(100عام على معركة " في الشعر الجاهلي " ٢ ) حين دافع استاذ الجيل عن استقلال الجامعة !

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

لم تكن معركة  " في الشعر الجاهلي " عام 1926 مجرد خلاف حول كتاب أثار عاصفة من الاعتراضات الدينية والأدبية، وإنما كانت اختبارا مبكرا لفكرة الجامعة الحديثة في مصر: هل تكون الجامعة ساحة للبحث العلمي  الحر، أم مؤسسة تخضع في علمها ومناهجها لضغوط السياسة والمجتمع والمؤسسات الدينية؟ واختبار ايضا للمجتمع.. فهل تتقبل مؤسسات المجتمع المدني حرية الفكر حتى لو تماست مع الثوابت الدينية.

وفي قلب هذا الاختبار وقف استاذ الجيل الدكتور أحمد لطفي السيد، مدير الجامعة المصرية، الذي لم يكن دفاعه عن طه حسين دفاعا عن شخصه بقدر ما كان دفاعا عن حق الأستاذ الجامعي في أن يبحث ويناقش ويخطئ ويصيب داخل المؤسسة العلمية، وفق قواعد البحث، لا وفق أحكام الشارع السياسي أو الديني

كان طه حسين قد نشر عام 1926 كتابه  " في الشعر الجاهلي "، متضمنًا أبحاثًا ومحاضرات طبق فيها مناهج النقد الحديثة على الشعر العربي القديم، وأثار شكوكا حول نسبة جانب من الشعر الجاهلي إلى العصر الجاهلي نفسه، كما تناول قضايا تاريخية ودينية شديدة الحساسية،  وسرعان ما خرج الجدل من الوسط الأكاديمي إلى الصحافة، ثم وصل إلى النيابة العامة بعد البلاغات المقدمة ضد الكتاب وصاحبه.

لكن انتقال القضية إلى النيابة لم يكن نهاية الأزمة. فقد ظل الاعتراض قائما حتى بعد أن انتهى التحقيق إلى حفظ القضية لعدم توافر القصد الجنائي، وتحولت المعركة تدريجيًا إلى ساحات أخرى لـ البرلمان  والحكومة  والجامعة

كان أستاذ الجيل احمد لطفي السيد  قد تولى إدارة الجامعة المصرية بعد انتقالها إلى الدولة في عام 1925، وكان ينظر للجامعة باعتبارها مؤسسة علمية ينبغي أن تتمتع بقدر من الاستقلال يحميها من التقلبات السياسية.
ولم يكن هذا الموقف وليد أزمة طه حسين، فقد كان جزءا من تصور أوسع لديه لدور الجامعة في بناء الدولة الحديثة  ، كما أن الجامعة نفسها أعلنت، في خضم أزمة 1926، تمسكها باستقلالها ورفضها تحويل الخلاف العلمي إلى أداة للتدخل في عمل الأستاذ الجامعي.    

وحين اشتدت الحملة على طه حسين، لم يسارع لطفي السيد إلى التخلي عنه لإغلاق الملف وتهدئة الغاضبين، بل تمسك بأن الجامعة ليست محكمة دينية ولا منبرا سياسيا، وأن الحكم على البحث العلمي يجب أن يكون داخل الوسط العلمي، بينما يظل القانون هو الفيصل إذا توافرت أركان جريمة جنائية

وكانت الأزمة قد وصلت إلى البرلمان، حيث تداخلت الاعتبارات الدينية مع الصراعات الحزبية والسياسية، ولم يعد السؤال هو ما إذا كان طه حسين قد أخطأ في بعض استنتاجاته، وإنما أصبح السؤال: هل تستطيع السلطة السياسية أن تتدخل في الجامعة لمعاقبة أستاذ بسبب أفكاره؟

وهنا تكمن أهمية موقف لطفي السيد  ، فقد كان يدرك أن التضحية بـ طه حسين تحت ضغط الأزمة ستفتح الباب أمام سابقة أخطر: أن يصبح الأستاذ الجامعي مهددا في وظيفته كلما أثار بحثه غضب تيار ديني أو سياسي تزعمه الازهر الشريف وعلمائه المتشددين

لكن اللافت أن الأزمة لم تنتهِ بمجرد قرار النيابة التاريخي برفض المحاكمة، فقد تقدم طه حسين نفسه باستقالته بعد قرار الحفظ، متأثرا بما تضمنه القرار من انتقادات له، إلا أن الجامعة لم تقبل الاستقالة، وتحرك لطفي السيد للحيلولة دون خروجه منها

أما إعادة طبع الكتاب، فقد جاءت في صورة مختلفة، إذ صدر لاحقا بعنوان  " في الأدب الجاهلي "، مع حذف بعض المواضع التي أثارت العاصفة وإضافة مواد جديدة، لكن اختزال الأمر في أن الأزهر "أجبر " الدكتور طه حسين على تغيير الكتاب يحتاج إلى قدر من  المراجعة فالقضية كانت أكثر تعقيدا، وتداخل فيها القانون والجامعة والوزارة والضغط السياسي، كما أن الكتاب الجديد لم يكن مجرد نسخة منقحة آليا من الكتاب الأول.

غير أن الدور التاريخي الأبرز للدكتور لطفي السيد في هذه القصة لم يظهر كاملًا إلا بعد سنوات
ففي عام 1932 تجددت الأزمة بصورة أكثر مباشرة، عندما قررت وزارة المعارف نقل د. طه حسين من الجامعة، وهذه المرة لم يكن القرار متعلقًا بكتاب الشعر الجاهلي، وإنما بمبدأ استقلال الجامعة في مواجهة السلطة التنفيذية، فقد رفض لطفي السيد أن يتم نقل أستاذ من الجامعة دون استشارتها، ورأى أن مثل هذا الإجراء يهدد الاستقرار الضروري للعمل العلمي،  وحاول الوصول إلى تسوية تقضي بعودة د. طه حسين إلى كلية الآداب مع تركه منصب العمادة، لكن الاتفاق لم يُنفذ

عندها اتخذ  " أستاذ الجيل " موقفه الأشهر، وقدم استقالته في 9 مارس 1932 احتجاجا على نقل د.طه حسين دون موافقة الجامعة أو استشارتها. وتكشف صيغة استقالته أن القضية بالنسبة إليه لم تكن مجرد دفاع عن أستاذ بعينه، وإنما خوفا من أن يتحول تدخل الحكومة في شؤون الجامعة إلى قاعدة تهدد استقلالها ومستقبل البحث العلمي فيها.

وهنا تتضح الصورة الكاملة ويمكن تلخيصها في التالي: محمد نور وكيل النائب العام  قد وقف في 1926 عند حدود القانون، رافضا تحويل الخلاف الفكري إلى جريمة جنائية،
كما  وقف أحمد لطفي السيد  مدير الجامعة عند حدود استقلال المؤسسة الجامعية الأول قال: لا جريمة تستوجب المحاكمة  

والثاني قال: لا جامعة حقيقية إذا كان الأستاذ يمكن أن يُعاقب إداريًا لأن أفكاره أثارت غضبًا خارج أسوارها

لكن المعركة لم تكن بين طه حسين ولطفي السيد من ناحية، والأزهر من ناحية أخرى فقط، فقد لعبت الأحزاب والصحافة والبرلمان دورا أساسيا في تأجيج الأزمة وتوجيهها، وكان لكل طرف حساباته السياسية والفكرية 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق