ربما يكون الإنسان قد أخطأ في تعريف أكبر خطر واجهه منذ أن خرج من الكهف. ظن أن الخطر هو الحيوان المفترس، ثم اكتشف النار. وظن أن الخطر هو الجوع، فاخترع الزراعة. وظن أن الخطر هو الظلام، فاخترع المصباح. وخاف من المسافات، فشق الطرق وبنى السفن واخترع الطائرات. وخاف من المرض، فبنى المستشفيات والجامعات ومختبرات الأبحاث.لكنه لم يكتشف حتى الآن علاجًا نهائيًا لأصعب شيء واجهه منذ بداية التاريخ: الآخر.
ليس الآخر باعتباره إنسانًا، وإنما الآخر باعتباره مرآة.فالإنسان يستطيع أن يعيش مع أسد إذا عرف أنه أسد، لكنه قد يقضي سنوات من عمره في محاولة فهم إنسان يبتسم له وهو يحمل في داخله شيئًا آخر.
ومن هنا تبدأ الحكاية. كانت العلاقات الاجتماعية، منذ ظهور المجتمعات الأولى، ضرورة للبقاء. الإنسان وحده ضعيف، والجماعة تمنحه القوة والحماية والغذاء والهوية. القبيلة تحمي الفرد، والأسرة تمنحه الانتماء، والمدينة تمنحه النظام، والدولة تمنحه القانون، والمجتمع يمنحه اللغة والذاكرة.
لكن شيئًا غريبًا حدث. الأداة التي اخترعها الإنسان لكي تحميه أصبحت واحدة من أكثر الأدوات قدرة على تدميره. الجماعة التي تحميك يمكن أن تسجنك.العائلة التي تمنحك الحب يمكن أن تتحول إلى محكمة. الصديق الذي يعرف أسرارك يمكن أن يصبح أخطر من عدو لا يعرف عنك شيئًا.المجتمع الذي يمنحك الاعتراف يمكن أن يسحب منك حقك في أن تكون نفسك.
وهكذا بدأت المأساة الإنسانية الكبرى: الإنسان لا يعيش فقط بين الآخرين، بل يعيش أيضًا تحت أعين الآخرين.
منذ الطفولة يتعلم الإنسان أن هناك أشياء يجب أن يفعلها لكي يحبه الآخرون، وأشياء يجب ألا يفعلها لكي لا يغضبوا منه، وأشياء يجب أن يخفيها حتى لا يحكموا عليه. ثم يكبر.ويكتشف أنه لم يعد يعرف أين ينتهي هو وأين يبدأ الآخرون.
وهنا يصبح المجتمع واحدًا من أعقد الاختراعات الإنسانية. ليس لأنه شرير.بل لأنه شديد القوة.إنه لا يحتاج دائمًا إلى السجن لكي يمنعك من الهرب، ولا إلى الشرطي لكي يجبرك على الطاعة. يكفي أحيانًا أن يجعلك تخاف من كلام الناس.
كلمة واحدة قد تكون أقوى من قيد. نظرة واحدة قد تكون أقسى من عقوبة.شائعة واحدة قد تهدم سنوات من العمل. ورأي الجماعة قد يجعل إنسانًا يتخلى عن حلم عاش من أجله سنوات.
ولذلك فإن جزءًا كبيرًا من التاريخ لم يكن تاريخ الحروب فقط، بل كان تاريخًا للصراع على القبول. من يقبله المجتمع؟ ومن يرفضه؟ من يملك الحق في تعريف الفضيلة؟ ومن يملك الحق في تعريف العار؟ من يحدد من هو الطبيعي ومن هو المختلف؟ ومن يقرر من يستحق أن يتكلم؟
هذه الأسئلة تبدو حديثة، لكنها قديمة قدم الإنسان.في القصور الملكية كانت العلاقات الاجتماعية تصنع المصائر.
وفي المعابد كانت العلاقات بين الكهنة والحكام والشعب تصنع توازنات القوة. وفي البلاطات السياسية كان القرب من الحاكم قد يكون أهم من الكفاءة. وفي المدن كانت السمعة رأس مال.وفي المجتمعات الصغيرة كان الناس يعرفون بعضهم بعضًا إلى درجة أن الخصوصية كانت شبه مستحيلة.
ثم جاءت الحضارة الحديثة، واعتقد الإنسان أنه تحرر.فماذا حدث؟ انتقل المجتمع من القرية إلى المدينة، ومن المدينة إلى الدولة، ومن الدولة إلى العالم، ثم دخل إلى الهاتف.وأصبح الإنسان يحمل المجتمع كله في جيبه.
لم تعد نظرة الجار وحدها مهمة. أصبحت هناك آلاف العيون. ولم يعد الإنسان بحاجة إلى أن يقف أمام مجلس القرية كي يسمع الحكم عليه. يكفي أن يكتب شخص جملة عنه على شاشة.وهكذا لم تختفِ العلاقات الاجتماعية.
لقد أصبحت أكثر اتساعًا، وأكثر سرعة، وأكثر قسوة أحيانًا.في الماضي كان الإنسان قد يعرف مائة شخص.
اليوم يمكن أن يعرف آلاف الأشخاص، ومع ذلك يشعر بالوحدة.وهذه واحدة من أكبر مفارقات العصر. كلما زادت قدرتنا على الاتصال، لم تزد بالضرورة قدرتنا على التواصل. لدينا أصدقاء أكثر، لكن ليس بالضرورة أصدقاء حقيقيون أكثر. لدينا رسائل لا تنتهي، لكن لدينا أحيانًا كلمات أقل صدقًا. نرى حياة الآخرين طوال الوقت، ونقارن حياتنا بها طوال الوقت، ثم نتساءل لماذا نشعر أننا أقل نجاحًا وسعادة وجمالًا.
وهنا يظهر مرض آخر من أمراض العلاقات الاجتماعية: المقارنة. الإنسان لا يتألم فقط لأنه فشل. أحيانًا يتألم لأنه رأى شخصًا آخر ينجح. ولا يشعر فقط بأنه فقير. قد يشعر بأنه فقير لأنه رأى شخصًا آخر أكثر ثراءً. ولا يكره حياته بالضرورة. قد يكرهها لأنه يقارنها بحياة مصنوعة بعناية على شاشة.
وهكذا أصبح الآخر معيارًا دائمًا للذات. وهذه كارثة فلسفية. لأن الإنسان الذي يقيس نفسه بالآخرين لن يصل إلى نهاية. سيجد دائمًا شخصًا أكثر ثراءً منه، أو أكثر شهرة، أو أكثر جمالًا، أو أكثر علمًا، أو أكثر نفوذًا. وإذا انتصر على عشرة، سيظهر الحادي عشر. لذلك فإن العلاقات الاجتماعية لا تصنع الحب والصداقة فقط. إنها تصنع أيضًا الغيرة. وتصنع الحسد. وتصنع المنافسة. وتصنع النفاق. وتصنع الرغبة في السيطرة.
وقد يكون النفاق أحد أكثر المنتجات الإنسانية قدمًا. فالإنسان تعلم منذ زمن بعيد أن يقول شيئًا ويفكر في شيء آخر. ليس لأنه شرير دائمًا. بل لأنه يريد البقاء. يريد أن يحتفظ بعمله. يريد رضا رئيسه.يريد حب أسرته. يريد قبول مجتمعه. يريد ألا يخسر أصدقاءه.
وهكذا قد يتحول الإنسان بالتدريج إلى ممثل يعيش في مسرح اجتماعي لا ينتهي. يبتسم عندما لا يريد الابتسام.
يمدح من لا يعجب به. يصمت حين يريد الكلام. ويتكلم حين يكون الصمت أكثر حكمة. ثم يعود إلى منزله متعبًا، ليس من العمل، وإنما من تمثيل نفسه.وربما كان أعظم انتصار يمكن أن يحققه الإنسان في حياته هو أن يصل إلى اللحظة التي لا يحتاج فيها إلى تمثيل نفسه أمام أحد. لكن الوصول إلى هذه اللحظة صعب. لأن المجتمع لا يحب المختلف بسهولة. المختلف يزعج النظام. الشخص الذي يفكر بطريقة أخرى يفتح أبوابًا لا يريد الجميع فتحها. والشخص الذي يقول "لا" في مجتمع اعتاد "نعم" يصبح خطرًا.
ولهذا كان التاريخ مليئًا بأشخاص دفعوا أثمانًا باهظة لأنهم لم يشبهوا الآخرين.لم تكن المشكلة دائمًا في أفكارهم.
أحيانًا كانت المشكلة أنهم رفضوا القاعدة غير المكتوبة: كن مثلنا. والإنسان الذي يرفض أن يكون مثل الآخرين يحتاج إلى شجاعة هائلة. لكن المفارقة أن المجتمع، رغم كل ذلك، لا يمكن الاستغناء عنه. وهنا تكمن المأساة.
نحن نحتاج الآخرين، ونخاف منهم. نحبهم، ونغار منهم. نبحث عن قبولهم، ونريد التحرر منهم. نشكو من تدخلهم، ثم نشعر بالحزن عندما لا يهتمون بنا. نريد الخصوصية، ونريد الاعتراف. نريد أن نكون مختلفين، ونريد أن نكون محبوبين. نريد الحرية، ونريد الانتماء.وهذه التناقضات ليست عيوبًا عرضية في الإنسان. إنها جزء من تكوينه. فالإنسان كائن اجتماعي، لكنه أيضًا كائن يريد أن يكون فردًا.
وهذه الحرب الصغيرة بين الفرد والجماعة ربما تكون واحدة من أطول الحروب في تاريخ البشرية. منذ أن قال الإنسان الأول: "أريد أن أكون أنا"، بدأ المجتمع في الرد: "كن واحدًا منا". وبين الجملتين قامت حضارات وسقطت أخرى. ربما لذلك لا يكون أسوأ شيء في التاريخ هو الحرب. فالحرب تنتهي. ولا يكون أسوأ شيء هو الفقر. فالفقر يمكن أن يتغير. ولا يكون أسوأ شيء هو المرض. فالعلم يستطيع أن ينتصر على أمراض كثيرة.
لكن العلاقات الاجتماعية أكثر تعقيدًا لأنها تعيش داخل الإنسان نفسه.العدو الخارجي يمكنك أن تهرب منه. أما العدو الذي يسكن في ذاكرتك، وفي خوفك من رأي الناس، وفي حاجتك إلى القبول، وفي رغبتك في إثبات نفسك، فلا يمكنك الهرب منه بسهولة.
ولهذا قد يكون أعظم تحرر إنساني ليس أن يهرب الإنسان من المجتمع، بل أن يتعلم كيف يعيش فيه دون أن يفقد نفسه. أن يحب دون امتلاك. أن يصادق دون مصلحة. أن ينجح دون أن يحتقر الآخرين.أن يختلف دون كراهية.
أن يقول "لا" دون شعور بالذنب.أن يقول "لا أعرف" دون خوف.أن يرى نجاح شخص آخر دون أن يشعر أن نجاحه ينتقص منه. وأن يفهم أخيرًا أن قيمة الإنسان لا تحتاج إلى تصفيق مستمر.ربما تكون هذه هي الحكمة التي احتاجت البشرية إلى آلاف السنين لكي تصل إليها: لا يمكنك أن تمنع الناس من الحكم عليك. لكن يمكنك أن تمنع أحكامهم من أن تصبح حياتك.
وفي النهاية، قد لا يكون أسوأ شيء في التاريخ هو العلاقات الاجتماعية نفسها. بل حاجتنا المرضية إلى أن نعرف ماذا يعتقد الآخرون عنا.لأن الإنسان حين يصبح أسيرًا لنظرة الآخرين، يتوقف عن امتلاك حياته.
ويتحول، دون أن يشعر، من إنسان يعيش إلى إنسان يؤدي دورًا. وهنا تبدأ المأساة الحقيقية.أن تصل إلى نهاية عمرك، فتكتشف أنك قضيت نصف حياتك تحاول أن تكون الشخص الذي أراده الآخرون، والنصف الآخر تحاول أن تكتشف من كنت أنت. وربما يكون أعظم انتصار للإنسان أن يكتشف ذلك قبل فوات الأوان.
















0 تعليق