الثورة المستباحة.. مَن يحمى 30 يونيو من أعدائها وأبنائها؟

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

كأى ثورة عانت «٣٠ يونيو» من خصومها، كان طبيعيًا أن تتعرض هذه الثورة الشعبية الكاسحة لأكبر عملية تشويه فى التاريخ المصرى من جماعة الإخوان الإرهابية. 

فقد قامت عليها وعلى رئيسها- مندوب مكتب الإرشاد فى قصر الاتحادية-، وحرمت الجماعة من الاستمتاع بالسلطة التى حلمت بها منذ وضع حسن البنا بذور الحلم بها فى العام ١٩٢٨، كشفت عنها الغطاء، وأوقفت أعضاءها عرايا أمام الشعب كله، فلا هى جماعة ربانية، ولا من ينتمون إليها «ناس بتوع ربنا كما كانوا يرددون».. بل هم مجرد كائنات شائهة ومشوهة يطمعون فى السلطة، ليس من أجل المواطنين، ولكن من أجل مصلحتهم وأهدافهم ورؤيتهم التى يضعون فيها الجماعة فوق الوطن. 

حتى اللحظة الأخيرة كانت هناك محاولة لاحتواء جماعة الإخوان. 

كان الشعب الذى بدأ نزوله ضد الجماعة فى الميادين صباح الأحد ٣٠ يونيو قد أخذ قراره، فلا إخوان فى مصر بعد اليوم، هتفوا بحماس وصدق: يسقط.. يسقط حكم المرشد، وهو الهتاف الذى كان يترجم إحساسهم برئاسة محمد مرسى الكاذبة، فهو ليس رئيسًا حقيقيًا، بل المرشد هو الذى يحكم من مقره فى المقطم، وحتى لو كان مرسى رئيسًا فإنه ليس كذلك بالنسبة للمصريين جميعًا، بل للإخوان ومن يتحالفون معهم فقط.

إلى جانب تحركات الشارع الحاسمة والمتحمسة كانت هناك تحركات عاقلة ومتزنة ومنضبطة تقوم بها القيادة العامة للقوات المسلحة بقيادة وزير الدفاع الفريق أول عبدالفتاح السيسى. 

ففى ٢٢ يونيو ٢٠١٣ اجتمع عبدالفتاح السيسى بأعضاء القيادة العامة بالقوات المسلحة، وكان الخط الأساسى للنقاش هو استعراض الموقف الاستراتيجى فى البلاد. 

أجمع المجتمعون على أن يكون هناك موقف موحد فى مواجهة حالة التوتر السياسى التى تشهدها البلاد، فالمؤسسة العسكرية التى تحمل على عاتقها مسئولية الحفاظ على استقرار البلاد مسئولة عن أمن الشعب وأمانه، ولذلك لا بد أن تتحرك. 

تم الاتفاق بين القادة على أن يقوم وزير الدفاع بإبلاغ قائد الحرس الجمهورى اللواء محمد زكى بأن القادة العسكريين سيحضرون إلى قصر الاتحادية للاجتماع مع الرئيس لمناقشة الوضع العام فى البلاد. 

لم تكن الساعة تجاوزت الثالثة عصرًا، عندما جلس القادة مع محمد مرسى الذى لم يكن يعرف سبب طلبهم للاجتماع، أو أنه كان يعرف لكنه كان يحاول الهروب من المواجهة، أخبره قائد الحرس الجمهورى بعد تردده فى مقابلة القادة، بأنهم جاءوا ليتحدثوا معه للتشاور فى أمور مهمة وتحتاج إلى النقاش. 

فى هذا اللقاء لخص الفريق أول عبدالفتاح السيسى الأمر كله، قال لمرسى: الأوضاع خطيرة فى البلاد، وتسير من سيئ إلى أسوأ، وقد جاءوا إليه لينقلوا له ما يجرى بصدق وأمانة، لأنهم لا يريدون أن تصل الأمور إلى النقطة التى لا يمكن الرجوع عنها بعد ذلك. 

