل
- فرق الإنقاذ تواجه تحديات جسيمة بعد فيضانات نيبال-التبت
- نيبال في حالة تأهب.. انهيار سد جديد في التبت يهدد آلاف السكان





