وانطلاقاً من هذه المؤشرات، لا توحي المقاربة الأميركية الحالية بسلوك طرف يتجه نحو تثبيت الاستقرار بقدر ما تعكس إدارة مباشرة لحالة توتر قائمة، إذ يترافق استمرار الخطاب السياسي عن فرص اتفاق وشيك مع غياب أي مؤشر فعلي على خفض الانتشار العسكري الأميركي في المنطقة، بل على العكس يتعزز الحضور البحري والجوي مع وصول حاملة الطائرات "يو إس إس جيرالد آر فورد"، في دلالة تعكس استعداداً لخيارات تصعيدية لا تنسجم مع مناخات التسوية التي يجري الترويج لها.
في موازاة ذلك، تبدو التصريحات الأميركية وكأنها تخدم وظيفة إضافية تتجاوز السياسة المباشرة، إذ تتقاطع مع ديناميات الأسواق المالية والطاقة. فالتلويح بقرب حل الأزمة، مقابل التهديد المتكرر باستخدام القوة، يخلق تذبذباً في توقعات المستثمرين، وهو ما انعكس فعلياً في حركة أسواق الأسهم والنفط، بما يجعل هذه الازدواجية في الرسائل أقرب إلى إدارة متوازية لتوقعات السوق بالتوازي مع مسار التفاوض.
في المقابل، لا تبدو طهران غافلة عن هذا النمط، بل تتعامل معه عبر رفع منسوب الخطاب والتلويح بأدوات ضغط ميدانية، إذ تشير مصادر شديدة الاطلاع إلى أن التباين في إعلان المواقف المرتبطة بمضيق
"هرمز" لم يكن انعكاساً لقرار نهائي بقدر ما جاء نتيجة اختلاف في التوقيت داخل المؤسسات الإيرانية، قبل أن يُعاد احتواؤه سريعاً عبر تثبيت موقف أكثر صرامة يقوم على التشدّد في شروط التفاوض، والتلويح بخيارات ميدانية مرتبطة بحركة الملاحة في المضيق، وذلك بعد ساعات من تصريحات وزير الخارجية عباس عراقجي.
في هذا السياق، برزت عقدة أساسية في مسار التفاوض تتعلق بمصير اليورانيوم المخصب، وهو بند جرى تسويقه إعلامياً، أميركياً وعربياً، على أنه بات شبه محسوم لمصلحة الطرح الأميركي، إلا أن المصادر كانت قد أشارت منذ وقت مبكر إلى أن هذا الشرط تحديداً يصعب على طهران القبول به، وهو ما تأكد لاحقاً مع تمسكها برفض تسليمه مباشرة للولايات المتحدة، الأمر الذي أعاد فتح باب البحث عن مخارج بديلة مع دخول روسيا على خط الوساطة غير المباشرة. غير أن هذه المحاولة تصطدم بعامل أساسي يتمثل في غياب الثقة المتبادلة بين الطرفين، ما يجعل أي صيغة وسط عرضة للانهيار السريع.
بناءً على ذلك، يتكرّس نمط تفاوضي يقوم على رفع سقف التوقعات إعلامياً ثم تحميل الطرف الآخر مسؤولية التعطيل عند أول نقطة خلاف تمهيداً لإعادة تبرير التصعيد، وهو أسلوب لا ينتج اتفاقاً بقدر ما يؤسس لدورات متكررة من التوتر حيث تصبح الحرب احتمالاً قائماً وليست نتيجة حتمية، لكنها تقترب كلما ضاقت مساحة الحلول الوسط.
ضمن هذا المشهد، لا يمكن اختزال ما يجري بعامل واحد، لأن ما يتحكم به هو توازن دقيق بين الضغط العسكري وإدارة الأسواق وتعقيدات التفاوض النووي، وبالتالي تبدو نهاية نيسان مرشحة لأن تتحول إلى نقطة اختبار حقيقية لمسار الأزمة، إما باتجاه تثبيت قواعد اشتباك جديدة أو الانزلاق نحو مواجهة أوسع.










0 تعليق