رد مرسى وقد بدا أنه فى غيبوبة كاملة بأنه يعرف ما يحدث فى البلاد جيدًا، وكل ما يجرى أن هناك من لا يريدون الخير لمصر، وهؤلاء لا يترددون فى أن يصطنعوا الأزمات حتى لا تقف مصر على قدميها، ولن يسمح بذلك، وسوف يتصدى له بكل قوة. 

لم يتوقف السيسى عند رد مرسى، أشار فقط إلى أن كل التقارير التى ترصد أوضاع الشارع المصرى تشير إلى أن مظاهرات ٣٠ يونيو لن تكون عابرة أبدًا، بل إن ملايين المصريين سيشاركون فيها. 

شكك مرسى فيما يقوله السيسى، وأكد للقادة أن المعلومات التى لديه تقول إنه لا ملايين ولا يحزنون، لكن وزير الدفاع قطع عليه الطريق عندما قال له: كل هذا القلق يمكن أن ينتهى لو تجاوب مع المطالب الشعبية التى هى معقولة ومحددة. 

تمسك محمد مرسى بموقفه، وقال للقادة: أنا رئيس مصر المنتخب ولا أقبل أن يفرض أحد علىّ أى شروط. 

أدرك القادة أنهم أمام من لا يعى حقيقة الموقف، فتحدثوا معه عن احتمالات انهيار الدولة ومؤسساتها إذا استمر فى سياساته، وإذا ظل سمحًا ومتسامحًا مع أعضاء جماعته الذين كانوا يتصرفون فى البلد وكأنها عزبة خاصة بهم، لكن الكلام لم يكن مجديًا معه. 

حاول مرسى الدفاع عن موقفه، قال للقادة إنهم يحملون الرئيس المسئولية الكاملة، وكأنه هو المتسبب فى كل ذلك، دون أن يحملوا من اعتبرهم المحرضين على الفوضى أى جانب من المسئولية، وهاجم الإعلام الذى وصفه بأنه فاسد، وحمل على رجال الأعمال الذين تعامل معهم على أنهم يشكلون لوبيًا يحاول تعويقه عن أداء مهمته. 

لم يكن الكلام مجديًا مع محمد مرسى، بدا للقادة وكأنه حافظ وليس فاهم، فترك له وزير الدفاع تقريرًا رسميًا أعدته المخابرات الحربية عن الأوضاع فى البلاد، وبه توصيات محددة رأت أنه بتنفيذها يمكن أن تستقر الأوضاع فى البلاد، وحتى يتخلص مرسى من الموقف كله وعد بأنه سيدرس التقرير، لكن السيسى قال له وهو يخرج من الاجتماع: لا وقت للدراسة.. فالأمور تقف على حافة الخطر. 

وفى صباح ٢٣ يونيو ٢٠١٣ عقدت القوات المسلحة الندوة التثقيفية الخامسة، وبعد التشاور مع القادة أعلن السيسى عن مهلة لمدة أسبوع لتسوية الأمر. 

فى بيان المهلة قال السيسى: إن علاقة الجيش والشعب علاقة أزلية، وهى جزء من أدبيات القوات المسلحة تجاه شعب مصر، ويخطئ من يعتقد أنه يستطيع بأى حال من الأحوال الالتفاف حول هذه العلاقة أو اختراقها، فإرادة الشعب المصرى هى التى تحكمنا ونرعاها بشرف ونزاهة، ونحن مسئولون مسئولية كاملة عن حمايتها، ولا يمكن أن نسمح بالتعدى على إرادة الشعب، وأنه ليس من المرءوة أن نصمت أمام تخويف وترويع أهلنا المصريين. 

وقال: الموت أشرف لنا من أن يُمس أحد من شعب مصر فى وجود جيشه. 

وأكد السيسى أن الجيش لن يقبل بالتعدى عليه أو التجاوز فى حقه. 

وأعلن أن الشعب المصرى بأكمله هو الحاضن لجيشه، وأن القوات المسلحة لن تظل صامتة بعد الآن تجاه أى إساءة قادمة توجه إليها، وأرجو أن يدرك الجميع مخاطر ذلك على الأمن القومى. 

وحتى يؤكد هذا المعنى، أضاف: الجيش المصرى كتلة واحدة صلبة ومتماسكة، وعلى قلب رجل واحد، يثق فى قيادته وقدرتها، وأنه تجنب الدخول فى المعترك السياسى، إلا أن مسئوليته الوطنية والأخلاقية تجاه الشعب المصرى تحتم عليه التدخل لمنع انزلاق مصر فى نفق مظلم من الصراع أو الاقتتال الداخلى أو التجريم أو التخوين أو الفتنة الطائفية أو انهيار مؤسسات الدولة. 

بعد أن أسس السيسى لموقف القوات المسلحة من الأحداث الجارية فى الشارع المصرى، قال: إن القوات المسلحة تدعو الجميع دون أى مزايدات لإيجاد صيغة تفاهم وتوافق ومصالحة حقيقية لحماية مصر وشعبها، ولدينا من الوقت أسبوع يمكن أن يتحقق خلاله الكثير، وهى دعوة متجردة إلا من حب الوطن وحاضره ومستقبله. 

لم تفهم جماعة الإخوان الرسالة، وحاولت توجيهها إلى أن وزير الدفاع كان يقصد بها من يريدون الخروج فى ٣٠ يونيو وليس الجماعة، ومهدت لذلك بتصريح منسوب إلى أحد قياداتها بأن البيان الذى ألقاه وزير الدفاع كان بالتنسيق مع الرئيس وأنه كان على علم به. 

أدركت القوات المسلحة أن الجماعة تحاول إجهاض بيان «مهلة الأسبوع»، وهو ما دفعها لأن يصرح مصدر عسكرى بأن وزير الدفاع لم يقابل الرئيس يوم ٢٣ يونيو إلا فى الساعة الخامسة مساءً، فى إشارة واضحة إلى أنه لم يجر تنسيق بينهما فيما يخص البيان. 

مساء ٢٣ يونيو عقد مكتب الإرشاد اجتماعًا فى مقره بالمقطم، واستقروا على رفض بيان وزير الدفاع، وقرروا أن يرسلوا معه من يتحدث معه. 

صباح ٢٥ يونيو اجتمع السيسى مع سعد الكتاتنى وخيرت الشاطر فى مكتبه بوزارة الدفاع. 

يقول السيسى عن هذا الاجتماع: التقيت بهما واستمعت إليهما، وبلا مبالغة استمر خيرت الشاطر يتحدث لمدة ٢٥ دقيقة، ويتوعد بأعمال إرهابية وعنف وقتل من جانب جماعات إسلامية لا يستطيع هو ولا جماعة الإخوان السيطرة عليها، موجودة فى سيناء والوادى، وبعضها لا يعرفه جاءوا من دول عربية، ثم أخذ الشاطر يشير بإصبعه وكأنه يطلق زناد بندقية. 

قال الشاطر للسيسى: إذا ترك الرئيس منصبه فستنطلق هذه الجماعات لتضرب وتقتل، ولن يقدر أحد على أن يسيطر عليها، وهذا معناه اقتتال شديد جدًا. 

وأضاف أن هناك من أفشلوا الرئيس، وأن مواقف القوات المسلحة زادت التوتر ضدهم، وأفقدتهم السيطرة على قواعد جماعات الإخوان، وعلى كل التيارات الإسلامية الأخرى الموجودة، والتى تمتلك أسلحة جاءت من ليبيا وعبر الحدود. 

رد السيسى على كلام الشاطر بغضب، قال له: إنتم عايزين إيه؟ إنتم خربتم البلد، وأسأتم للدين، إنتم عايزين يا تحكمونا يا تقتلونا. 

تدخل سعد الكتاتنى ليهدئ الموقف، قال للسيسى: وما الحل؟ 

رد عليه السيسى: الحل أن تحلوا مشاكلكم مع القضاء والكنيسة والأزهر والإعلام والقوى السياسية والرأى العام. 

قال الكتاتنى: ومن قال إننا ضد الحل؟ نحن فقط نلوم على صدور بيان من القوات المسلحة يحذر الرئيس فيزيد النار اشتعالًا ويقوى العناصر المناوئة ويجعلها تصر على تهديد أمن البلد فى ٣٠ يونيو. 

