نيران الحرب فى الشرق الأوسط «لا تُبقى ولا تَذَر»

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

فى الوقت الذى تعيش فيه الأمة العربية والإسلامية أيامًا مباركة من عيد الأضحى، حيث يفترض أن تسود قيم الرحمة والسلام والتكافل، تواصل آلة الحرب الإسرائيلية حصد الأرواح وبث الدمار فى غزة ولبنان دون توقف. بينما تتعالى تكبيرات العيد فى العواصم والمدن العربية، ترتفع فى المقابل أصوات الانفجارات وصفارات الإسعاف ونداءات الاستغاثة من تحت الركام.

 

كل يوم فى غزة شهداء وجرحى، وكل يوم فى لبنان نازحون وجنازات ومخاوف متصاعدة من اتساع رقعة المواجهة. وبينما يتكرر الحديث دوليًا عن «وقف إطلاق النار»، يبقى السؤال: أى نار توقفت بالفعل؟ ومن الذى ما زال يدفع الثمن على الأرض؟

ولعل الإجابة عن هذا السؤال تتجلى بوضوح فى التطورات الميدانية المتسارعة التى تشهدها جبهتا غزة ولبنان.

التطورات الميدانية الأخيرة تشير إلى أن ما يجرى لم يعد مجرد عمليات عسكرية محدودة أو ردود أفعال أمنية، بل بات يأخذ طابع مشروع توسع ميدانى متدرج.

فى قطاع غزة، انتقلت خطط الجيش الإسرائيلى من السيطرة على نحو 60% من مساحة القطاع إلى ما يقارب 70% من أراضيه، فى خطوة تعكس رغبة واضحة فى فرض واقع جغرافى وأمنى جديد.

 

وإذا كانت غزة تمثل النموذج الأبرز لهذا التوسع الميدانى، فإن الساحة اللبنانية لا تبدو بعيدة عن المشهد ذاته. المشهد ذاته يتكرر، وإن بصيغة مختلفة، على الساحة اللبنانية.

 

قد أعلنت إسرائيل عن توسيع نطاق عملياتها العسكرية شمال نهر الليطانى، مع تأكيد رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو أن قواته عبرت النهر وسيطرت على مواقع وصفها بالاستراتيجية، مشددًا على أن العمليات لا تقتصر على الجنوب اللبنانى فحسب، بل تمتد إلى بيروت والبقاع وعلى طول الجبهة.

 

وتبرر الحكومة الإسرائيلية هذه التحركات بالحاجة إلى تعزيز ما تسميه «الحزام الأمنى» لحماية المستوطنات الشمالية، إلا أن حجم العمليات واتساع رقعتها يطرحان تساؤلات جدية حول ما إذا كانت الأهداف تتجاوز البعد الأمنى إلى إعادة رسم معادلات السيطرة والنفوذ فى المنطقة.

 

غير أن التداعيات لا تقتصر على الجوانب العسكرية والاستراتيجية فحسب، بل تمتد إلى البعد الإنسانى الذى يدفع المدنيون ثمنه يوميًا.

وراء الخرائط العسكرية والتصريحات السياسية، تتكشف مأساة إنسانية متفاقمة. مدن وقرى تُستهدف، وسكان يطلب منهم مغادرة منازلهم إلى مصير مجهول، فيما تتزايد أعداد الضحايا والنازحين بشكل يومى.

وفى لبنان، أعلنت وزارة الصحة عن ارتفاع حصيلة العدوان الإسرائيلى إلى آلاف الشهداء والجرحى منذ اندلاع المواجهة الأخيرة، فى مؤشر يعكس حجم الكُلفة البشرية للحرب. أما فى غزة، فلا تزال صور الدمار الشامل والأحياء المدمرة والنزوح الجماعى عنوانًا ثابتًا للمشهد اليومى.

وفى موازاة الضغوط الميدانية المتصاعدة، تبرز تحديات سياسية داخلية تزيد من تعقيد المشهد اللبنانى.

وعلى وقع التصعيد العسكرى، يواجه لبنان أزمة داخلية لا تقل خطورة عن التهديدات الأمنية. البلاد تعيش حالة استقطاب سياسى حاد وانقسام داخلى متزايد، ما يجعل قدرتها على مواجهة التحديات أكثر تعقيدًا.

 

 

وفى الوقت الذى دعا فيه الأمين العام لحزب الله إلى تحركات شعبية لمواجهة ما وصفه بالمشروع الأمريكى الإسرائيلى وإسقاط الحكومة، يتمسك رئيس الدولة بخيار التفاوض والدبلوماسية سعيًا لتحقيق انسحاب إسرائيلى كامل من الأراضى اللبنانية وتأمين عودة النازحين إلى مناطقهم بأمان.

 

 

هذا التباين فى الرؤى يعكس حجم المأزق اللبنانى، إذ تجد الدولة نفسها بين ضغوط الحرب من جهة، والانقسامات السياسية الداخلية من جهة أخرى، فى وقت يحتاج فيه لبنان إلى موقف وطنى موحد أكثر من أى وقت مضى.

وفى ظل هذا الواقع الميدانى والسياسى المتشابك، تبدو الصورة الإقليمية أكثر ضبابية من أى وقت مضى. القراءة السياسية والعسكرية للمشهد الحالى تشير إلى أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا وخطورة.

 

إسرائيل تبدو ماضية فى توسيع نطاق عملياتها الميدانية وفرض وقائع جديدة على الأرض، بينما تواصل قوى المقاومة الرد ومحاولة استنزاف الجيش الإسرائيلى عبر هجمات نوعية ومتفرقة.

وفى ظل غياب أفق واضح لتسوية سياسية شاملة، واستمرار العجز الدولى عن فرض وقف فعلى ومستدام لإطلاق النار، تتزايد المخاوف من انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع قد تتجاوز حدود غزة ولبنان.

ومع استمرار غياب مؤشرات حقيقية على التهدئة، تتجه الأنظار إلى ما قد تحمله المرحلة المقبلة من تحولات ربما تتجاوز حدود المواجهات الحالية.

 

 

وفى ظل استمرار العمليات العسكرية واتساع رقعة المواجهات من غزة إلى جنوب لبنان، تبدو المنطقة وكأنها تدخل مرحلة جديدة تتجاوز حدود المعارك التقليدية إلى إعادة رسم الوقائع على الأرض وفرض معادلات سياسية وأمنية جديدة. وبين رهانات القوة العسكرية ومساعى الحلول الدبلوماسية، يبقى مصير ملايين المدنيين رهينة قرارات لم تحسم بعد، فيما تتزايد المخاوف من انزلاق الصراع نحو آفاق أكثر اتساعًا وخطورة.

 

 

اليوم يقف لبنان عند مفترق طرق بالغ الحساسية، فيما تواجه غزة واحدة من أكثر مراحل الصراع قسوة ودموية. وبين نار الميدان وتعقيدات السياسة، يبقى السؤال معلقًا فوق رءوس الملايين: هل تنجح الدبلوماسية فى إبعاد شبح الحرب الشاملة واحتواء التصعيد، أم أن المنطقة تتجه نحو مواجهة مفتوحة قد تعيد رسم ملامحها بالقوة والنار، فى مشهد لا يبقى ولا يذر؟

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق