خبير عسكري لـ"الدستور": مفاوضات واشنطن بين لبنان وإسرائيل محاولة لاحتواء تداعيات الحرب

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

قال الخبير العسكري اللبناني العميد المتقاعد يعرب صخر، إن مفاوضات واشنطن بين لبنان وإسرائيل يوم الثلاثاء المقبل تأتي في سياق محاولة لبنانية لاحتواء تداعيات الحرب الأخيرة التي زج فيها حزب الله البلاد، من دون أن يكون للبنان مصلحة مباشرة فيها، الأمر الذي أدى إلى تصعيد عسكري خطير مع إسرائيل.

يعرب صخر: لبنان يريد تفادي اتساع رقعة المواجهة

 وأوضح يعرب صخر، في تصريحات خاصة لـ"الدستور"، أن المبادرة اللبنانية هدفت إلى فتح نافذة سياسية لتفادي اتساع رقعة المواجهة وتقليل المخاطر التي نتجت عن التصعيد.

وأشار "صخر" إلى أن توقيت الإعلان الإسرائيلي عن قبول التفاوض لم يكن معزولًا عن السياق الإقليمي، لافتًا إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سعى من خلال هذه الخطوة إلى قطع الطريق أمام إيران، التي كانت تضغط لإدراج لبنان ضمن تفاهمات وقف إطلاق النار الأوسع في المنطقة. واعتبر أن هذه المحاولة تعكس مساعي إيرانية للإبقاء على لبنان ضمن دائرة نفوذها، وهو ما وصفه بـ"المقاربة الخبيثة".

ولفت صخر إلى أن لبنان الرسمي بادر إلى تأكيد استقلالية قراره التفاوضي، حيث شدد رئيس مجلس الوزراء نواف سلام على أن الدولة اللبنانية وحدها هي المخولة التفاوض باسم لبنان، في خطوة تهدف إلى منع أي تدخلات خارجية، ولا سيما من جانب إيران، في المسار السياسي اللبناني.

وكشف "صخر" عن صدور قرار وزاري لبناني يقضي باعتبار حزب الله كيانًا خارجًا عن القانون، مع حظر جناحيه الأمني والعسكري بشكل كامل، متهمًا الحزب بأنه تسبب في إدخال البلاد في حرب لا تخدم مصالحها، بل جاءت في سياق خدمة أجندات إقليمية مرتبطة بإيران، التي تسعى، إلى استخدام ما يسمى "وحدة الساحات" لخدمة مصالحها الاستراتيجية.

وأضاف أن إيران، التي تخوض حاليًا مفاوضات مع الولايات المتحدة، تحاول توظيف حلفائها في المنطقة عند تعرض مصالحها للخطر، دون أن تقدم دعمًا فعليًا لهذه الساحات في أوقات الأزمات، سواء في غزة أو لبنان خلال الحرب الأخيرة.

صخر: نقاط شائكة بين لبنان وإسرائيل في مفاوضات واشنطن

وعن جدول الأعمال المتوقع للمفاوضات، أوضح "صخر" أن الملفات المطروحة متعددة، في مقدمتها تثبيت وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي تقدمت إليها داخل الجنوب اللبناني. وأشار إلى أن عدد النقاط التي تسيطر عليها إسرائيل ارتفع من خمس نقاط قبل اندلاع المواجهات إلى نحو أربعين نقطة حاليًا، مع سيطرة تمتد على مساحة تقدر بنحو 500 كيلومتر مربع.

ولفت إلى أن مسألة سلاح حزب الله ستكون بندًا أساسيًا على طاولة النقاش، موضحًا أن مطلب نزع سلاح الحزب لا يقتصر على الجانب الإسرائيلي فحسب، بل يندرج أيضًا ضمن المطالب اللبنانية الداخلية، استنادًا إلى الدستور ومبدأ حصر السلاح بيد الدولة.

واعتبر أن هذه المفاوضات تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة لبنان على استعادة قراره السيادي، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي وتشابك المصالح الدولية.

وأوضح "صخر" أن الملفات المطروحة على طاولة التفاوض متعددة ومتشعبة، ما يعني أن العملية لن تكون سريعة أو سهلة، بل ستستغرق وقتًا طويلًا من البحث والنقاش. وأشار إلى أن لبنان يدخل هذه المفاوضات من موقع ضعف واضح، في مقابل تفوق إسرائيلي ميداني، حيث تسيطر إسرائيل على مساحات واسعة من الأراضي اللبنانية، وتفرض وقائعها بالقوة العسكرية، مستفيدة من لغة النار التي تعتمدها في إدارة الصراع.

وأضاف أن ما سيأتي بعد بحث مسألة الانسحاب الإسرائيلي، يتمثل في معالجة النقاط الحدودية المتنازع عليها، وهي بدورها ملفات معقدة تتطلب مفاوضات دقيقة وطويلة. واعتبر أن هذه القضايا تشكل جزءًا من مسار تفاوضي أوسع قد يقود في مراحله النهائية إلى ترتيبات أمنية، أو هدنة طويلة الأمد، وربما حتى اتفاق سلام.

وأوضح صخر أن جلسة الثلاثاء لن تتجاوز في مضمونها الإطار التحضيري البروتوكولي، حيث ستقتصر على تحديد العناوين العريضة ورءوس الأقلام، تمهيدًا للانتقال إلى مراحل تفاوضية لاحقة أكثر تفصيلًا وتعقيدًا. واعتبر أن هذه المرحلة الأولى، رغم طابعها الإجرائي، تشكل الأساس الذي ستبنى عليه بقية المراحل، ما يجعلها ذات أهمية محورية في مسار التفاوض.

وحذر "صخر" من استمرار الأزمة البنيوية التي يعاني منها لبنان، والمتمثلة في محاولات حزب الله إبقاء البلاد ضمن دائرة النفوذ الإيراني. وقال إن لبنان حاول الخروج من هذا الفلك، إلا أن الحزب يسعى إلى إعادة تكريس هذا الارتباط بوسائل مختلفة.

وأشار إلى أن المتغيرات الجيوسياسية في المنطقة باتت واضحة، لا سيما بعد انقطاع خطوط الإمداد التي كانت تمر عبر الساحة السورية، والتي شكلت سابقًا شريانًا حيويًا لحزب الله وللنفوذ الإيراني. واعتبر أن هذه التحولات تفتح الباب أمام انتقال لبنان من واقع "الدويلة" إلى منطق الدولة، في حال تم استثمارها سياسيًا بشكل صحيح.

وانتقد صخر أداء الدولة اللبنانية، معتبرًا أنها أظهرت تراخيًا واضحًا خلال الفترة الماضية، ولم تتخذ إجراءات حاسمة لكبح نفوذ الحزب أو إخضاعه لسلطة الدولة. وأشار إلى أن هذا الواقع سمح لحزب الله بالتمرد على القرار الرسمي، والاستئثار بقرار الحرب والسلم، ما أدى إلى فتح جبهة مع إسرائيل ومنحها مبررات لتوسيع عملياتها العسكرية داخل الأراضي اللبنانية.

واعتبر الخبير العسكري اللبناني أن نتائج المفاوضات بين إيران وأمريكا، في حال جاءت إيجابية قبل انتهاء الهدنة، قد تنعكس بشكل مباشر على الوضع في لبنان، إلا أن ذلك يبقى مشروطًا بتحولات جوهرية في السياسة الإيرانية، وفي مقدمتها وقف ارتباطها بالأذرع الإقليمية.

وأوضح "صخر" أن من أبرز الشروط المطروحة في سياق التفاوض، إنهاء إيران لعلاقاتها مع القوى الحليفة في المنطقة، وهو ما يعني، في حال تحققه، تضييق الخناق على حزب الله في لبنان وصولًا إلى احتوائه بشكل كامل. وأضاف أن الحزب، الذي بات محظورًا من الناحيتين العسكرية والأمنية وفق القرار اللبناني، قد يواجه إقصاء سياسيًا نهائيًا من الحياة العامة إذا استمر في نهجه الحالي ورفض الانصياع لسلطة الدولة.

وفي تقييمه لطبيعة هذه المفاوضات، أبدى صخر تشككًا عميقًا في فرص نجاحها، معتبرًا أنها لا تتجاوز كونها "استراحة مقاتل" أكثر من كونها مسارًا جديًا نحو تسوية مستدامة. وأرجع ذلك إلى انعدام الثقة بين الطرفين، فضلًا عما وصفه بالمراوغة الإيرانية والتعقيدات الإسرائيلية، التي قد تفضي في نهاية المطاف إلى إفشال العملية التفاوضية.

وأشار إلى أن التدقيق في البنود المطروحة يكشف عن أنها تميل إلى فرض شروط قاسية على طهران، تصل إلى حد الاستسلام الكامل، وهو أمر استبعد أن تقبل به إيران بسهولة. ومن بين هذه الشروط، التخلي التام عن البرنامج النووي، وتفكيك المنشآت الرئيسية مثل نطنز وفوردو وأراك وأصفهان، تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى جانب تقليص القدرات الصاروخية الباليستية إلى مدى لا يتجاوز 200 كيلومتر، وقطع العلاقات مع الحلفاء الإقليميين.

ولفت "صخر" إلى أن فترة التفاوض، التي حددت مبدئيًا بأسبوعين مع إمكانية تمديدها، قد لا تكون سوى غطاء زمني لإعادة تموضع القوات الأمريكية في المنطقة وتعزيز حضورها العسكري. 

وتطرق "صخر" إلى ملف مضيق هرمز، معتبرًا أنه أصبح بندًا محوريًا في المفاوضات، بعد أن نجحت إيران، في استخدامه كورقة ضغط اقتصادية مؤثرة على المجتمع الدولي، عقب فشلها في تحقيق مكاسب عبر التهديدات العسكرية المباشرة. 

ورأى أن الولايات المتحدة قادرة عسكريًا على فرض السيطرة على مضيق هرمز وتأمينه، لكنها تفضل العمل ضمن تحالف دولي أوسع، يضم دولًا أوروبية وحلف شمال الأطلسي، من أجل توفير غطاء شرعي وسياسي لأي تحرك محتمل، خصوصًا في ظل سعي الإدارة الأمريكية إلى حشد دعم دولي قبل الإقدام على خطوات تصعيدية.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق