الخميس 27/أغسطس/2026 - 11:16 م 8/27/2026 11:16:34 PM
سيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى..
أكتب إليك هذه المرة من موقع مختلف قليلاً؛ لا لأعلق على خطاب سياسى، ولا لأناقش قرارًا حكوميًا، ولا لأضيف صوتًا إلى أصوات كثيرة تتحدث عن الدولة وإنجازاتها وتحدياتها، وإنما لأتوقف عند موقف مسئول لسيادتكم فى مناسبة لها دلالتها الخاصة، وفى توقيت أظن أنه يستحق أن نتأمل فيه أكثر مما نتأمل فى تفاصيله.
ففى احتفال وزارة الأوقاف بذكرى المولد النبوى الشريف، وفى مناسبة دينية جليلة اعتاد المصريون أن يسمعوا فيها كلمات عن القيم والأخلاق والرحمة والإنسان، جاءت منكم دعوة مختلفة فى طبيعتها ودلالتها؛ توجيه الحكومة إلى إعداد عرض شامل لما تحقق من إنجازات خلال سنوات مضت، وفتح الباب أمام المفكرين والمثقفين وأساتذة الجامعات والمتخصصين للمشاركة فى مؤتمر فى أكتوبر المقبل يناقش ما تحقق، وما واجه الدولة من تحديات، وما يمكن أن يكون محل نظر أو تقييم.
وقد يكون هذا فى ظاهره مجرد توجيه رئاسى إلى الحكومة، لكنه فى تقديرى ليس كذلك. لأن مناسبة إطلاقه، وطبيعة الموضوع الذى تناولتموه، والفئة التى دعوتم إلى الاستماع إليها، تجعل الأمر أكبر من مجرد مؤتمر جديد يضاف إلى قائمة المؤتمرات والحوارات التى شهدتها مصر خلال السنوات الماضية.
ولعل هذه هى المرة الأولى التى أستشعر فيها أن مناسبة دينية، وبالتحديد ذكرى المولد النبوى الشريف، كانت منصة يخرج منها توجيه رئاسى بهذا الوضوح نحو مراجعة تجربة سنوات من إدارة الدولة، ووضع إنجازاتها وتحدياتها أمام عقول المفكرين وأساتذة الجامعات وأصحاب الرأى من المثقفين، ولذلك أتعامل كمواطن مصرى مع الأمر بجدية شديدة؛ لأننى لا أظن – من فراغ – أن الأمر جللٌ إلى هذا الحد، ولا أعتقد أن اختيار هذه المناسبة بالذات لإطلاق هذه الدعوة يمكن أن يكون بلا دلالة، وربما لهذا السبب تحديدًا أوجه رسالتى إليكم قبل أن يبدأ المؤتمر، لا بعد أن ينتهى، لأن ما أخشاه ليس من فكرة المؤتمر، وإنما من أن تكون الفكرة أكبر من طريقة تنفيذها.
ودافع هذه الرسالة قبل أى شىء هو محبتى لكم، وتقديرى لوطنيتكم، واعتبار نفسى واحدًا من هؤلاء الذين ركبوا سفينتك فى الثالث من يوليو عام 2013؛ تلك السفينة التى قدتها فوق الطوفان فى لحظة كانت مصر فيها أقرب إلى الغرق، ثم بدأت بها رحلة شاقة لإعادة بناء الدولة المصرية ومؤسساتها، وبناء ما يمكن أن نسميه مصر الجديدة.
ولذلك فأنا لا أكتب إليكم من موقع النقد، ولا من موقع الباحث عن خطأ فى تجربة السنوات المنقضية، وإنما أكتب من موقع من يرى أن السفينة التى ركبناها معك فى لحظة الخطر قد قطعت شوطًا طويلاً، وأن من حقنا جميعًا أن نحرص عليها، وأن نقول لقائدها ما نراه ونحن فى منتصف الرحلة تقديرًا له وحفاظًا عليه، وقد يكون من أهم صور المحبة الوطنية أن نقول لمن نثق فى وطنيته ما نعتقد أنه يمكن أن يجعل الطريق أكثر أمانًا، حتى وإن كان الكلام نفسه يحمل قدرًا من القلق أو التحفظ، وأنا أقول لسيادتكم منذ البداية: لا أملك أجندة سياسية خاصة، ولا أنتمى إلى حزب سياسى ولم أنتمِ يوماً، ولا أكتب لحساب تيار أو جماعة، ولا أطلب من الدولة موقعًا أو منصبًا، وإنما أجندتى الوحيدة، كما أراها وأعلنها، هى مصلحة مصر.
سيادة الرئيس، مصر عرفت فى السنوات الماضية عشرات المؤتمرات والحوارات واللجان وموائد النقاش، بعضها كان مهمًا بالفعل، وبعضها أنتج أوراقًا وتوصيات، وبعضها حظى بتغطية واسعة، لكن الحقيقة التى لا يستطيع أحد تجاهلها أن المواطن العادى لم يشعر دائمًا بأن كل هذه الحوارات تركت أثرًا يوازى حجمها، وأن كثيرًا من المصريين أصبحوا يتعاملون مع كلمة «مؤتمر» بشيء من الحذر، ليس رفضًا للحوار، وإنما لأنهم يريدون أن يعرفوا ماذا يحدث بعد انتهاء التصفيق، وماذا بقى من الكلام عندما أغلقت القاعات أبوابها. وهذه هى أول نقطة أضعها أمامكم بكل صراحة: لا نحتاج مؤتمرًا آخر لمجرد أن لدينا مؤتمرًا جديدًا، وإنما نحتاج مؤتمرًا مختلفًا لأن الدعوة هذه المرة جاءت من القائد الأعلى ورئيس الجمهورية، ولأنكم وضعتم أمامه عنوانًا بالغ الحساسية: «سنوات من الإنجاز، وتحديات الدولة، ورأى المفكرين والمثقفين وأساتذة الجامعات والخبراء»، وهنا يصبح الاختبار الحقيقى ليس فى عدد الحاضرين، ولا فى عدد كلمات الشكر، ولا فى حجم العروض التى ستقدمها الحكومة، وإنما فى شىء واحد: هل سيسمح للعقل المصرى أن يقول ما يراه فعلاً؟
سيادة الرئيس..
سيادتكم تدرك أكثر منى أن عرض الإنجازات على أجهزة الدولة يختلف تمامًا عن عرضها على المفكرين وأهل الرأى، فالوزارة تستطيع أن تقدم أرقامًا، والهيئة تستطيع أن تعرض ما نفذته، والجهاز يستطيع أن يشرح اختصاصاته، لكن المفكر لا يتوقف عند الرقم؛ يسأل عن دلالته، والعالِم يسأل عن نتائجه، والمؤرخ يسأل ماذا سيبقى منه فى ذاكرة الدولة، والاقتصادى يسأل عن كلفته وعائده، وعالم الاجتماع يسأل عن أثره على الناس، والجغرافى يسأل عن أثره على توزيع العمران والسكان والموارد، ورجل القانون يسأل عن بنيته المؤسسية والتشريعية، والمتخصص فى الأمن القومى يسأل عن ضرورته فى سياق التحديات المحيطة بمصر، والطبيب يسأل عن أثره على صحة المصريين، والمهندس يسأل عن جدواه واستدامته، ورجل الصناعة يسأل عن قدرته على بناء إنتاج حقيقى، والمثقف يسأل عن الإنسان الذى يقف فى نهاية كل هذه الحسابات، ولهذا فإن وضع سنوات من إدارة الدولة أمام هذه العقول ليس مجرد عرض إنجازات؛ إنه نقل للإنجاز من دائرة الإدارة إلى دائرة التقييم، ومن لغة الأرقام إلى لغة التاريخ، ومن التقرير الحكومى إلى السؤال الوطنى.
وهنا أقول لسيادتكم.. إن دعوة كهذه تضع إنجازات السنوات المنقضية كلها فى مرمى العلم والتاريخ والفلسفة والاقتصاد والسياسة والاجتماع والجغرافيا والقانون والدين والنقد والإبداع، وهذا، فى حد ذاته، اختبار بالغ الصعوبة، لأن الإنجاز الذى يبدو مكتملاً فى تقرير إدارى قد تظهر له أسئلة أخرى حين يقرأه المؤرخ، أو الاقتصادى، أو عالم الاجتماع، أو رجل القانون، أو المفكر. وقد يكتشف أحدهم قيمة لم تُرَ، وقد يرى آخر ثغرة لم يُنتبه إليها، وقد يدافع ثالث عن مشروع تعرض للنقد، وقد يسأل رابع عن أولوية مشروع آخر، وكل ذلك ليس خطرًا على الدولة، وإنما هو بالضبط ما يجعل الحوار ذا قيمة.
وأنا هنا لا أخفى تخوفى... وهذه نقطة أرجو أن تكون واضحة، وأخشى أن تصل الدعوة إلى أصحابها عبر القنوات التقليدية نفسها التى اعتادت أن تختار من تتعامل معهم الدولة، فتتحول دعوة المفكرين إلى دعوة لبعض المفكرين، ودعوة المثقفين إلى دائرة من المثقفين المعروفين، ودعوة أساتذة الجامعات إلى أسماء تمر عبر ترشيحات الجامعات، ثم نجد فى القاعة مجموعة محترمة بالفعل، لكنها لا تمثل بالضرورة كل العقول التى تحتاج مصر إلى سماعها، وأخشى – أيضًا – أن تتحول الدعوة من «دعوة الرئيس إلى العقل المصرى» إلى «ترشيحات الجهات المختلفة لتقديمها للرئيس»، وبين المعنيين مسافة شاسعة، لأن الدولة، مهما بلغت قدرتها على المعرفة، لا يمكن أن تعرف كل أصحاب هذه الترشيحات، ولا يمكن للمؤسسات أن تكون وحدها بوابة الوصول إلى أصحاب الفكر الحقيقى، وقد يكون أخطر ما فى الأمر أن بعض العقول التى تحتاج مصر إلى سماعها هى بطبيعتها خارج الدوائر التقليدية، وبعض أصحابها لم يتعلموا يوماً فن الاقتراب من السلطة، وبعضهم ربما انتقد الحكومة أو اختلف معها، وبعضهم لا يعرفه أحد من أصحاب الترشيحات أصلاً، لكنه يملك علمًا وتجربة وضميرًا ورؤية تستحق أن توضع على الطاولة.
سيادة الرئيس..
إذا كنتم قد تفضلتم بدعوة المفكرين وهذه رؤيتكم الثاقبة التى أحترمها وأقدرها، فأرجوك لا تسمح أن يحضر المؤتمر فقط من اعتادت المؤسسات الروتينية والدواليب الحكومية أن ترشحهم، بل ندع فى القاعة من يوافق الحكومة ومن يختلف معها، من مدح بعض سياسات الدولة ومن انتقد بعضها، من يرى أن مشروعًا كان ضرورة ومن يرى أن أولوية أخرى كانت أولى، ومن يملك القدرة على تقديم بديل لا مجرد الاعتراض، لأن المفكر الذى يقول إن كل شىء صحيح لن يساعد الدولة كثيرًا، أما المفكر الذى يستطيع أن يقول أين يرى الخلل ولماذا، وما الذى كان يمكن أن يكون أفضل، فهو الذى يمكن أن يضيف شيئًا إلى الدولة.
وربما هنا تكمن قيمة أخرى للمؤتمر؛ فقد يكون بين من انتقدوا بعض المشروعات أو الأولويات من لا يعرفون كل الاعتبارات التى دفعت الدولة إلى اتخاذ القرار، وقد تكون هناك اعتبارات تتعلق بالأمن القومى، أو بالجغرافيا السياسية، أو بمتطلبات إعادة بناء مؤسسات الدولة، أو بمخاطر إقليمية، أو بضرورات اقتصادية طويلة المدى، لم تكن كلها متاحة أمام الرأى العام، ولذلك فإن وجود هؤلاء المنتقدين فى مواجهة الرئيس والحكومة قد يكون فرصة عظيمة؛ لأن الدولة تشرح ما تستطيع، والمفكر يقول ما يرى، وفى النهاية لا يكون المطلوب من أحد أن يتنازل عن عقله.
