تخوض الدولة مرحلة حاسمة من إعادة هيكلة خريطتها الاستثمارية القومية للسنة المالية ٢٠٢٦/٢٠٢٧، حيث تشهد الموازنة التقديرية للاستخدامات الاستثمارية تحولات جذرية في آليات التمويل، وأولويات التخصيص القطاعي، وتوزيع الهيئات العامة الاقتصادية.
وتكشف الوثائق المالية الرسمية الصادرة حول مشروع موازنة الاستخدامات الاستثمارية ومصادر تمويلها والتى حصلت الدستور على نسخة منها عن استراتيجية جديدة تتجه بوضوح نحو تعزيز الاستثمارات في أصول ثابتة ومشاريع بنية تحتية عملاقة، بالتوازي مع توسع ملحوظ في الاعتماد على التمويل الخارجي والقروض الانمائية، مقابل تراجع تدريجي لنفس المكون من التمويل الذاتي.
في هذا التحقيق الصحفي الشامل والموسع، نفتح الملف الكامل لأرقام وتوجهات الموازنة الاستثمارية للدولة للسنة المالية ٢٠٢٦/٢٠٢٧، مع مقارنتها بالسنوات المالية السابقة ابتداءً من ٢٠٢١/٢٠٢٢ وحتى التقديرات الحالية، وذلك لاستكشاف أبعاد هذا التحول الاقتصادي وتحليل مخاطره وفرصه.
أولًا: التحول الهيكلي في الاستخدامات الاستثمارية (مسار صعود وهبوط)
شهدت الاستخدامات الاستثمارية القومية خلال السنوات الممتدة من السنة المالية ٢٠٢١/٢٠٢٢ وحتى السنة المالية التقديرية ٢٠٢٦/٢٠٢٧ تقلبات واسعة تعكس تغيير الأولويات المالية وتأثر الموازنة بالضغوط الاقتصادية والالتزامات التنموية.

ففي السنة المالية ٢٠٢١/٢٠٢٢، بلغت قيمة الاستخدامات الاستثمارية الفعلية نحو ٢٤٤،٤٣١.٦ مليار جنيه. ولم تلبث هذه القيمة أن شهدت قفزة قياسية متتالية خلال السنة المالية ٢٠٢٢/٢٠٢٣ لتصل إلى ٤٢٤،٠٢٥.٥ مليار جنيه، بنسبة زيادة قاطعة بلغت ٧٣.٥%، وبزيادة مطلقة قدرها ١٧٩،٥٩٣.٩ مليار جنيه مقارنة بالسنة السابقة.
وواصلت الاستثمارات مسارها الصعودي خلال السنة المالية ٢٠٢٣/٢٠٢٤ حيث سجلت ٤٥٧،٢٨٣.٧ مليار جنيه، بمعدل نمو بلغ ٧.٨% وقيمة تغير إيجابية قدرها ٣٣،٢٥٨.٢ مليار جنيه. غير أن هذا المسار التصاعدي واجه كبحًا مؤقتًا وشديدًا خلال السنة المالية ٢٠٢٤/٢٠٢٥؛ إذ انخفضت الاستخدامات الاستثمارية إلى ٣٠٣،١٠١.٦ مليار جنيه، بنسبة انخفاض حادة بلغت ٣٣.٧%-، وهو ما مثل تراجعًا قيمته ١٥٤،١٨٢.١ مليار جنيه مقارنة بالعام الأسبق، نتيجة سياسات الانكماش وضبط الإنفاق.
قفزة عودة النمو في عام ٢٠٢٦/٢٠٢٧
سرعان ما عاودت الاستثمارات الانتعاش في السنة المالية ٢٠٢٥/٢٠٢٦ لتبلغ ٥٠٠،٨٩٦.٦ مليار جنيه بمعدل نمو ٦٥.٣% (زيادة بقيمة ١٩٧،٧٩٥ مليار جنيه). وتتوج هذه القفزة في التقديرات المالية للسنة المالية الحالية ٢٠٢٦/٢٠٢٧ بتسجيل استخدامات استثمارية قدرها ٧٤٣،٠٧٦ مليار جنيه، وهو ما يشكل ارتفاعًا بمعدل ٤٨.٣% وزيادة إجمالية مقدرة بـ ٢٤٢،١٧٩.٤ مليارجنيه مقارنة بالعام المالي السابق.