رد السيسى بهدوء هذه المرة: سواء أصدرت القوات المسلحة تحذيرها أو لم تصدر، فالشعب سيخرج فى ٣٠ يونيو، وأنا أحذر من غضبه، وكان بيان القوات المسلحة إبراءً للذمة أمام الجميع، ونحن لن نسمح أبدًا بسقوط الدولة أو إذلال الشعب، ولن يجرؤ ضابط أو جندى على أن يوجه الرصاص إلى صدور المصريين، لن يكون هناك حل أمنى ولن نسمح به، وجيش مصر سيحمى مصر. 

عاد السيسى إلى غضبه، ووجه كلامه إلى الشاطر، قال: أنا أحذر من تهديدات الأخ خيرت باستخدام الميليشيات ضد الجيش أو الشرطة أو الشعب، وأقسم بالله العظيم إن أولادنا حياكلوهم ويقطعوهم لو فكروا يعتدوا على الشعب. 

وختم السيسى كلامه: اطلبوا من الرئيس الاستجابة لمطالب الشعب، الناس تريد الاستفتاء على انتخابات رئاسية مبكرة.. لماذا تخافون؟ لو كان الشعب معكم أهلًا وسهلًا، لو كان الشعب يريد انتخابات رئاسية مبكرة.. فلماذا لا نحترم رغبته؟ الحل فى أيديكم، ونحن سنكون سندًا وعونًا لكم إذا استجبتم لمطالب المصريين. 

قال الكتاتنى: أعدك بأننا سنفكر فى الأمر، وغدًا سيتضمن خطاب الرئيس ما ينهى الأزمة ويضع حدًا للخلاف. 

فرد السيسى: على بركة الله.. ونحن فى الانتظار. 

لم يفِ الكتاتنى بما وعد به، فالأمر لم يكن فى يده. 

مساء ٢٥ يونيو توفرت معلومات لأجهزة المعلومات المصرية بأن جماعة الإخوان تجهز لخطة محددة يتم تنفيذها قبل دقائق من إلقاء محمد مرسى خطابه الذى حدد له الساعة الثامنة من مساء ٢٦ يونيو. 

كانت الخطة تقوم على بنود محددة: 

أولًا: إقالة كل من الفريق أول عبدالفتاح السيسى وزير الدفاع، والفريق صدقى صبحى رئيس أركان الجيش المصرى، واللواء رأفت شحاتة مدير المخابرات العامة، واللواء محمود حجازى مدير المخابرات الحربية، واللواء خالد فوزى رئيس هيئة الأمن القومى، واللواء محمد إبراهيم وزير الداخلية، واللواء خالد ثروت مساعد الوزير للأمن الوطنى من مناصبهم. 

ثانيًا: اعتقال ٣٦ من قيادات العمل الإعلامى الذين شنوا هجومًا متواصلًا على جماعة الإخوان ورئيسها، وذلك لقطع الطريق عليهم ومنعهم من الهجوم على قرار الرئيس بإعفاء القيادات العسكرية والأمنية من مناصبهم. 

كان التنفيذ يقتضى تحديد طريقة آمنة، حتى لا يحدث صدام بين من ينفذون وهذه القيادات، ففكرت الجماعة أن يقوم عدد من قيادات ميليشياتها المسلحة بالتنفيذ، بعد أن يرتدوا ملابس عسكرية، وتم التجهيز لذلك بالفعل، وأجرت الجماعة اتصالات مع عدد من القيادات العسكرية وطلبت منهم أن يحلفوا اليمين لمنصب وزير الدفاع خلفًا لعبدالفتاح السيسى، وكان من بين هؤلاء اللواء محمد زكى قائد الحرس الجمهورى، واللواء أحمد وصفى قائد الجيش الثانى، لكنهما رفضا ذلك تمامًا، وكانت الإجابة الموحدة لهما أنه لا يوجد فى مصر إلا وزير دفاع واحد هو عبدالفتاح السيسى. 

