تستعد الصين لتنفيذ مشروع ضخم لشبكة طرق تمتد على طول حدودها البرية وسواحلها، في خطوة تتجاوز الأهداف التقليدية لتطوير البنية التحتية والنقل، لتلامس قضايا التنمية والاستقرار الحدودي والتكامل الاقتصادي، فضلًا عن أبعادها الجيوسياسية في مناطق تتسم بحساسية أمنية واستراتيجية عالية.
وتُعرف الخطة في وسائل الإعلام الصينية باسم "الحلقة الذهبية الحدودية-الساحلية"، ومن المقرر استكمالها بحلول عام 2030.
ووفق مخطط خماسي أصدرته وزارة النقل الصينية في يوليو، ستتجاوز الشبكة 25 ألف كيلومتر، وتمر عبر مناطق حدودية ونائية تضم تجمعات كبيرة من الأقليات العرقية، من بينها التبت وشينجيانغ.
شبكة تربط الحدود بالمراكز الاقتصادية
تراهن بكين على أن الشبكة الجديدة ستربط المناطق النائية والممرات الحدودية بالمراكز الاقتصادية والسواحل، بما يسمح بتحسين حركة التجارة والسكان والسياحة، ويدعم التكامل الصناعي والتنمية المحلية.
لكن ضخامة المشروع وموقعه الجغرافي يطرحان تساؤلات حول ما إذا كانت الطرق الجديدة تمثل مشروعًا اقتصاديًا وتنمويًا فقط، أم أنها جزء من رؤية أوسع لإعادة دمج المناطق الحدودية في المنظومة الاقتصادية الصينية وتعزيز حضور الدولة وقدرتها على إدارة تلك المناطق.
ويأتي ذلك في وقت تواصل فيه الصين توسيع شبكات الطرق والسكك الحديدية داخل المناطق الحدودية، ولا سيما التبت وشينجيانغ، باعتبارها مناطق ذات أهمية استراتيجية وأمنية كبيرة.
طريق على امتداد حدود الصين مع 12 دولة
يشكل الطريق السريع G219 أحد أهم مكونات المشروع، إذ يبلغ طوله نحو 10 آلاف كيلومتر، ويمتد عبر جنوب غرب الصين وأقصى غربها، من منطقة قوانغشي ذاتية الحكم لقومية تشوانغ، مرورًا بمقاطعة يوننان ومنطقة التبت ذاتية الحكم، وصولًا إلى شمال شينجيانغ.
ويمر الطريق بمحاذاة حدود الصين مع فيتنام ولاوس وميانمار والهند وبوتان ونيبال وباكستان وأفغانستان وقيرغيزستان وكازاخستان وطاجيكستان وروسيا، ما يمنحه أهمية تتجاوز كونه ممرًا للنقل الداخلي.
ويكتسب الطريق حساسية خاصة بسبب مروره بالقرب من مناطق تشهد نزاعات أو مطالبات حدودية، وعلى رأسها المناطق المتنازع عليها بين الصين والهند.
الحلقة الشمالية في المشروع
ويرتبط G219 بالطريق G331، الذي اكتمل الجزء الأكبر منه، ويمتد لمسافة تقارب 9200 كيلومتر عبر المناطق الحدودية الشمالية للصين، بدءًا من شينجيانغ، مرورًا بمنغوليا الداخلية، ومقاطعات هيلونغجيانغ وجيلين ولياونينغ.
ويمتد الطريق بالقرب من الحدود الصينية مع روسيا ومنغوليا وكوريا الشمالية، ليشكل بذلك ضلعًا شماليًا في شبكة الطرق الحدودية التي تسعى بكين إلى تطويرها.
أما الضلع الساحلي، فيتمثل في الطريق G228، الذي يبلغ طوله نحو 7 آلاف كيلومتر، ويمتد بمحاذاة الساحل الصيني من لياونينغ، مرورًا بخبي وتيانجين وشاندونغ وجيانغسو وشنغهاي وتشجيانغ وفوجيان وقوانغدونغ، وصولًا إلى قوانغشي.
وبذلك تتشكل شبكة واسعة تربط الحدود الغربية والشمالية بالمجال الساحلي والمراكز الاقتصادية الرئيسية في شرق وجنوب الصين.
تحديات هندسية هائلة
ولا يخلو المشروع من تحديات هندسية وبيئية كبيرة، خصوصًا في المناطق الجبلية الوعرة.
ومن أبرز المشروعات المرتبطة بالشبكة طريق يربط جنوب شينجيانغ بشمالها عبر جبال تيانشان النشطة زلزاليًا، حيث يجري إنشاء نفق يبلغ طوله 15.7 كيلومترًا، ومن المقرر دخوله الخدمة في العام المقبل.
وتعكس هذه المشروعات حجم الموارد التي تستثمرها بكين في ربط المناطق الداخلية والحدودية، حتى في البيئات الجغرافية الأكثر صعوبة.
أداة لإعادة تشكيل المناطق الحدودية
وتقول وزارة النقل الصينية إن شبكة النقل الدائرية ستوفر فرصًا جديدة للسياحة، وستحقق فوائد واسعة في مجالات التكامل الصناعي وتوطيد الحدود وتعزيز الاستقرار والتنمية في المناطق الحدودية.
وتتوقع بكين أن تجعل الشبكة مناطق كانت معزولة وصعبة الوصول، خصوصًا في التبت وشينجيانغ ومنغوليا الداخلية، أكثر سهولة أمام السكان والسياح والاستثمارات.
لكن ربط هذه المناطق بالمراكز الاقتصادية الصينية لا يحمل أبعادًا اقتصادية فقط؛ إذ يتقاطع أيضًا مع سياسة بكين تجاه الأقليات العرقية والمناطق الحدودية.
ويأتي المشروع بالتزامن مع دخول قانون الوحدة العرقية الجديد حيز التنفيذ في يوليو، وهو ما يثير نقاشًا حول اتجاه السياسة الصينية نحو مزيد من الاندماج الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للمناطق ذات الأقليات داخل الدولة الصينية.
الطريق يمر بالقرب من مناطق متنازع عليها
فعلى الرغم من التحسن النسبي في العلاقات بين بكين ونيودلهي، لا تزال العلاقات الصينية-الهندية هشة بعد سنوات من التوتر والنزاعات الحدودية التي شهدت في بعض مراحلها مواجهات دامية.
وتنظر الهند بقلق إلى تطوير طريق G219، خصوصًا أن أجزاء منه تمر بالقرب من مناطق متنازع عليها بين البلدين.
وفي عام 2024، احتجت نيودلهي على أعمال تطوير وتوسعة للطرق الصينية في مناطق حدودية متنازع عليها، معتبرة أن هذه المشروعات قد تسهم في تغيير الحقائق على الأرض.
ومن ثم، فإن تطوير شبكة الطرق في تلك المناطق قد يُنظر إليه من الجانب الهندي باعتباره قضية أمن قومي، وليس مجرد مشروع للنقل والتنمية.
الوجه الآخر للمشروع
وتفرض الطبيعة الجغرافية للمناطق التي تمر بها الشبكة تحديات بيئية لا تقل أهمية عن التحديات الجيوسياسية.
فأجزاء من الطرق ستعبر مناطق جبلية وصحراوية وأنظمة بيئية شديدة الحساسية، من بينها الهضبة التبتية والمناطق الصحراوية في جنوب شينجيانغ والمناطق الجليدية في جبال تيانشان.
وأشار تقرير لوزارة البيئة والإيكولوجيا الصينية صدر في يونيو بشأن المشروعات الرئيسية للسنوات الخمس المقبلة إلى أهمية استمرار المراقبة البيئية في عدد من المناطق القريبة من مسارات الطرق.
ويطرح ذلك سؤالًا حول قدرة الصين على تحقيق التوازن بين طموحها في تسريع التنمية وربط المناطق النائية، وبين حماية أنظمة بيئية تعد من الأكثر هشاشة في آسيا.
الطرق ليست المشروع الوحيد
ولا تأتي "الحلقة الذهبية" بمعزل عن استراتيجية أوسع لبناء شبكات النقل الصينية.
فبكين تعمل بالتوازي على توسيع شبكة السكك الحديدية، بما في ذلك مشروع خط شينجيانغ-التبت البالغ طوله نحو 1980 كيلومترًا، والذي يربط لاسا في التبت بمدينة هوتان في شينجيانغ.
كما كشفت الصين في عام 2022 عن خطط لإنشاء طريق سريع يربط لونغتسه في التبت بمازها في شينجيانغ، وهو طريق يمر بالقرب من مناطق تشهد مطالبات حدودية متداخلة بين الصين والهند، ويتقاطع مع مسار G219.
وتكشف هذه المشروعات مجتمعة عن اتجاه واضح نحو تكثيف الاتصال البري بين المناطق الحدودية والمراكز الداخلية، بالتوازي مع تعزيز البنية التحتية في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية.
نسخة صينية من الطرق الأمريكية
عند اكتمال الحلقة، قد تصبح الشبكة الصينية شبيهة، من حيث الامتداد والوظيفة السياحية والاقتصادية، ببعض الطرق الأمريكية الشهيرة، مثل طريق ساحل المحيط الهادئ في كاليفورنيا، والطريق الأمريكي رقم 1، والطريق السريع 95 على الساحل الأطلسي، إضافة إلى الطرق السريعة الممتدة على الحدود الأمريكية مع كندا والمكسيك.
لكن الفارق أن النسخة الصينية المقترحة لا تُبنى فقط لخدمة السياحة أو الربط الاقتصادي؛ بل تمر في أجزاء واسعة منها عبر مناطق حدودية شديدة الحساسية، وتلامس ملفات الأمن القومي والنزاعات الإقليمية والسياسات العرقية.
مشروع تنموي
في النهاية، تبدو الحلقة الذهبية الحدودية-الساحلية أكثر من مجرد شبكة طرق ضخمة.
فمن الناحية الاقتصادية، يمكن أن تفتح المناطق النائية أمام التجارة والاستثمار والسياحة، وتدعم التكامل بين الأقاليم الصينية.
ومن الناحية الأمنية، تمنح البنية التحتية الدولة قدرة أكبر على الوصول إلى المناطق الحدودية وربطها بالمراكز الداخلية.
أما جيوسياسيًا، فإن بعض مساراتها تمر في بيئات شديدة الحساسية، خصوصًا بالقرب من الحدود مع الهند، بينما تتقاطع في الداخل مع مناطق ترتبط بقضايا الهوية والاندماج العرقي.


















0 تعليق