وأنا بالطبع لم أحظَ بشرف الجلوس أمام فخامتكم يوماً فى قاعة أو اجتماع، ولم أعرف رئيس الوزراء، ولم يناقشنى وزير فى كل ما كتبت من رؤى حول إصلاح التعليم والإعلام ومؤسسة الأزهر وقطاع الأعمال العام، وإصلاح الإدارة، وبناء الإنسان، وسلوكيات المجتمع وأخلاقياته، وقضايا الثقافة، وتطوير مؤسسات الدولة، وغير ذلك من الملفات التى ظللت أكتب فيها سنوات طويلة.
ولم يكلّف واحد من أصغر الموظفين فى مكاتب الوزراء أو المحافظين أو المسئولين أن يتواصل معى ليقول لى: «أنت أصبت، وسندرس الأمر»، أو «أنت أخطأت، والصحيح هو كذا». فأنا أكتب، ثم لا يحدث شىء. وأطرح، ثم لا يصلنى رد.. وأجتهد، ثم لا أعرف حتى إن كان ما كتبته قد قُرئ أصلاً، والحقيقة العلمية التى لا تحتاج إلى جدل أن لكل فعل رد فعل مساويًا له فى القوة ومضادًا له فى الاتجاه؛ فإذا كان ما أكتبه فعلاً فكريًا، فإن غياب أى رد فعل من صاحب المسئولية يجعل الرسالة فى الواقع بلا أثر، وطالما لم يأتِ رد فعل من مسئول، مهما كان هذا الرد قبولاً أو رفضًا أو حتى تصحيحًا، فإن طبيعة ما أكتب تنتهى عمليًا إلى أن يُنظر إليها وكأنها لم تكن فعلاً يستحق الرد.
وأنا أكتب هذا لا لأعاتب أحدًا، ولا لأطالب بأن ترد الحكومة على كل كلمة يكتبها كل مواطن، فهذا أمر غير ممكن ولا مطلوب، وإنما لأضع أمام سيادتكم مشكلة أكبر: إذا أردنا بالفعل أن نستدعى العقل المصرى إلى الحوار، فعلينا أن نخلق له إحساسًا بأن ما يقوله يصل، وأن هناك من يسمعه، فالمفكر أو العَالِم أو المثقف لا يحتاج دائمًا إلى أن يرى فكرته تتحول إلى قرار، لكنه يحتاج إلى أن يعرف أن أحدًا قرأها، وأنها وصلت إلى المكان الصحيح، وأنها دخلت دائرة التفكير العام، حتى لو انتهى القرار إلى رفضها. إن الصمت الكامل أمام الفكر يقتل الرغبة فى المشاركة أكثر مما يقتلها الاختلاف.
وقد تدفعنى قيادتكم الرشيدة وسماحتكم التى اعتدنا عليها، أن أصارحكم بمكنون بعض مما فى صدرى فى هذه الرسالة التى أرجو الله أن تصل إليكم... أنا لا أكتب هذا المقال بحثًا عن مقعد فى مؤتمر المفكرين، ولا أطلب أن أكون ضمن المدعوين، ولا أضع نفسى فى قائمة من أراهم جديرين بالحضور، فأنا أكتب وأبحث وأؤلف وأعمل منذ ما يقرب من أربعين عامًا، وللأسف لم أجد فى بلدى دائمًا الصدى الذى كنت أرجوه لما أكتب، ولذلك لا أفرض نفسى على أحد باعتبارى صاحب علم أو مفكرًا أو حتى مثقفًا، فأنا أقل من ذلك بكثير، ولا أحتاج إلى شهادة من أحد فى هذا الشأن، ولكن كل ما أردت أن أقوله قلته بالفعل فى عشرات الكتب التى أصدرتها، وفى نحو مائتين وخمسين مقالاً إصلاحيًا نشرتها فى جريدة «الدستور»، بحبر من دم مواطن مصرى يعتقد أنه قدم ومازال يقدم لوطنه ما هو واجب عليه، بخلاف المئات من المقالات الأخرى فى منابر مختلفة، وذكرته أيضًا فى سنوات طويلة من البحث والكتابة حول قضايا رأيت أنها تمس مستقبل مصر. وقد وصلت هذه الكتابات إلى المجال العام، وليس لدىّ الجديد الذى يمكن أن أضيفه، ومع ذلك لم يلفت هذا الجهد فى معظم الأحيان نظر الحكومة، ولم أجد حولها حوارًا أو نقاشًا أو حتى ردًا يقول لى: هنا أصبت وهنا أخطأت. ولذلك فإننى حين أتحدث عن ضرورة أن يصل صوت المفكر إلى صاحب القرار، فإننى لا أتحدث من موقع نظرى فقط؛ وإنما أتحدث عن تجربة شخصية امتدت لعقود.