عرف عبدالفتاح السيسى بهذه الخطة، فتصرف سريعًا، حيث أمر بنشر القوات فى أرجاء القاهرة الكبرى، وفى المناطق الحيوية بمختلف أرجاء الجمهورية، وهو ما جرى بشكل كامل واحترافى صباح يوم ٢٦ يونيو فى الفترة من الساعة الخامسة حتى الساعة الثامنة صباحًا. 

عندما عرف مرسى بنشر القوات بهذه الطريقة وهذه السرعة أدرك أن خطته وخطة جماعته كُشف أمرها، فتراجع عنها، وبدأ فى سيناريو بديل، وهو محاولة استقطاب وزير الدفاع إلى صفه. 

بدأ خطاب محمد مرسى الساعة الثامنة واستمر لأكثر من ساعتين، هاجم فيه رموز نظام مبارك على أساس أن هذا يمكن أن يجلب له تعاطف وتأييد من شاركوا فى ثورة يناير، تحدث عن جبهة الإنقاذ التى وصفها بأنها جبهة الخراب، وأنه يعرف مخططاتها، ولن يتركها، وتحدث عن الظروف الاقتصادية الصعبة، وعمن يحاولون إعاقته عن العمل، ثم جاء على ذكر القوات المسلحة وقال إن فيها رجالًا مثل الذهب فى محاولة لاستقطابهم إلى صفه. 

يقول السيسى: فوجئت بأن ما يقوله الرئيس عكس ما تم الاتفاق عليه معى ومع الكتاتنى، وباستثناء الاعتذار الذى ذكره فى بداية الخطاب، وقد ابتسمت بسبب الخضوع لأوامر مكتب الإرشاد دون مراعاة مصالح الدولة، والاعتماد على مستشارين اعتادوا إيقاع الرئيس فى أخطاء وإعداد خطاب لا يرقى لمقام الرئاسة، وقلت لنفسى وأنا أستمع للخطاب: خلاص هما كده بيهددوا الشعب. 

ويضيف: كان من الواضح إنهم شايفين الصورة بشكل مختلف، لكن تقديرى أن حجم المظاهرات التى حدثت فى تلك الفترة لم تنقل لهم بصورة جيدة، وأدركت أن اللحظة الحاسمة ستكون يوم ٣٠ يونيو. 

حشد الإخوان أنصارهم فى ميدان رابعة العدوية منذ ٢١ يونيو، وأعلنوا عن أنهم سيواجهون الحشد بحشد مقابل، ولن يتنازلوا عن السلطة أبدًا مهما حدث. 

كان من المفروض أن تنتهى يوم ٣٠ يونيو مهلة الأسبوع التى منحتها القوات المسلحة للقوى السياسية للتفاهم، لكن لم يتحدث الجيش عن هذه المهلة إلا يوم ١ يوليو، وكان الهدف من ذلك إعطاء مزيد من الوقت للتواصل الجاد بين الأطراف المختلفة وعدم التعجل فى اتخاذ القرارات. 

المفاجأة أن القوات المسلحة منحت القوى السياسية مهلة أخرى يوم ١ يوليو مدتها ٤٨ ساعة، وبررها السيسى بقوله: كنت شايف مخاطر شديدة جدًا، والبلد وصلت لمرحلة خطيرة، وكنت أقول لو هناك مخرج يبقى أفضل. 

كان اللقاء الأخير بين مرسى ووزير الدفاع عبدالفتاح السيسى يوم ٢ يوليو ٢٠١٣، وهو الاجتماع الذى حضره رئيس الوزراء هشام قنديل، وفيه قال مرسى إن المقترح الوحيد الذى يقبل به هو تغيير الحكومة وإقالة النائب العام، وإجراء بعض التعديلات الدستورية، ولم يأت بذكر مسألة الاستفتاء على الانتخابات الرئاسية المبكرة. 

وفى نفس اليوم ألقى خطابًا طالب فيه بضرورة الحفاظ على الشرعية، وعلى مكاسب ثورة ٢٥ يناير، وشدد على ضرورة ألا يسىء أحد إلى الجيش المصرى، باعتباره الرصيد الكبير الذى بناه المصريون بأيديهم. 

