تؤكد المؤشرات الصادرة عن وسائل الإعلام الأمريكية والإسرائيلية خلال الساعات القليلة الماضية أن المنطقة قد تكون على أعتاب اتفاق أمريكي–إيراني يضع حداً للحرب التي اندلعت خلال الأشهر الماضية، بما قد يمهد لمرحلة جديدة من التهدئة الإقليمية وإعادة ترتيب التوازنات في الشرق الأوسط. ويأتي ذلك في ظل ما يتردد عن وجود مسودة اتفاق يجري العمل على استكمال تفاصيلها خلال الأيام القليلة المقبلة، وسط ضغوط إقليمية ودولية متزايدة لمنع تجدد العمليات العسكرية
واتصالاً بذلك ، أعلن الرئيس الأمريكي ترامب أن الاتفاق «سيتم إنجازه قريباً»، مؤكداً أن الاتصالات السياسية مع قادة المنطقة والحكومة الإسرائيلية وصلت إلى مرحلة متقدمة. وبحسب التسريبات المتداولة فإن الاتفاق المقترح يتضمن تمديد وقف إطلاق النار لمدة ستين يوماً، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، والسماح لإيران باستئناف صادراتها البتروليه بصورة شبه طبيعية، مقابل الدخول في مفاوضات جديدة بشأن البرنامج النووي الإيراني ومستويات تخصيب اليورانيوم. كما تتحدث بعض التقارير عن تخفيف تدريجي للعقوبات والإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة.
غير أن التطور الأكثر أهمية، والذي قد يشكل نقطة التحول الحقيقية في المفاوضات، يتمثل فيما كشفته صحيفة The New York Times بشأن موافقة إيران المبدئية على التخلي عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، البالغ نحو 450 كيلوجراماً والمخصب بنسبة 60%، إذ تشير المعلومات إلى أن المفاوضين الأمريكيين أبلغوا طهران، عبر وسطاء، أن عدم التوصل إلى تفاهم حول هذا المخزون في المرحلة الأولى سيؤدي إلى انسحاب واشنطن من المفاوضات واستئناف الحملة العسكرية. ويبدو أن القيادة الإيرانية تعاملت مع هذا التهديد بجدية، بعدما أدركت أن الإدارة الأمريكية باتت مستعدة فعلياً للعودة إلى الخيار العسكري إذا فشلت المفاوضات. ووفقاً للتقارير المتداولة، أصبح الالتزام المتعلق باليورانيوم جزءاً من مذكرة التفاهم الأولية الجاري التفاوض بشأنها حالياً.
وفي المقابل، تبدو إسرائيل أكثر تحفظاً تجاه هذه التطورات. فقد كشفت وسائل إعلام إسرائيلية أن رئيس الوزراء نتنياهو ينظر بقلق بالغ إلى أي اتفاق لا يتضمن تفكيكاً كاملاً للبنية النووية والصاروخية الإيرانية، والتخلي عن امكاناتها من اليورانيوم عالي التخصيب أو لا يفرض قيوداً صارمة وطويلة الأمد على القدرات العسكرية الإيرانية. كما تحدثت تقارير إسرائيلية عن استمرار الاستعدادات العسكرية لاحتمال استئناف الحرب إذا فشلت المفاوضات، أو إذا اعتبرت تل أبيب أن الاتفاق يمنح طهران مكاسب استراتيجية كبيرة من دون ضمانات أمنية كافية. ويبدو أن إسرائيل، في هذه المرحلة، تنظر إلى الاتفاق باعتباره أقل بكثير من السقف الذي كانت تطمح إليه منذ بداية المواجهة.
وعلى الرغم من الانفراجة الناتجة عن تجنب التصعيد العسكري وإعادة فتح مضيق هرمز، تبدو إسرائيل وكأنها الخاسر الأكبر من هذا التطور، إذ كان نتنياهو يتمسك بضرورة مواصلة العمليات العسكرية ضد إيران إلى حين القضاء الكامل على قدراتها النووية والصاروخية، في وقت لا تزال فيه طهران تحتفظ بجانب هام من إمكاناتها الاستراتيجية، فضلاً عن نفوذها الإقليمي عبر حلفائها وأدواتها المختلفة في المنطقة.
ورغم هذا التحفظ الإسرائيلي، فإن المزاج العام داخل الدوائر الغربية يبدو أقرب إلى تفضيل التسوية السياسية. فالحرب الممتدة منذ أشهر فرضت أعباء اقتصادية وأمنية ضخمة على الولايات المتحدة وحلفائها، وأدت إلى اضطرابات حادة في أسواق الطاقة والتجارة العالمية، خاصه مع إغلاق مضيق هرمز. كما أن استمرار المواجهة العسكرية بات يحمل مخاطر انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة يصعب احتواؤها.
ومع ذلك، لا يزال من السابق لأوانه الجزم بما إذا كان ما يجري يمثل اتفاقاً حقيقياً قابلاً للاستمرار، أم مجرد هدنة مؤقتة بصياغة سياسية وإعلامية أكثر تطوراً. فلا تزال هناك أسئلة جوهرية من دون إجابات واضحة:
* هل ستتخلى إيران فعلياً عن مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، أم ستكتفي بتقديم تعهدات سياسية؟
* هل ستكون إعادة فتح مضيق هرمز دائمة أم مؤقتة؟
* هل ستفرج الولايات المتحدة عن الأصول الإيرانية المجمدة؟
* هل سيتم تعليق التخصيب لفترة طويلة الأمد أم بصورة مرحلية؟
* وما مصير برنامج الصواريخ الإيراني ونفوذ طهران الإقليمي؟
ولا يبدو، وفقاً للتسريبات الحالية، أن مذكرة التفاهم الأولية تقدم إجابات حاسمة عن جميع هذه القضايا، وهو ما يفسر استمرار حالة الحذر والترقب داخل العواصم الإقليمية والدولية.
لذا، فإنه حتى في حال توقيع الاتفاق، فإن ذلك لن يعني بالضرورة نهاية فعلية للحرب الحالية، إذ لا يزال الطريق محفوفاً بالمخاطر والتعقيدات. فهناك تيارات مؤثرة داخل إسرائيل والولايات المتحدة تعارض أي تسوية لا تؤدي إلى قيود صارمة ودائمة على القدرات الإيرانية، كما أن أي حادث عسكري مفاجئ أو انهيار في الثقة المتبادلة قد يعيد المنطقة سريعاً إلى دائرة التصعيد.
فالرئيس ترامب يسعى إلى الخروج من مستنقع الحرب التي أفرزت تداعيات اقتصادية وأمنية تجاوزت حدود التقديرات الأولية، فيما تتطلع إيران، من جانبها، إلى وضع نهاية لهذه المواجهة بعد ما خلفته من خسائر هائلة على مختلف المستويات. غير أن اندفاع أي من الطرفين نحو تسوية سريعة قد يؤدي إلى إنتاج اتفاق يصعب الجزم بمدى قابليته للتطبيق أو قدرته على الصمود على المدى الطويل
ويبقى التحدي الحقيقي، كما يقول التعبير الشائع، أن «الشيطان يكمن في التفاصيل» The devil is in the details ليس فقط في ما ستتضمنه نصوص الاتفاق وبنوده الدقيقة، وإنما أيضاً في مدى استعداد إيران للالتزام العملي بما قد يصدر عنه من تعهدات، وفي قدرة الأطراف المختلفة على بناء حد أدنى من الثقة المتبادلة يسمح بتحويل التفاهمات السياسية إلى واقع مستقر وقابل للاستمرار.
وبرغم هذه التعقيدات، تشير المعطيات الحالية إلى أن منطق التسوية بات مرحلياً أقوى من منطق الحرب، وأن مختلف الأطراف أصبحت تدرك أن استمرار المواجهة المفتوحة يحمل كلفة استراتيجية واقتصادية وأمنية لم تعد قابلة للتحمل، سواء على مستوى الإقليمي أو على مستوى الاقتصاد العالمي بأسره.
السفير عمرو حلمي














0 تعليق