وأنا أؤمن أن المفكر الحقيقى لا يريد أن يحكم بدلاً من الحاكم، ولا يريد أن يفرض رؤيته على الدولة، ولا ينتظر أن تتحول كل فكرة يطرحها إلى قرار... هو يريد فقط أن تصل رسالته إلى صاحب القرار، فإذا تحدث المفكر بصدق، وسمعته الدولة، وعرف أن صوته وصل إلى المكان الذى يجب أن يصل إليه، فقد أدى أمانته، أما القرار فمسئولية من يملكه، وحساباته أوسع من أن يراها المفكر وحده، ولذلك فإننى لا أطالب بأن تنفذ الدولة آراء المشاركين فى المؤتمر، وإنما أطالب بأن تمنحهم حق الكلام الحقيقى، وأن تعرف أن قيمة المؤتمر ليست فى عدد الآراء التى وافقت عليها، وإنما فى نوعية الآراء التى استطاعت أن تسمعها.
وهنا أقول لكم، سيادة الرئيس، إنه من الواضح أن هذه الدعوة مختلفة، وإذا أردنا المؤتمر مختلفًا، فلا بد أن يبدأ اختلافه من طريقة اختيار المشاركين، وأتمنى أن تكون الدعوات باسم رئيس الجمهورية، وأن يكون المؤتمر تحت رعايتكم وقيادتكم ورؤيتكم المباشرة، وأن تكون مسئولية اختيار المتحدثين قائمة على الكفاءة الفكرية والعلمية والوطنية، لا على الانتماء المؤسسى ولا على دوائر العلاقات، والأهم أن يمنح المختارون مساحة حقيقية لطرح أوراقهم ورؤاهم، لا أن يكونوا مجرد مستمعين لعروض حكومية ثم يصفقون فى النهاية، فقد شعرت من دعوتكم الكريمة ووقت إطلاقها أن سيادتكم تريد أن ترى أستاذ الجامعة وهو يختلف، والمفكر وهو يسأل، والعالِم وهو يعترض بالدليل، والمثقف وهو يطرح زاوية أخرى، والمسئول وهو يجيب، ثم أن كل هؤلاء يريدون الرئيس وهو يستمع لطرحهم ورؤاهم، لأن الصورة التى أتصورها لهذا المؤتمر ليست صورة منصة يتحدث منها المسئولون إلى الحاضرين، وإنما دائرة يجلس فيها الوطن أمام نفسه.
وربما يكون أجمل ما يمكن أن يحدث أن تخرج من المؤتمر آراء لا تعجب الحكومة كلها، ولا تتفق مع كل ما فعلته الدولة، وربما تتضمن نقدًا لبعض الأولويات أو السياسات، ولا أرى فى ذلك هزيمة للدولة ولا انتقاصًا من إنجازاتها، على العكس تمامًا؛ إن قدرة الدولة على تحمل النقد العلمى دون أن تعتبره خصومة سياسية هى واحدة من علامات قوتها، فالاختلاف ليس ضد الدولة، والنقد ليس بالضرورة معارضة، والسؤال ليس مؤامرة، والمراجعة ليست إنكارًا لما تحقق، والدولة التى تثق فى نفسها تستطيع أن تسمع، والحكومة التى تثق فى تجربتها لا تخشى من وضعها أمام السؤال.
وأقول هذا وأجندتى الوحيدة، كما أراها وأعلنها، هى مصلحة مصر. وهذا بالضبط ما أريده أن يكون معيار حضور المؤتمر.. أن يكون الإنسان مصريًا فى ضميره قبل أن يكون محسوبًا على مؤسسة، وأن يكون صاحب علم قبل أن يكون صاحب علاقة، وأن تكون لديه رؤية قبل أن تكون لديه قدرة على الوصول، ومصر فى هذه المرحلة لا تحتاج فقط إلى الذين يعرفون كيف يتحدثون أمام المسئولين، وإنما تحتاج إلى الذين يعرفون ماذا يقولون عندما تتاح لهم فرصة الكلام.