ثانيًا: مصادر التمويل.. انكماش التمويل الذاتي وصعود التسهيلات والائتمان
يكشف تحليل هيكل التمويل المعتمد لاستثمارات عام ٢٠٢٦/٢٠٢٧ البالغة ٧٤٣،٠٧٦ مليار جنيه عن تغير جوهري في كفة الاعتماد المالي. تتوزع منابع التمويل بين الإيرادات الرأسمالية المتنوعة والقروض والتسهيلات الائتمانية على النحو التالي:
١. الإيرادات الرأسمالية المتنوعة (التمويل الذاتي):
حققت جملة الإيرادات الرأسمالية المتنوعة المقدرة لعام ٢٠٢٦/٢٠٢٧ نحو ٢٨٣،٨٢٣ مليار جنيه بنسبة أهمية نسبية تبلغ ٣٨.٢% من إجمالي التمويل. ويتكون هذا البند من:
مجموعة التمويل الذاتي: تقدر قيمتها بـ ١٩٦،٥٣٨ مليار جنيه وبأهمية نسبية تبلغ ٢٦.٤% من جملة التمويل. وتظهر المقارنة انخفاض الأهمية النسبية للتمويل الذاتي مقارنة بالسنة المالية ٢٠٢٥/٢٠٢٦ التي سجلت فيها ١٤١،٢٣٤.٨ مليار جنيه بأهمية نسبية بلغت ٢٨.٢% (أي بانخفاض نسبي مقداره ١.٨%).
ايضا مجموعة الإيرادات التحويلية الرأسمالية: قدرت لعام ٢٠٢٦/٢٠٢٧ بقيمة ٨٧،٢٨٥ مليار جنيه وبنسبة أهمية ١١.٧%. وتعد هذه النسبة ارتفاعًا ملموسًا مقارنة بـ ٢٠٢٥/٢٠٢٦ حيث كانت تسجل ٤٣،٥٧٠.٦ مليار جنيه بأهمية نسبية ٨.٧% فقط (بزيادة تمثل ٣%).

٢. القروض والتسهيلات الائتمانية (التمويل الخارجي والمحلي):
تستحوذ القروض والتسهيلات الائتمانية على النصيب الأكبر من تمويل الموازنة الاستثمارية للسنة المالية ٢٠٢٦/٢٠٢٧، حيث بلغت جملتها المقدرة ٤٥٩،٢٥٣ مليار جنيه، ما يعادل نسبة ٦١.٨% من إجمالي مصادر التمويل. وتتوزع هذه القروض كالتالي:
المجموعة الأولى - القروض المحلية من مصادر أخرى: بلغت الموازنة المقدرة لها ١٨٥،٦٨١ مليار جنيه وبنسبة أهمية ٢٥.٠%. وتؤكد البيانات انخفاض الأهمية النسبية للقروض المحلية مقارنة بالسنة المالية ٢٠٢٥/٢٠٢٦ التي سجلت ٢٠٢،٢٦٢.٥ مليار جنيه وبنسبة أهمية مرتفعة بلغت ٤٠.٤% (تراجع بمقدار ١٥.٤%).
المجموعة الثانية - القروض الخارجية: قفزت القروض الخارجية المقدرة لعام ٢٠٢٦/٢٠٢٧ إلى ٢٧٣،٥٧٢ مليار جنيه متصدرة قائمة منابع التسهيلات الائتمانية بأهمية نسبية بلغت ٣٦.٨%. وتأتي هذه النسبة ارتفاعًا كبيرًا مقارنة بعام ٢٠٢٥/٢٠٢٦ والذي سجلت فيه القروض الخارجية ١١٣،٨٣٨.٧ مليار جنيه بأهمية نسبية لم تتجاوز ٢٢.٧% (قفزة بمقدار ١٤.١%).
و"يظهر التتبع المالي تراجع الاعتماد على التمويل الذاتي كنسبة إجمالية من الموازنة، مقابل قفزة صريحة في الاعتماد على التمويل الخارجي والقروض الدولية لتغطية مشروعات التنمية والاحتياجات الاستثمارية للدولة."

ثالثًا: التتبع التاريخي لنسب التمويل الذاتي والقروض (٢٠٢٢ - ٢٠٢٧)
عند قراءة السلسلة الزمنية لتطور الاعتماد على التمويل الذاتي والاعتماد على القروض عبر السنوات الخمس الممتدة، تنكشف الرؤية التمويلية بشكل أوضح:
مسار التمويل الذاتي: بدأ التمويل الذاتي في السنة المالية ٢٠٢٢/٢٠٢٣ بأهمية نسبية بلغت ٣٧.٠%، ثم اتخذ مسارًا هبوطيًا مستمرًا بسجل ٣١.٤% في ٢٠٢٣/٢٠٢٤، ثم ٢٥.٦% في ٢٠٢٤/٢٠٢٥، ليرتفع مؤقتًا إلى ٢٨.٢% في ٢٠٢٥/٢٠٢٦، قبل أن يعاود الهبوط في تقديرات ٢٠٢٦/٢٠٢٧ إلى ٢٦.٤%.
مسار القروض والتسهيلات: في المقابل، سجل الاعتماد على القروض كمصدر للتمويل نسبة ٥٦.٠% في ٢٠٢٢/٢٠٢٣، وانخفض قليلًا إلى ٥٤.٠% في ٢٠٢٤/٢٠٢٣، ثم صعد مجددًا إلى ٥٨.٩% في ٢٠٢٥/٢٠٢٤، وواصل ارتفاعه في ٢٠٢٦/٢٠٢٥ عند ٦٣.١%، ليستقر في تقديرات السنة المالية الحالية ٢٠٢٦/٢٠٢٧ عند مستوى مرتفع يبلغ ٦١.٨%.
