في منطقة باب البحر، حيث تفوح رائحة السكر المغلي من نوافذ الورش القديمة، لا تزال حرفة توارثتها الأجيال منذ عصور بعيدة تقاوم الاندثار، فبين قوالب الحصان والعروسة، وأكوام السكر التي تنتظر دورها لتتحول إلى حلوى، يتحول مصنع "العربي" الصغير إلى خلية عمل متصلة الليل بالنهار، ليخرج منه العرائس والخيول التي ظلت لعقود طويلة رمزًا لهذه المناسبة الدينية والشعبية، قبل أن تزاحمها عروسة البلاستيك الملونة في واجهات المحلات.
يروي "علي العربي" صاحب مصنع "العربي" للحلويات في منطقة باب البحر بالقاهرة، أن صناعة عروسة وحصان السكر لاتزال موجودة، تقاوم الاندثار حتى وقتنا الحالي، فعلى الرغم من كونها صناعة بسيطة للغاية، تقوم على السكر وحده دون أي مكونات أخرى، إلا أنها تحتاج إلى دقة في التعامل معه، حيث يُغلى السكر حتى يذوب تمامًا، ثم يُصب في قوالب على شكل العروسة أو الحصان، وتُفرغ بعد ذلك لتظهر الحلوى على شكل القالب، وفي المرحلة الأخيرة تأـي خطوة التزيين، تُزين الحلوى إما الزينة التقليدية المتعارف عليها منذ قديم الأزل، أو بالمراوح المستوردة الصينية أو الإسكندرانية، لتخرج الحلوى في النهاية بشكلها الذي اعتاده الناس منذ زمن بعيد، وما زال يعيد لكثيرين ذكريات طفولتهم.
ويتابع "علي" أن هناك أشكالًا كثيرة اندثرت مع الوقت ولم تعد موجودة حاليًا، فقديمًا كانت المنتجات أكثر تنوعًا، كانت هناك عرائس بأحجام أكبر وتفاصيل تزيين أدق من الموجود الآن، مضيفًا أن الوجهين القبلي والبحري كانا يشتهران قديمًا بتصنيع حلوى المولد باللون الأحمر تحديدًا، حتى أصبح "الحصان الأحمر" علامة مميزة لهذه الصنعة في المنطقتين.
ويوضح أن ذلك التقليد يعود إلى الدولة الفاطمية التي أدخلت مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي الشريف لتكون عادات متأصلة بالشعب المصري على مر العصور؛ كما امتد هذا التقليد لدولة السودان التي كانت جزءًا لا يتجزأ من مصر في ذلك الوقت، ولايزال السودانيون حتى اليوم يحتفظون بهذه العادة، لكن باختلاف بسيط عن المصريين، إذ إن احتفالاتهم تمتد لمدة أربعة أشهر، أما بمصر فالاحتفالات تكون لمدة شهر واحد قبل المولد النبوي مباشرة، وتنتهي باحتفال الليلة الكبيرة، أي ليلة المولد النبوي الشريف.

ويحكي صانع الحلوى أن دخوله هذه المهنة لم يكن بمحض إرادته، إذ إنه ورثها عن أبيه وجده، وكان يعمل معهما منذ أن كان ابن الحادي عشر عامًا، فترعرع داخل المهنة كعامل صغير، وتشرّب تفاصيلها وأتقنها، حتى استطاع أن يواصل مشوار بدأه الأجداد في الصنعة ويحميها من خطر الاندثار، وينقلها من جيل إلى جيل حتى تتعرف عليها الأجيال الصغيرة وتحافظ على الحلوى التقليدية.
"العروسة البلاستيك أثرت جامد على الصنعة".. برغم من اعتزاز "علي" بالصنعة التقليدية، إلا أنه يؤكد أن للعروسة البلاستيكية تأثيرًا كبيرًا عليها في السوق، حيث إن الأجيال الجديدة لم تعتد على شكل الحلاوة التقليدية، حتى إن الكثيرين لا يعرفون عن وجودها نهائيًا «أصلًا»، ومع ذلك يرى "علي" أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في المنافسة، بل في نظرة الناس عن أن هذه الحلوى تجذب الحشرات كالنمل، فلا يفضلون اقتناءها أو الاحتفاظ بها لمدة طويلة.
- السكر بـ 25 جنيها والأرز بـ 22 والدقيق بـ 20.. أبرز أسعار السلع بسوهاج
- السكر مع المضادات الحيوية.. دراسة تحذر من الإصابة باضطراب ميكروبيوم الأمعاء
- طريقة عمل كيكة الموز والكراميل بطبقة غنية من صوص الكراميل
- المخلل فيه سم قاتل، هروب صاحب مصنع بعد العثور على ديدان داخل 24 طن مخللات بالمنيا (صور)
- ذاكرة الذكاء الاصطناعي تلتهم ثلث إنتاج DRAM وتهدد بتقليص المعروض التقليدي