سيادة الرئيس..
أعتقد أن هناك نتيجة أخرى قد تكون أهم من كل النتائج التى يمكن أن تخرج بها أوراق المؤتمر. إذا شعر المفكر والعالِم والمثقف أن الدولة سمعت صوته فعلاً، وأن الرئيس أراد أن يسمعه أيضًا، فسيتولد نوع مختلف من الثقة، وقد يتحول هؤلاء بعد ذلك إلى قوة ناعمة حقيقية للدولة المصرية؛ ليس لأنهم تلقوا تعليمات بالدفاع عنها، وليس لأنهم أصبحوا جزءًا من خطابها الإعلامى، وإنما لأنهم شعروا أن الدولة احترمت عقولهم. والإنسان الذى يشعر أن دولته تحترم عقله يكون أكثر استعدادًا للدفاع عنها حين تتعرض للظلم أو التشويه، وأكثر قدرة على شرح مواقفها للآخرين، وأكثر صدقًا فى نقد أخطائها من الداخل.
وهذا، فى رأيى، هو المكسب الذى لا تستطيع أى حملة إعلامية أن تصنعه.. أن يشعر المثقف أن صوته وصل، وأن يشعر العالِم أن علمه لم يوضع على الرف، وأن يشعر أستاذ الجامعة أن الدولة لم تستدعِ اسمه لتكمل به قائمة الحضور، وإنما استدعته لأن لديها سؤالاً حقيقيًا وتريد منه إجابة، وأن يشعر المختلف أن اختلافه لم يغلق الباب فى وجهه، وعندها فقط يمكن أن يتحول مؤتمر المفكرين من فعالية إلى حالة وطنية.
وأظن أن اختيار مناسبة المولد النبوى الشريف لإطلاق هذه الدعوة يمنحها معنى إضافيًا لا ينبغى أن يضيع، فالمولد النبوى ليس مناسبة موسمية فقط، وإنما مناسبة نتذكر فيها قيمًا عظيمة من بينها الصدق والأمانة والشورى والمسئولية واحترام الإنسان، وإذا كانت الدعوة قد خرجت فى هذه المناسبة، فإن أجمل ما يمكن أن يحدث أن تكون روحها امتدادًا لهذه المعانى؛ أن نسمع بعضنا بصدق، وأن نختلف دون خصومة، وأن يتحمل كل صاحب مسئولية أمانته، وأن يعرف صاحب الرأى أن كلمته إذا كانت خالصة لله والوطن فلا ينبغى أن يخاف من وصولها.
سيادة الرئيس..
ربما يظن البعض أننى أبالغ فى أهمية هذا المؤتمر، لكننى أراه فى توقيته وطبيعته ودلالته فرصة شديدة الأهمية، وربما فرصة نادرة لاختبار الثقة بين الدولة والعقل المصرى، وليس المهم عندى أن يخرج المؤتمر بتصفيق للنظام، ولا أن يخرج بتأييد كامل لإنجازات السنوات المنقضية والتى أراها هائلة ومُعجزة، ولا حتى أن يخرج بتبرئة كاملة للحكومة، المهم أن يخرج بشيء أكثر قيمة: أن يعرف كل طرف أنه سمع الآخر، وأن يشعر المصريون أن الحوار هذه المرة لم يكن مجرد مشهد جديد، وأن الدولة قادرة على فتح أبوابها للعقل لا للمجاملة.
ولذلك أكتب إلى فخامتكم الآن، قبل المؤتمر، لأن الرؤية قبل الحدث قد تكون أنفع من التعليق بعده، وأكتب إليكم لأننى أخشى على فكرتكم من الذين قد يحسنون تنظيمها ويفشلون فى تحقيق مقصدها، وأخشى أن تصبح دعوة العقل المصرى مجرد قائمة أسماء معدة سلفًا، وأخشى أن يحضر من يجيدون الحديث أمام السلطة، بينما يغيب من يجب أن تسمعهم السلطة، وأخشى أن ننتهى إلى مؤتمر جميل فى الصورة، مرتب فى القاعة، غنى فى الكلمات، ثم لا يشعر الناس بعده بأى شىء مختلف.
