لأن التفاوض هنا ليس ورقة دبلوماسية تُفتح وتُغلق، هو لحظة فاصلة بين تثبيت الحقوق… أو إعادة تعريفها تحت الضغط.
المشهد الحالي لا يترك مجالًا كبيرًا للمناورة. النار ما زالت مشتعلة، والخرائط تُرسم يوميًا. وفي ظل هذا الواقع، يصبح الحديث عن تفاوض مباشر أقرب إلى السير فوق أرض متحركة. لا شيء ثابتا، ولا ميزان واضحا يمكن الركون إليه.
أول ما يفرض نفسه هنا هو منطق بسيط: حين يتقدّم الصوت العسكري، يتراجع أي معنى فعلي للسياسة. التفاوض تحت القصف لا ينتج اتفاقات، بل ينتج تنازلات مقنّعة. الطرف الذي يضغط في الميدان، يفاوض من موقع الفرض، لا من موقع الشراكة. لذلك، يكون وقف إطلاق النار هو الحد الفاصل بين تفاوضٍ ممكن… وتفاوضٍ مفروض.
لكن المشكلة في لبنان لا تتوقف عند الخارج. الداخل نفسه يقف على أرض رخوة. أي خطوة بهذا الحجم، من دون غطاء وطني فعلي، تتحول سريعًا إلى مادة انقسام. في هذا البلد تتنازع فيه السرديات، لا يكفي أن يُتخذ القرار. والتجربة اللبنانية مليئة باتفاقات وُقّعت على الورق، وسقطت عند أول احتكاك بالواقع، لأن الداخل لم يكن شريكًا فيها بل متلقّيًا لها.
ثم يأتي العامل الأكثر حساسية: ميزان القوة. في أي تفاوض ثنائي مباشر، يميل الميزان تلقائيًا نحو الطرف الأقوى. وهنا تحديدًا تظهر الحاجة إلى مظلة دولية كضمانة كاملة وأداة كبح. وجود إطار أممي أو دولي لا يخلق توازنًا حقيقيًا، لكنه يمنع الانزلاق نحو تفاوض مفتوح على كل الاحتمالات. هو أشبه بحاجز يمنع الانهيار، حتى لو لم يوقف الميلان.
اللافت أن مجرد طرح هذه الشروط من وقف النار، التوافق الداخلي، والإطار الدولي سيكون كافيًا لإحداث تراجع في الحماسة الإسرائيلية. وهذا بحد ذاته مؤشر. لأن التفاوض الذي لا يمكن ضبطه بشروط، هو التفاوض الذي يُراد له أن يبقى ساحة ضغط، لا مسار حل.
لكن ما يجب إضافته هنا، وهو الأهم، أن لبنان لا يتحرك في فراغ. أي تفاوض اليوم لا يمكن فصله عن المشهد الإقليمي الأوسع، خصوصًا مع تعثر المسار الإيراني–الأميركي.
وفي لحظة كهذه، سيتحول لبنان من طرف يسعى لاقتناص فرصة، إلى ساحة يُعاد استخدامها ضمن لعبة أكبر. وهذا ما يرفع المخاطر: أن يُدفع نحو التفاوض ليس لأنه جاهز، بل لأن الظرف الإقليمي يفرض ذلك.
هنا تحديدًا يصبح الحذر ضرورة. لأن التفاوض، في توقيت خاطئ، قد لا يكون بابًا للخروج من الأزمة، بل وسيلة لإدارتها على حساب طرف أضعف.
في النهاية، المسألة ليست موقفًا مبدئيًا مع أو ضد. المسألة تتعلق بالحدود التي يُرسم فيها هذا المسار.
التفاوض بلا شروط واضحة، وبلا توازن نسبي، لا يكون خطوة إلى الأمام… بل إعادة تموضع داخل معادلة يفرضها الآخر.











0 تعليق