شدد كريم كمال، الكاتب والباحث الكنسى، على أن السنوات التى أعقبت ثورة ٣٠ يونيو لم تكن مجرد مرحلة انتقال سياسى اعتيادية فى مصر، بل مثّلت إعادة ترتيب شاملة لمفهوم المواطنة، ولطريقة حضور المصريين جميعًا، بمختلف انتماءاتهم، داخل مؤسسات الدولة.
تمثيل الأقباط فى البرلمان قبل عام ٢٠١٣ كان أقرب إلى الاستثناء منه إلى القاعدة
وأضاف «كمال» في تصريح خاص لـ«الدستور»: «التغيير الأوضح فى هذا السياق تجسد فى حجم تمثيل الأقباط داخل المجالس النيابية (النواب والشيوخ)، وفى الحقائب الوزارية، وحركة المحافظين، وصولًا إلى الدور المحورى الذى لعبته الكنيسة القبطية الأرثوذكسية فى الخارج؛ ليس كفاعل سياسى، بل كقوة روحية ووطنية أسهمت فى تصحيح الصورة الذهنية عن مصر، فى لحظة فارقة كانت فيها البلاد تحت مجهر العالم».
وواصل: «تمثيل الأقباط فى البرلمان قبل عام ٢٠١٣ كان أقرب إلى الاستثناء منه إلى القاعدة، واقتصر على أرقام قليلة ومتباعدة. فى برلمان عام ٢٠١٢ لم يتجاوز عدد النواب الأقباط ١١ نائبًا فقط، من بينهم ٦ نواب بالانتخاب و٥ بالتعيين. وفى انتخابات سابقة مثل عام ١٩٩٥، لم ينجح أى مرشح قبطى رغم ترشح العشرات».
التمثيل القبطى لم يعد قائمًا على التعيين الرمزى
وأشار إلى أن المشاركة السياسية للأقباط كانت محكومة بظروف اجتماعية وسياسية معقدة، وبنظام انتخابى لم يكن يسمح بتمثيل عادل يعكس الوزن الحقيقى للمجتمع القبطى داخل الدولة.لكن بعد ثورة ٣٠ يونيو، وإقرار دستور ٢٠١٤، الذى نص صراحة على ضمان تمثيل مناسب للمسيحيين فى أول برلمان، تغير المشهد بشكل جذرى، وشهد برلمان ٢٠١٥ صعود ٣٩ نائبًا قبطيًا، ثم ارتفع العدد فى برلمان ٢٠٢٠ إلى ٤٢ نائبًا بنسبة قاربت ٧.٤٪ من إجمالى المقاعد. أما مجلس الشيوخ فقد ضم ١٤ عضوًا قبطيًا فى سابقة لم تعرفها الحياة النيابية المصرية من قبل، وفق الباحث الكنسى.
ونبّه إلى أن التمثيل القبطى لم يعد قائمًا على التعيين الرمزى، بل استند إلى حضور فعلى داخل القوائم والدوائر الفردية، وعلى منافسة سياسية حقيقية، معتبرًا أن نجاح العديد من النواب الأقباط على المقاعد الفردية يعد دليلًا قاطعًا وواضحًا على نجاح الرئيس عبدالفتاح السيسى فى ترسيخ قيم المواطنة خلال عهده.
وقال «كمال» إن هذا التحول لم يقتصر على البرلمان فحسب، بل امتد إلى الجهاز التنفيذى، حيث بدأت الدولة بوضوح شديد تتجه نحو اختيار القيادات على أساس الكفاءة والتخصص، بعيدًا عن الدين أو الخلفية الاجتماعية.
وأضاف: «صاحب ذلك ظهور وجوه قبطية فى حقائب وزارية مهمة، وفى مواقع نواب المحافظين، وفى مختلف مؤسسات الدولة»، مؤكدًا أن الأمر لم يكن مجرد استجابة ظرفية، بل توجه سياسى راسخ، عبّر عنه الرئيس عبدالفتاح السيسى فى أكثر من مناسبة، حين أكد أن معيار الاختيار هو القدرة على خدمة الدولة، وأن مصر لا تُدار بمنطق المحاصصة بل بمنطق الدولة الحديثة التى تبحث عن الأكفأ.
وفى موازاة هذا التحول الداخلى، نبّه «كمال» إلى أن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية كانت تخوض معركة من نوع آخر فى الخارج، وصفها بأنها «معركة رواية» وليست معركة سياسية.
وشرح: «بعد ٣٠ يونيو واجهت مصر حملة تشويه واسعة فى بعض الدوائر الغربية، ووجدت الكنيسة نفسها، بحكم وجودها التاريخى فى أوروبا وأمريكا وأستراليا، فى موقع يسمح لها بتوضيح الصورة الحقيقية».
وأضاف: «لم تتحدث الكنيسة باسم الدولة، لكنها تحدثت باسم الحقيقة التى يعرفها أبناؤها»، مشيرًا إلى أن الأساقفة فى الإيبارشيات الخارجية عقدوا لقاءات مكثفة مع برلمانيين ومسئولين غربيين، وشرحوا لهم طبيعة ما جرى فى مصر، وكيف خرج ملايين المصريين مطالبين بتصحيح المسار، وكيف أن الدولة لم تكن فى صراع مع المسيحيين أو المسلمين، بل فى صراع مع مشروع كان يهدد هوية الوطن ذاته».
وأكد أن هذا الدور، الذى يمكن وصفه بـ«الدبلوماسية الروحية»، لم يكن تدخلًا سياسيًا، بل امتدادًا طبيعيًا لدور الكنيسة الوطنى عبر التاريخ. فالكنيسة التى أكدت دائمًا أنها مؤسسة «وطنية لا سياسية»، وجدت نفسها مطالبة بأن تشرح للعالم حقيقة ما يعيشه أبناؤها فى الداخل، وأن تواجه روايات مضادة حاولت تصوير المشهد المصرى على غير حقيقته.
وواصل: «نجحت هذه الجهود بالفعل فى تعديل مواقف العديد من المؤسسات الدولية، وفى تهدئة مخاوف الجاليات القبطية بالخارج، وتعزيز صورة مصر كدولة تسعى إلى الاستقرار والتعايش».
وأكمل: «مع مرور السنوات أصبح واضحًا أن ما حدث بعد عام ٢٠١٣ لم يكن مجرد زيادة رقمية فى تمثيل الأقباط، بل إعادة صياغة كاملة للعلاقة بين الدولة ومواطنيها، فلم يعد ينظر إلى المواطن القبطى كاستثناء يحتاج إلى مقعد بالتعيين، بل كمواطن كامل الأهلية قادر على المنافسة وتولى المسئولية والمشاركة فى صناعة القرار. كما لم تعد الكنيسة مطالبة بأن تلعب دورًا سياسيًا، بل دورًا وطنيًا ينسجم مع رسالتها الروحية ويخدم استقرار الدولة دون أن يتجاوز حدودها».
وشدد على أن ما جرى خلال العقد الأخير هو قصة دولة قررت أن تعيد تعريف نفسها، وأن تضع المواطنة فى قلب مشروعها القومى، لتختار أبناءها على أساس ما يملكون من مهارة لا على أساس ما يحملون من هوية، وهى قصة مجتمع بدأ يرى نفسه من جديد، ويعيد ترتيب علاقته بذاته وبمؤسساته، وبالعالم من حوله.













0 تعليق