وفى المقابل، أرى أمام الدولة المصرية فرصة كبيرة جدًا، أن تجعل هذا المؤتمر مختلفًا عن كل ما سبقه، وأن تقول للمصريين بالفعل لا بالكلمات إن الدولة تريد أن تسمع، وإن الرئيس لا يبحث عن التصفيق وإنما عن الرأى، وإن الاختلاف الوطنى ليس خطرًا، وإن العقول المصرية ليست ضيوفًا على الدولة وإنما شركاء فى بناء مستقبلها.
وهذا ما استشعره يا سيادة الرئيس، من قيادتكم الحكيمة، وحرصكم الوطنى الرصين، ورفعة وسمو أخلاقكم التى نعيش تحت حكمتها، والتى لولاها.. لما كان لمصر وجود على الخريطة الآن.
وقد تكون نتائج المؤتمر تأييدًا لبعض ما فعلته الدولة، وانتقادًا لبعضه، واقتراحًا بتغيير بعض الأولويات، وإشادة بمشروعات لم تأخذ حقها من التقدير، وربما اكتشافًا لأخطاء تحتاج إلى تصحيح، لا مشكلة فى كل ذلك، بل ربما تكون تلك هى النتيجة التى تجعل المؤتمر ناجحًا، لأننى أعتقد أن ما يريده المفكر والعالِم والمثقف ليس أن تنتصر الدولة لرأيه، وإنما أن يعرف أن رأيه وصل إلى صاحب القرار. وحين يصل، تنتهى أمانته، ويبدأ دور صاحب القرار.
سيادة الرئيس، لقد دعوت المفكرين... وأنا أثق أن سيادتكم ستكون الأحرص على أن يأتوا كما هم، لا كما تريدهم المؤسسات أن يكونوا... مجرد ماكياج سياسى، وأثق أن سيادتكم ستفحص قائمة المدعوين.. من كل من يملك العلم، ومن يملك التجربة، ومن يملك الرؤية، ومن يملك الشجاعة، ومن يملك الضمير، وأن دعوتكم – كما شعرتها وفهمتها – سوف تسمح لمن يقول «نعم» عندما يرى نعم، ومن يقول «لا» عندما يرى لا، ومن يقول «لا أعرف» عندما لا يعرف، ومن يقول «كنت مخطئًا» عندما يكتشف خطأه.
فمصر لا تحتاج فى هذه اللحظة إلى قاعة ممتلئة بالمتفقين، وإنما تحتاج إلى عقول ممتلئة بمصر.
وأنا لا أعرف – يا سيادة الرئيس – إن كانت هذه الرسالة ستصل إليكم، ولا أعرف إن كانت ستوضع أمامكم، لكننى أعرف شيئًا واحدًا: أننى كتبتها لأننى أرى فى دعوتكم للمفكرين فرصة تستحق أن نحميها من أن تتحول إلى مجرد إجراء بروتوكولى جديد.
فإن كان مؤتمر المفكرين هو دعوة من الرئيس إلى العقل المصرى، فليكن العقل المصرى الوطنى حاضرًا بكل تنوعه، وإن كان المقصود أن نراجع سنوات مضت لنفهم ما تحقق وما لم يتحقق، فليكن فى القاعة من يملك شجاعة السؤال، وإن كان المقصود أن نستشرف السنوات المقبلة، فليكن بيننا من يستطيع أن يرى المستقبل لا أن يصف الماضى فقط.
سيادة الرئيس.. أنتم صاحب الدعوة، ولذلك أنتم وحدكم صاحب القدرة على أن تجعلها كما أردتها، لا كما قد يريدها آخرون.
لقد فتحت بابًا مهمًا للعقل المصرى، وأرجو فقط ألا نسمح لأحد أن يغلقه قبل أن يبدأ المؤتمر.
لقد سمعت خطابكم بكل جوارحى، وصدقته بإيمان منقطع النظير بقيادتكم وحكمتكم ووطنيتكم المشهودة، وستبقى الرئيس والزعيم والقائد الذى سيذكره التاريخ بكل شرف وحفاوة..
فهذه رسالتى... لا أملك غيرها... ولا أريد منها إلا شيئًا واحدًا.... مصر.

















0 تعليق