رحلة إلى أرمينيا.. الحاضر بين أسى الماضى وآمال المستقبل «9»

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

سمعت عنه كثيرًا قبل أن تخط قدماى الأراضى الأرمينية.. الوِجهة الأهم التى يجب عليك زيارتها، وقرأت أنه أحد أقدس المواقع للهوية الأرمينية، إلى جانب جبل أرارات، وأنه مَن جعل يريفان «مستودعًا للأساطير والآمال الأرمينية».. فهو ملاذ ومعبد الأرمن، حيث تُعامل المخطوطات ليس فقط باحترام علمى، بل أيضًا بتقديس.

إنه متحف ماتيناداران.. رمز القيم الأساسية للثقافة الأرمينية، ودليل الأرمن على المستوى الرفيع من الثقافة والمعرفة، الذى بلغه أسلافهم منذ القرن الخامس الميلادى.

قال عنه أحد الزعماء الأرمن، إنه لم تعد هناك حاجة لحماية الكتب والمخطوطات الأرمينية من التلف المحتمل نتيجة الهجرات المستمرة، إذ إنها محفوظة فى متحف ماتيناداران، الذى وصفه بأنه «معبد الإبداعات النفيسة لعقل الشعب وموهبته». 

يعدّ معهد ماتيناداران، واسمه الرسمى معهد ميسروب ماشتوتس للمخطوطات القديمة، أكبر مركز لحفظ ودراسة ونشر المخطوطات الأرمينية، إذ يجمع بين وظائف المتحف والأرشيف والمؤسسة العلمية، ويضمّ المعهد أكبر مجموعة من المخطوطات الأرمينية فى العالم.

ورسميًا يحمل المتحف اسم ميسروب ماشتوتس، مخترع الأبجدية الأرمينية، الذى يقف تمثاله أمام المبنى. وقد أُدرجت مجموعته فى سجل برنامج ذاكرة العالم التابع ليونسكو.

كلمة «ماتيناداران» مركبة من كلمتى «ماتيان» (كتاب أو رق) و«داران» (مستودع). الكلمتان من أصل فارسى وسيط. وفى أرمينيا فى العصور الوسطى، استُخدم مصطلح «ماتيناداران» بمعنى مكتبة، حيث كانت كل الكتب مكتوبة بخط اليد.

تأسس المعهد عام ١٩٥٩ على أساس المجموعة المؤممة للكنيسة الأرمينية، التى كانت محفوظة سابقًا فى كاتدرائية «إتشميادزين»، وهى أقدم كاتدرائية رسمية فى العالم المسيحى، حيث بنيت بين عامى ٣٠١ و٣٠٣م. وقد توسّعت مجموعة الماتيناداران تدريجيًا منذ تأسيسه، بفضل التبرعات الفردية. 

يقع مبنى ماتيناداران على منحدر فى الطرف الشمالى الشرقى من شارع ماشتوتس، وهو الشارع الرئيسى فى وسط يريفان. يرتفع النصب التذكارى ١٨ مترًا فوق مستوى الشارع، يُمثّل حلقة وصل وسيطة فى التكوين المكانى، الذى يضم تمثال أم أرمينيا وقاعدته الضخمة أعلى التل.

فى عام ١٩٣٩ تم تكليف المهندس مارك غريغوريان بتصميم المتحف، واستغرق بناؤه سنوات طويلة بسبب توقف البناء فى أوقات الحروب، وتم افتتاحه عام ١٩٥٩.

يبلغ ارتفاع المبنى ٢٢.٤ متر، وهو عبارة عن مكعب بسيط مُغطى بحجر البازلت الرمادى المحلى. يتأثر تصميم واجهته وداخله بالعمارة الأرمينية فى العصور الوسطى، ويتميز المدخل المقوس المركزى بتصميم من وحدات زخرفية معدنية مثمنة متشابكة، أما الباب النحاسى الضخم، المستوحى من أبواب الكنائس فى العصور الوسطى، فهو مزين بزخارف متكررة. فى ساحة المبنى تنتشر تماثيل بازلتية كاملة لستة علماء أرمن من العصور الوسطى، ويبرز من بينهم تمثال «ميسروب ماشتوتس، وتلميذه كوريون».

لفت انتباهى بعد دخول المتحف تميز التصميم الداخلى والرخام البنى اللون الذى يكسو الأرضية، وأيضًا لوحة فسيفساء تصوّر معركة حربية صنعت من قطع فسيفساء زرقاء وسوداء وحمراء وبرتقالية وصفراء، من إبداع الفنان «فان خاتشاتور»، واللوحة مُثبّتة على السطح نصف الدائرى لقوس.

وعند صعود السلم إلى قاعة العرض الرئيسية، بهرتنى لوحة جدارية ثلاثية الأجزاء نابضة بالحياة، مستوحاة من عصر النهضة، من إبداع الفنان «فان خاتشاتور» تُصوّر ثلاث فترات من التاريخ الأرمينى- أورارتو، والهيلينية، والعصور الوسطى المسيحية. 

يحتوى متحف ماتيناداران، حاليًا، على ما يقارب ٢٣٫٠٠٠ مخطوطة ولفافة، بما فى ذلك أجزاء منها. وهى أكبر مجموعة منفردة من المخطوطات الأرمينية فى العالم.

إضافة إلى ذلك، يضم المتحف أكثر من ٥٠٠٫٠٠٠ وثيقة، مثل المراسيم الإمبراطورية والكاثوليكية، ووثائق متنوعة متعلقة بالدراسات الأرمينية، ودوريات أرشيفية.

تُغطى المخطوطات طيفًا واسعًا من المواضيع: أعمال دينية ولاهوتية «الأناجيل، والكتب المقدسة، وكتب القراءات، والمزامير، والترانيم، والخطب، والكتب الليتورجية»، ونصوص فى التاريخ، والرياضيات، والجغرافيا، وعلم الفلك، وعلم الكون، والفلسفة، والفقه، والطب، والكيمياء، والتنجيم، والموسيقى، والنحو، والبلاغة، وفقه اللغة، وعلم التربية، ومجموعات شعرية، ونصوص أدبية، وترجمات من اليونانية والسريانية.

وتُشكل كتابات «غريغور ناريكاتسى ونرسيس شنورهالى» المحفوظة فى ماتيناداران حجر الزاوية للأدب الأرمينى فى العصور الوسطى.

ومن أهم المخطوطات التى سعدت برؤيتها: 

- مخطوطة مشو شارانتير، وقد استلزم إنتاجها استخدام جلود أكثر من ٦٠٠ عجل لإعداد صفحاتها البالغة ٧٠٠ صفحة. وتعود المخطوطة إلى عام ١٢٠٠ ميلاديًا وتُعد من أثمن كنوز التراث الأرمنى المعروضة.

- إنجيل فيهامور، يعود تاريخ كتابته إلى القرن السابع الميلادى. وهى النسخة الرسمية التى يؤدى عليها رؤساء أرمينيا اليمين الدستورية أثناء مراسم التنصيب.

- مخطوطة ماديان، وهى أقدم مخطوطة ورقية أرمينية بدلًا من الرق التقليدى. كُتبت بخط «بولوركير»، وتضم نصوصًا علمية، وتاريخية، وعلمانية، ودينية صاغها الكاهن دافيد وابنه لوق.

وللحديث بقية.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق