في الحلقة الأولى من هذه السلسلة، توقفنا عند نموذج الشيخ محمد متولي الشعراوي، لا باعتباره واحدًا من أشهر علماء الأزهر في العصر الحديث فحسب، وإنما باعتباره نموذجًا لرجل اقترب من الإمام الأكبر، فكان في موقع يتيح له أن يرى ما لا يراه الآخرون، وأن يشارك في صناعة القرار، وأن يقول كلمته حين يرى أن الأمر يحتاج إلى تصحيح.
وهذه هي الفكرة التي تقوم عليها سلسلة «رجال حول الإمام»: أن تاريخ الأزهر لا تصنعه أسماء شيوخه وحدهم، وإنما تصنعه كذلك أسماء رجال وقفوا إلى جوارهم، حملوا عنهم أعباء، وشاركوا في إدارة مؤسستهم، ودافعوا عن مكانتها، واختلفوا أحيانًا، واعترضوا أحيانًا أخرى، لكنهم ظلوا في النهاية جزءًا من القوة التي حفظت للأزهر مكانته.
وما أحوجنا اليوم إلى أن نتأمل هذه الصفحات من تاريخ الأزهر، لأن المؤسسة القوية لا تخشى أن تتأمل تاريخها، ولا تعتبر ذكر مواقف الاختلاف أو النقد انتقاصًا منها، بل إن قوة الأزهر في جانب كبير منها كانت دائمًا في قدرته على أن يضم داخل جدرانه علماء قادرين على التفكير والنقاش والاعتراض، وأن يكون حول الإمام الأكبر رجال لا يكتفون بأن يكونوا موظفين ينفذون، وإنما علماء يضيفون إلى المؤسسة من علمهم وشخصياتهم وخبراتهم.
ومن بين هؤلاء يبرز اسم الأستاذ الدكتور عبد الفتاح بركة بصورة تستحق التوقف الطويل، فالرجل لم يكن مجرد عالم أزهري مر على المناصب ثم انصرف، وإنما كان واحدًا من أولئك الذين يمكن أن تتبع من خلال سيرتهم جانبًا من تاريخ الأزهر نفسه، والغريب في سيرته أن الرجل استطاع أن يتحرك بين مواقع علمية وإدارية ودعوية ودولية متعددة، دون أن يفقد موقعه كأستاذ وباحث ومؤلف؛ وكأن الوقت كان يتسع عنده لما لا يتسع عند غيره.
ولد الدكتور عبد الفتاح عبد الله طه محمد بركة بمدينة فارسكور بمحافظة دمياط في 9 يناير سنة 1932، في بيت عُرف بالتدين والصلاح، والتحق بالتعليم الأزهري منذ صغره، فدرس بمعهد دمياط، ثم بمعهد القاهرة، وحصل على العالمية من كلية أصول الدين سنة 1956، ثم تخصص في التدريس من كلية اللغة العربية سنة 1957. وفي العام نفسه بدأ حياته العملية مدرسًا بمعهد جرجا الثانوي، قبل أن يبدأ مبكرًا رحلة طويلة مع المكاتب القيادية في الأزهر.
وهنا تبدأ إحدى أكثر المناطق إثارة في سيرته؛ ففي سنة 1958 انتُدب للعمل في مكتب شيخ الأزهر وقتها، الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور عبد الرحمن تاج، ولم يكن اختياره عابرًا؛ فقد كان الرجل قد لفت الأنظار إليه منذ أن كان طالبًا بإجادته اللغة الإنجليزية، حتى اختير لتمثيل جامعة الأزهر ضمن وفد من شباب الجامعات المصرية في مؤتمر شباب آسيا وأفريقيا في بكين، ثم شارك بعد ذلك في مهرجان الشباب في موسكو، أي أننا أمام عالم أزهري شاب لم تكن أدواته محصورة في علوم الأزهر التقليدية، وإنما امتلك كذلك قدرة على التواصل بلغات وثقافات مختلفة، وهي ميزة جعلته صالحًا للعمل في مواقع تحتاج إلى قدر كبير من المعرفة والاتصال، وتذكر المصادر أن ندبه إلى مكتب شيخ الأزهر أُلغي مع تولي الشيخ محمود شلتوت مشيخة الأزهر.
ثم انتقل بركة بين مواقع مختلفة؛ فعمل في معهد منوف، ثم أُرسل إلى الصومال لمدة عام، وانتقل بعدها إلى معهد الفتيات بالمعادي، ومنها إلى مكتب الدكتور محمود حب الله، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، سنة 1963. ثم ابتُعث إلى كندا سنة 1965، وعاد إلى الأمانة العامة لمجمع البحوث الإسلامية في نوفمبر 1967.
لكن اللافت أن هذه الرحلات والمناصب لم تكن على حساب تكوينه العلمي، فقد حصل على الماجستير في العقيدة والفلسفة عن دراسة «الكندي بين الأصالة والتقليد»، ثم حصل على الدكتوراه سنة 1970 عن رسالته «الحكيم الترمذي ونظريته في الولاية»، وعُين معيدًا ثم مدرسًا بكلية أصول الدين بالقاهرة، قبل أن يتدرج في السلم الأكاديمي حتى أصبح أستاذًا، ورئيسًا لقسم العقيدة والفلسفة.
والأكثر دلالة على مكانته أن علاقته بالمكاتب القيادية في الأزهر لم تنته عند شيخ واحد، فقد عمل في مكتب الشيخ عبد الرحمن تاج، ثم في مكتب الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، ثم اختاره الدكتور عبد الحليم محمود للعمل معه عندما كان وزيرًا للأوقاف وشؤون الأزهر، ثم انتُدب للعمل في مكتب الإمام الأكبر شيخ الأزهر في أكثر من فترة، منها 1972-1973، وكذلك 1977-1978، في عهدي الإمام الأكبر الشيخ محمد الفحام، الإمام الأكبر الدكتور عبد الحليم محمود، وذلك بالتوازي مع عمله الأكاديمي.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: كيف استطاع رجل يشغل مثل هذه المناصب أن يجد وقتًا للتدريس والبحث والتأليف؟
فمدير مكتب الإمام الأكبر ليس موظفًا يذهب إلى مكتبه في التاسعة ويغادر في الثانية؛ إنها وظيفة تضع صاحبها في قلب حركة المؤسسة، أمام المكاتبات والقرارات والوفود والملفات والاتصالات، وتجعله أقرب الناس إلى تفاصيل يوم الإمام، ومع ذلك كان الدكتور بركة يواصل التدريس والبحث والتأليف، ثم يخرج من كل ذلك إلى مجمع البحوث الإسلامية، حتى أصبح أمينًا عامًا له سنة 1986، مع احتفاظه بجدوله الدراسي في الدراسات العليا بكلية أصول الدين.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك؛ فقد أُرسل للتدريس في كلية الشريعة بمكة، ثم كلية الإمام الأعظم ببغداد، ثم جامعة قطر، وتدرج أكاديميًا حتى أصبح أستاذًا سنة 1987، وكان رئيسًا لقسم العقيدة والفلسفة بين عامي 1979 و1981، ثم صدر قرار عضويته في هيئة كبار العلماء سنة 2012 ضمن تشكيلها الأول.
لكن قيمة الدكتور عبد الفتاح بركة لا تكمن في كثرة المناصب وحدها؛ فالمناصب قد يصعد إليها الإنسان، ثم لا يبقى منها شيء بعد مغادرته، القيمة الحقيقية فيما تركه الرجل وراءه من علم ومواقف وشخصية.
كان من الرجال الذين لا يجيدون المداهنة، وتروي شهادة أحد تلاميذه وأصدقائه، أنه كان يقول رأيه بصراحة، ولا يستطيع أن يقول للمسيء «أحسنت»، ولا للمخطئ «أصبت»، ولا للمفسد «أصلحت»، وكان إذا رأى خطأً ولم يشأ أن يصطدم بصاحبه، يبحث عن طريق ذكي يوصل رسالته دون أن يحول الأمر إلى معركة شخصية.
ومن أشهر المواقف التي تكشف هذه الشخصية موقفه عندما كان أمينًا عامًا لمجمع البحوث الإسلامية، وفي حضور الرئيس الأسبق حسني مبارك؛ فقد تحدث عن الحرب العراقية الإيرانية ووصفها بأنها «الحرب الحمقاء»، وساق حججه وأدلته في جرأة لافتة، وهذه ليست مجرد عبارة عابرة؛ فالرجل كان يعرف موقعه، ويعرف أمام من يتحدث، لكنه لم يرَ أن الموقع الإداري أو قربه من السلطة ينبغي أن يحول بين العالم وبين كلمته.
وهنا تحديدًا تظهر فلسفة «رجال حول الإمام» التي نبحث عنها في هذه السلسلة: الرجل الذي يكون قريبًا من السلطة الدينية لا ينبغي أن يتحول إلى ظل لها، وإنما إلى عقل يعينها على أن ترى بصورة أوضح.
ولهذا أيضًا لا يمكن قراءة مسيرته بمعزل عن علاقته بالشيخ عبد الحليم محمود. فقد عمل بركة في مكتب الدكتور عبد الحليم محمود عندما كان وزيرًا للأوقاف وشؤون الأزهر، ثم عاد للعمل في مكتب الإمام الأكبر في فترات لاحقة، وهذه العلاقة تكشف لنا عن مساحة من تاريخ الأزهر في مرحلة شديدة الحساسية، كانت فيها علاقة المؤسسة الدينية بالدولة، وحدود صلاحيات شيخ الأزهر، وموقع العلماء داخل مؤسسات الدولة، قضايا حاضرة بقوة في المشهد العام.
أما الجانب الآخر الذي يجعل بركة جديرًا بأن يكون بطلًا لمقال مستقل، فهو أنه لم يكن «رجل مكتب» بالمعنى الضيق للكلمة، لقد كان صاحب إنتاج علمي متنوع؛ فمن كتبه ودراساته «الحكيم الترمذي ونظريته في الولاية»، وهي رسالته للدكتوراه التي طبعت بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية سنة 1971، وكتاب «آداب المريدين وبيان الكسب» للحكيم الترمذي، إلى جانب أعمال تناولت الأخلاق والتصوف، والعقيدة وبناء الإنسان، وأخلاقيات العلم وأزمة الحضارة الحديثة، وتعليقاته على العقيدة السنوسية الكبرى، وغيرها من الكتب والرسائل والمقالات. كما وصفه مجمع البحوث الإسلامية عند وفاته بأنه صاحب جهود علمية كبيرة، وله عشرات المؤلفات التي أثرت المكتبات الإسلامية.
ولعل أكثر ما يلفت النظر أن الرجل لم يكن عالمًا في العقيدة والفلسفة فحسب، بل كان قادرًا على الحركة بين الفكر الإسلامي وقضايا العصر، ومن هنا تأتي أهمية المواقف التي عُرف بها، ومنها حديثه عن بعض القضايا الاجتماعية والثقافية التي كان الناس يتعاملون معها أحيانًا بصورة سطحية، ومن بينها موقفه في توضيح موقف الإسلام من ممارسة الرياضة، ودورها في بناء الإنسان، وأن ممارسة الرياضات المختلفة تجعل من الإنسان حصنًا لمجتمعه من جانب، ومن جانب آخر تُوَطد علاقة الإنسان بالمجتمع العالمي وحيواته المختلفة، كما شجع على ممارسة الرياضات العقلية أيضا مؤكدًا أن تساهم في صحة الأبدان شأنها شأن الرياضات الأخرى الحسية.
وكل ذلك يمثل واحدة من المسائل التي تكشف طريقته في النظر، لم يكن يتعامل مع الأشياء بمنطق التحريم السريع أو الإباحة المجردة، وإنما كان يحاول أن يضع الفعل في سياقه، وينظر إلى ما يترتب عليه من مصالح ومفاسد، وهو ما جعل بعض آرائه تثير النقاش في وقتها.
لكن ربما كان أجمل ما في الدكتور عبد الفتاح بركة أن إنتاجه العلمي لم يكن منفصلًا عن أخلاقه، فقد كان – رحمه الله – بالغ التواضع، شديد الوفاء، لا يعبأ بمظاهر العظمة الزائفة، ولا يتحدث عن نسبه الحسيني الذي يعود إلى الإمام الحسين إلا في أضيق الحدود؛ حتى إن صديقًا له لم يعرف ذلك عنه إلا بعد نحو عشرين عامًا من صداقتهما، وعندما حدثه عن نسبه، رد بمعنى واضح: إن الله يحاسب الناس على أعمالهم لا على أحسابهم وأنسابهم.
وكان وفيًا بوعوده، حريصًا على أصدقائه، يقضي حوائجهم بما يستطيع من وقت وجاه ومال، ومن أكثر القصص الإنسانية دلالة ما رُوي عن وقوف الدكتور بركة إلى جوار أحد أصدقائه عندما تعرض لأزمة مالية قاسية أثناء عمله في جدة، ويكفي أن نقرأ رسالة الدكتور بركة إليه في تلك الأزمة لنرى أن الرجل لم يكن يتحدث عن الصداقة باعتبارها كلامًا، وإنما باعتبارها مسؤولية؛ فقد عرض عليه أن يحدد له وسيلة لإرسال ما يلزم من المال حتى تنتهي الأزمة، وأكد له أنه ينتظر الاطمئنان عليه وعلى أسرته.
وهذه التفاصيل الصغيرة ربما تكون أهم من عشرات الألقاب؛ لأن التاريخ الحقيقي للعلماء لا تصنعه المناصب وحدها، وإنما تصنعه كذلك الطريقة التي يتعاملون بها مع الناس عندما لا تكون هناك كاميرات ولا صحف ولا جمهور.
ولذلك فإن الدكتور عبد الفتاح بركة يقدم نموذجًا شديد الأهمية لما يمكن أن يكون عليه مدير مكتب الإمام الأكبر... عالم، وباحث، وأستاذ، وصاحب رأي، وموظف إداري حين تقتضي الوظيفة، لكنه لا يختصر نفسه في الوظيفة، فهو رجل كان يعرف كيف يكون قريبًا من الإمام دون أن يصبح تابعًا له، وكيف يحترم المقام دون أن يفقد استقلال العقل، وكيف يخدم المؤسسة دون أن يجعل المؤسسة غطاءً للصمت.
وفي سنة 1986 وصل إلى منصب الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، ثم جاء عام 2012 ليحمل عضوية هيئة كبار العلماء، وعندما توفي في 30 يونيو 2021، كان قد ترك وراءه ما هو أبقى من المناصب: سيرة عالم قضى عقودًا بين التدريس والإدارة والبحث وخدمة الأزهر، حتى نعى الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية ودار الإفتاء الرجل باعتباره واحدًا من العلماء الذين كان لهم أثر واضح في خدمة الإسلام والعلم.
والسؤال الذي تتركه سيرة الدكتور عبد الفتاح بركة لنا اليوم ليس كم منصبًا شغل؟ وإنما كيف استطاع أن يشغل كل هذه المناصب دون أن يبتلع المنصب العالم الذي بداخله؟
ربما هنا تكمن قيمة الرجل الحقيقية، وقيمة هذه السلسلة كلها، فالأزهر في فترات قوته لم يكن قويًا لأن الإمام الأكبر كان وحده قويًا، وإنما لأن حول الإمام رجالًا لديهم العلم، والقدرة، والضمير، والاستقلال، ويعرفون أن قربهم من صاحب المقام ليس امتيازًا شخصيًا، وإنما أمانة تقتضي أن يقولوا الكلمة التي ينبغي أن تقال.
ولذلك، حين نبحث اليوم عن أسباب قوة الأزهر في بعض مراحل تاريخه الحديث، فإننا لا نبحث فقط عن أسماء الشيوخ الذين جلسوا على كرسي المشيخة، وإنما نبحث كذلك عن الرجال الذين وقفوا حول الإمام؛ أولئك الذين جعلوا من المكتب عقلًا للمؤسسة، لا مجرد غرفة للمراسلات، وجعلوا من القرب من الإمام مسؤولية، لا نفوذًا.
وهكذا يأتي الدكتور عبد الفتاح بركة في الحلقة الثانية من «رجال حول الإمام»؛ رجلًا رافق أكثر من إمام، وعاش تحولات الأزهر من داخل مكاتبه وقاعاته ومجامعه، ثم خرج من كل ذلك عالمًا بقي اسمه مرتبطًا بالعلم قبل المنصب، وبالموقف قبل السلطة، وبالأثر قبل اللقب.
وهذا بالضبط هو النوع من الرجال الذي نحتاج إلى أن نتذكره الآن، لا لكي نقارن الأشخاص بالأشخاص، ولا لكي نحاكم حاضر الأزهر بماضيه، وإنما لكي نسأل سؤالًا أبسط وأعمق: متى يكون الرجل الذي يجلس حول الإمام سندًا للمؤسسة، ومتى يتحول القرب من الإمام إلى مجرد وظيفة؟















0 تعليق