كان محمد مرسى متوترًا وعصبيًا، وبتحليل بسيط للخطاب، سنجد أنه لم يكن إلا شفرة عنف واضحة جدًا لأنصاره فى الشوارع، دار حديثه كله عن شرعيته التى حصل عليها بصندوق الانتخابات، دون أن يفهم أن هذه الشرعية هى التى منحها الشعب له، والشعب الآن فى الشوارع والميادين، يسحب هذه الشرعية مرة أخرى، وعليه فلا كلمة يمكن أن تعلو على كلمة الشعب. 

لم يكن محمد مرسى صادقًا فيما قاله عن الجيش والإساءة له، ففى نفس يوم الخطاب ٢ يوليو ٢٠١٣ كان عصام الحداد- مساعد رئيس الجمهورية للشئون الخارجية- قد قام بإبلاغ سفراء دول الاتحاد الأوروبى وعدة دول أخرى، على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية أن القوات المسلحة لديها نية للقيام بانقلاب عسكرى للإطاحة بشرعية رئيس الجمهورية المنتخب. 

رد الفعل على تصريح عصام الحداد كان كبيرًا. 

فوسائل الإعلام رأت أنه محاولة من الإخوان لتهييج الرأى العام العالمى ضد القوات المسلحة المصرية. 

وجبهة الإنقاذ وصفته بأنه النفس الأخير قبل أن يحتضر نظام محمد مرسى. 

أما المتحدث الرسمى باسم القوات المسلحة فأكد أن ما قاله الحداد مُنافٍ للحقائق التاريخية، لأن تاريخ القوات المسلحة المصرية وعقيدتها الأصلية لا تسمح بانتهاج مثل هذه السياسات الانقلابية. 

كان السيسى يستمع إلى خطاب محمد مرسى فى مكتبه بوزارة الدفاع، وكان إلى جواره رئيس الأركان ورئيس عمليات القوات المسلحة، على الفور استدعى عددًا من قيادات القوات المسلحة وعقد اجتماعًا حضره رئيس المخابرات العامة وقائد الحرس الجمهورى للتشاور حول الخطوة المقبلة بعد أن أغلق رئيس الجمهورية بخطابه كل الأبواب أمام أى حل سياسى. 

اتفق المجتمعون مع وزير الدفاع على بدء خطة تأمين البلاد والتعامل مع الموقف السياسى بكل حسم وسرعة، وكان من نتيجة ذلك أن تم نقل محمد مرسى من دار الحرس الجمهورى التى كان يقيم فيها إلى مكان يتم الإعلان عنه لاحقًا، وتم تحديد إقامة كل من أحمد عبدالعاطى مدير مكتب مرسى، والسفير رفاعة الطهطاوى رئيس الديوان، وأسعد الشيخة نائبه، وتم التحفظ على مساعدى مرسى الآخرين، وعلى رأسهم باكينام الشرقاوى، وعصام الحداد، وأيمن على، داخل قصر القبة. 

تم الاتفاق على الدعوة لاجتماع فى مبنى عمليات القوات المسلحة فى الثالثة عصر ٣ يوليو ٢٠١٣ تشارك فيه القوى السياسية المختلفة. 

يقول السيسى: دعونا محمد البرادعى وممثلى المرأة وشباب تمرد وحزب النور والقضاء، وكذلك حزب الحرية والعدالة، لكنه لم يقبل الدعوة. 

حتى اللحظة الأخيرة كان حزب الإخوان جزءًا من الحل السياسى الذى تتبناه القوات المسلحة. 

عندما سمع ممثلا تمرد رغبة القوات المسلحة فى التواصل مع سعد الكتاتنى اعترضا، ويقول محمد عبدالعزيز: كان اللواء محمد العصار هو الذى سيتواصل مع الكتاتنى، وقلنا له إننا نرفض تواجد الإخوان، لكنه أكد أنه من الضرورى التواصل معه، فنحن لا نريد أن نستبعد أحدًا من الحل، ولم نقتنع إلا بعد أن تدخل البرادعى وقال لنا: هى محاولة وأنا على ثقة أن الكتاتنى سيرفض ولن يشارك. 

وهو ما حدث بالفعل، فقد استمرت المكالمة بين العصار والكتاتنى لما يقرب من ١٤ دقيقة، أصر الكتاتنى فيها على الرفض، وأكد أن الحزب والجماعة خارح خارطة الطريق. 

كان لا بد من سرد هذه التفاصيل التى تشكل جزءًا فقط مما جرى، لنعرف أن الجيش لم يكن يسعى للإطاحة بمرسى، وأنه حاول احتواء الموقف، حتى وجد نفسه فى النهاية فى مواجهة خطر تهديد وجودى لمصر فتدخل. 

تُحمل جماعة الإخوان الإرهابية الجيش المسئولية الكاملة عن ثورة ٣٠ يونيو، تتجاهل ما قام به الشعب من رفض وتظاهر ومطالبة بإسقاطهم، لذلك لا يتوقفون عن تشويه الثورة والهجوم على الجيش. 

قد يكون مبررًا بالنسبة لى استباحة الثورة من قبل الإخوان، لكننى لا أحدثكم عن الاستباحة من الأعداء لأنها منطقية ومبررة من جانبهم. 

لكن استباحة الثورة التى أتحدث عنها وأحذر منها بقوة هى استباحة من ينتمون إليها والاستهانة بها، من خرجوا فيها، ووقفوا فى الميادين حتى يرحل محمد مرسى وتختفى جماعته. 

لقد أهملنا فيما كان يجب علينا أن نقوم به من أجل هذه الثورة. 

لقد أفزعنى أن الشباب الصغار الذين يعيشون بيننا الآن، والذين كانوا صغارًا لا يدركون ما يحدث حولهم، لا يعرفون شيئًا عن الثورة ولا أسبابها وضرورتها، وذلك لأننا قصرنا فى توثيق الثورة والحديث عنها. 

قد تكون لدينا محاولات إعلامية هنا وهناك، لكن الثورة تحتاج إلى منهج دائم ومتصل، حتى لا تتفلت من بين أيدينا وأيدى الأجيال القادمة. 

لا يخفى عليكم أن جماعة الإخوان تجتهد فى توثيق روايتها عن الثورة بكل الأشكال الممكنة، وتركز فيها على الوصول إلى الشباب، فما الذى نقوم به نحن فى مواجهة ذلك؟، كيف نحمى الذاكرة الوطنية التى يجب أن تحتفظ بالثورة حية من التآكل والذوبان والنسيان وعوامل تعرية الزمن؟، وكيف نقدم روايتنا الوطنية عن الثورة للأجيال القادمة؟ 

أعتقد أن هذه مهمة وطنية لا بد أن يشترك فيها الجميع، فهى ليست مسئولية الإعلام وحده، لكنها مسئولية مؤسسات الدولة جميعها. 

لقد تحول الاحتفاء والاحتفال بالثورة كل عام إلى كرنفال، بعضه فارغ، كلام معاد ومكرر، فهل نفيق ونعرف أننا فى حاجة حقيقية إلى مشروع قومى لكتابة تاريخ هذه الثورة لحمايته من التشويه والتآكل؟ 

إننى لا أتحدث عن كتب وصحف ومواقع، ولكننى أتحدث عن إلحاح بالتذكير بالثورة عبر كل الوسائط الممكنة والتى تضع الشباب فى قائمة أولوياتها، وهو ما أعتبره فريضة وطنية، وليس مجرد عمل عابر. 

بغير هذا ستظل ثورتنا العظيمة الشريفة مستباحة يتجرأ عليها خصومها ويستهين بها من يجب أن يؤمن بها من الشباب. 

فهل نبدأ فى عمل جاد فى هذا الشأن، أم سنظل على عهدنا بالاحتفالات الكرنفالية حتى نجد أنفسنا فى مواجهة كارثة وطنية حقيقية؟ 

أتمنى من كل قلبى أن نتحرك قبل فوات الأوان.. وقبل أن نصبح جميعًا خاسرين.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق