لم يعد الغموض يقتصر على مستقبل المفاوضات بين واشنطن وطهران، بل أصبح السمة الأبرز للمشهد السياسي المحيط بأزمة مضيق هرمز،كلما أعلنت الولايات المتحدة عن تحرك دبلوماسي جديد، سارعت إيران إلى نفيه، في مشهد يعكس اتساع فجوة الثقة بين الطرفين وتباين أولوياتهما بشأن المرحلة المقبلة.
وبين محاولات احتواء التصعيد العسكري والحفاظ على التهدئة الهشة، يبرز مضيق هرمز باعتباره محورًا رئيسيًا في أي تفاهمات مستقبلية، بينما تضيف الانقسامات داخل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مزيدًا من الضبابية إلى مسار التفاوض.
وفي هذا السياق، اتجهت الأنظار إلى العاصمة القطرية الدوحة، بعدما أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، أن المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، يوجدان في الدوحة لإجراء لقاءات مع الوسطاء ومتابعة ملف المفاوضات، مؤكدًا في الوقت نفسه أنه لا يوجد أي اجتماع رفيع المستوى مقرر بين الولايات المتحدة وإيران.
وأوضح الأنصاري أن الأموال الإيرانية المجمدة لدى قطر، والبالغة ستة مليارات دولار، لم تحول إلى طهران حتى الآن، ولا تزال خاضعة لاتفاق عام 2023، ومخصصة لشراء السلع الإنسانية.
كما كشف عن استخدام خط اتصال مباشر خلال الأيام الماضية للمساهمة في احتواء التوترات في مضيق هرمز، مشيرًا إلى استمرار التنسيق بين قطر وسلطنة عمان لضمان أمن الملاحة والعبور الآمن للسفن، وذلك بالتزامن مع التزام واشنطن وطهران بوقف الهجمات التي تجددت رغم توقيع مذكرة التفاهم بينهما في منتصف يونيو.
وفي المقابل، عززت التحركات الأمريكية الانطباع بأن واشنطن تسعى إلى الإبقاء على الزخم الدبلوماسي، خاصة مع تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب التي تحدث فيها عن جولة جديدة من المفاوضات مع إيران، في خطوة فسرتها أوساط سياسية بأنها محاولة لإعادة تنشيط قنوات التواصل ومنع انهيار التفاهمات القائمة.
غير أن الرواية الإيرانية جاءت على النقيض تمامًا، إذ نفت طهران وجود أي اجتماعات تفاوضية مقررة مع الولايات المتحدة خلال الفترة المقبلة، مؤكدة أن أولويتها الحالية تقتصر على تنفيذ بنود مذكرة التفاهم، وليس الانتقال إلى مفاوضات بشأن اتفاق نهائي. وشددت على أن أي حديث عن جولة تفاوضية جديدة لا يستند إلى وقائع فعلية.
ورغم ذلك، زادت حالة الغموض مع نفي وزارة الخارجية القطرية صحة الأنباء التي تحدثت عن عقد اجتماع أمريكي إيراني رفيع المستوى في الدوحة، وهو ما عكس حجم التباين في الروايات المتداولة، ورسخ حالة الضبابية بشأن حقيقة الاتصالات الجارية خلف الكواليس.
وفي السياق ذاته، أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، أن تنفيذ بنود الاتفاق المؤقت يمثل شرطًا أساسيًا قبل الدخول في أي مفاوضات تؤدي إلى اتفاق نهائي، موضحًا أن قنوات الاتصال القائمة مع الولايات المتحدة لا تزال سياسية وليست عسكرية، بما يعكس تمسك طهران بترتيب أولوياتها التفاوضية.
وانسجامًا مع هذا الموقف، أعلنت الخارجية الإيرانية إرسال وفد رسمي إلى الدوحة لمتابعة تنفيذ بنود مذكرة التفاهم، وعلى رأسها ملف الأموال الإيرانية المجمدة والعقوبات المفروضة على صادرات النفط، مؤكدة أن زيارة الوفد الإيراني منفصلة تمامًا عن وجود المسؤولين الأمريكيين في قطر، ولا تتضمن أي لقاءات مباشرة مع الجانب الأمريكي.
وبالتوازي مع ذلك، برز ملف مضيق هرمز بوصفه القضية الأكثر حساسية في المرحلة الحالية، بعدما كشف نائب وزير الخارجية الإيراني عن توجه بلاده لإعادة صياغة ترتيبات إدارة المضيق.
وأوضح أن إيران أبلغت سلطنة عمان بأنها صاحبة القرار في تحديد مسارات العبور، وترفض أي ترتيبات بديلة، كما ناقشت مع الجانب العماني آليات المشاركة في الترتيبات المستقبلية، إلى جانب مطالبتها بالحصول على مقابل مالي نظير الخدمات المقدمة في المضيق.
وأكد المسؤول الإيراني أن الأوضاع في مضيق هرمز لن تعود كما كانت قبل الحرب"، مشددًا على أن بلاده ماضية في تثبيت ترتيبات جديدة لإدارة هذا الممر البحري الاستراتيجي، سواء بالتنسيق مع سلطنة عمان أو من خلال رؤيتها الخاصة إذا تعذر التوافق.
تعكس هذه التطورات أن الخلاف بين واشنطن وطهران لم يعد يقتصر على استئناف المفاوضات أو استكمال تنفيذ مذكرة التفاهم، بل أصبح يدور حول شكل النظام الأمني والسياسي الذي سيحكم مضيق هرمز خلال المرحلة المقبلة.
الولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على مسار تفاوضي يمنع تجدد التصعيد ويحافظ على أمن الملاحة، بينما تعمل إيران على استثمار المتغيرات التي أفرزتها الحرب لفرض معادلة جديدة تمنحها نفوذًا أوسع في إدارة أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وفي المقابل، فإن تضارب التصريحات الأمريكية والإيرانية، إلى جانب الموقف القطري الذي نفى وجود لقاءات مباشرة، يكشف أن قنوات التواصل لا تزال محكومة بحسابات سياسية معقدة، وأن فجوة الثقة بين الطرفين لم تضق بالقدر الكافي للانتقال إلى اتفاق شامل.
كما أن التباينات داخل إدارة الرئيس دونالد ترمب تضيف عاملًا آخر من عدم اليقين، إذ تؤثر في اتساق الموقف الأمريكي وتمنح طهران مساحة أكبر للمناورة وربط أي تقدم سياسي بتنفيذ الالتزامات الاقتصادية، وعلى رأسها ملف الأموال المجمدة والعقوبات النفطية.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو أزمة مضيق هرمز مرشحة لأن تكون العنوان الأبرز للمرحلة المقبلة، ليس باعتبارها أزمة ملاحة بحرية فحسب، وإنما باعتبارها ساحة لإعادة رسم موازين النفوذ الإقليمي.
ومن ثم، فإن نجاح أي مسار تفاوضي لن يتوقف على استئناف اللقاءات السياسية فقط، بل سيظل مرهونًا بقدرة الطرفين على تضييق فجوة الثقة والتوصل إلى تفاهمات واضحة بشأن ترتيبات الأمن الإقليمي وحرية الملاحة.
وفي ظل استمرار تضارب المواقف، وتباين أولويات واشنطن وطهران، وتعثر الانتقال من مرحلة تنفيذ التفاهمات إلى اتفاق نهائي، تبقى احتمالات عودة التصعيد العسكري قائمة، بما قد يعيد المنطقة إلى دائرة المواجهة ويضع أمن مضيق هرمز أمام اختبار جديد، ما لم تنجح الجهود الدبلوماسية في احتواء الأزمة










0 تعليق