رابعًا: التوزيع القطاعي والهيئات الاقتصادية الأكثر استحواذًا على الاستثمارات
لا تتوزع الموازنة الاستثمارية بشكل متساوٍ، بل تتركّز قوة الإنفاق التنموي في قطاعات وهيئات بعينها تشكل القاطرة الأساسية للاقتصاد القومي.
١. التوزيع حسب الهيئات الاقتصادية الكبرى:
تشير البيانات إلى أن هناك سبع هيئات اقتصادية كبرى تستحوذ وحدها على نحو ٦٥.٥% من إجمالي قيمة الاستخدامات الاستثمارية التقديرية للهيئات العامة الاقتصادية، بقيمة إجمالية تصل إلى ٤٨٦،٦٢٠.٧ مليار جنيه من أصل الكلية. ويتوزع هذا التمركز على النحو التالي:
الهيئة القومية للأنفاق: تتصدر القائمة بجدارة باعتصامها باستثمارات قدرها ٢٧٥،٩٦٢ مليار جنيه، وبأهمية نسبية تبلغ ٣٧.١% من إجمالي الاستثمارات المقدرة للهيئات.
الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس: حلت ثانية باستثمارات قيمتها ٧١،٠٨٨ مليار جنيه وبأهمية نسبية ٩.٦%.
الهيئة القومية لسكك حديد مصر: استقرت في المركز الثالث بتخصيصات بلغت ٥١،٣٤٠ مليار جنيه وبنسبة ٦.٩%.
هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة: تأتي بتخصيصات تبلغ ٣٤،٨٨٥.٧ مليار جنيه وبأهمية نسبية ٤.٧%.
هيئة قناة السويس: بلغ نصيبها ٢٥،٥٤٥ مليار جنيه وبأهمية نسبية ٣.٤%.
الهيئة العامة للتأمين الصحي: بلغت استثماراتها المقدرة ١٧،٣٠٠ مليار جنيه وبنسبة ٢.٣%.
صندوق التنمية الحضرية: بلغت مخصصاته ١٠،٥٠٠ مليار جنيه بنسبة ١.٤% من الإجمالي.
٢. التوزيع القطاعي الجغرافي والأنشطة:
تتكون القطاعات الاستثمارية الشاملة من ١٢ قطاعًا موزعة على ٦٥ هيئة اقتصادية. وقد أظهر التحليل الاستثماري استحواذ أربعة قطاعات أساسية فقط على نسبة حاسمة تبلغ ٩٢.٨% من جملة الاعتماد المخصصة لكافة القطاعات، وبإجمالي قيمة مالية تصل إلى ٦٨٩،٩٢٨.٩ مليار جنيه.
ويأتي قطاع النقل والاتصالات والمعلومات في المقدمة المطلقة مستحوذًا بمفرده على نسبة ٥٠.٩% من مجمل قيمة الاعتمادات وبقيمة مقدرة تبلغ ٣٧٨،٤٥٢.٢ مليار جنيه. وتتوزع باقي القطاعات الرئيسية الكبرى كالتالي:
قطاع الكهرباء والطاقة: تخصيصات بقيمة ١٩١،٤٤٩.١ مليار جنيه وبأهمية نسبية تصل إلى ٢٥.٨%.
قطاع المال والاقتصاد: استثمارات بقيمة ٧٤،٥٢٩.٤ مليار جنيه وبأهمية نسبية تبلغ ١٠.٠%.
قطاع الإسكان والتشييد: اعتمادات بقيمة ٤٥،٤٩٨.٢ مليار جنيه وبأهمية نسبية بلغت ٦.١%.
خامسًا: طبيعة المجالات والموجهات الاستثمارية (الأصول الثابتة)
توضح الموازنة التفصيلية طريقة توجيه هذه الاعتمادات المالية البالغة ٧٤٣،٠٧٦ مليار جنيه وفق طبيعة الأصول، حيث يظهر تركيز مكثف على تدعيم الأصول البنيوية:
الأصول الثابتة: تستحوذ على الجانب الأكبر المطلق بنسبة ٧٣.٠% وبقيمة مالية بلغت ٥٤٢،١٦٩ مليار جنيه. وتشمل هذه الأصول المباني السكنية وغير السكنية، التشييدات، وسائل النقل والمواصلات، والآلات والمعدات والأدوات.
الأصول المتنوعة الأخرى: تشكل نسبة ٢٦.٧% بقيمة ١٩٨،٣٥٣.٨ مليار جنيه، وتتضمن الأبحاث والدراسات، المشروعات الاستثمارية، والدفعات المقدمة للمشاريع.
الأصول الطبيعية: تمثل نسبة ٠.٣% بقيمة ٢،٥٥٣.٢ مليار جنيه، وتختص بشراء وتمهيد واستصلاح الأراضي.

















0 تعليق